عرض/ مرح البقاعي
هل ما يدعى المارد النائم -كناية عن الأمة الصينية- ما زال نائما بالفعل لا بالقول وحسب؟ وهل القرن الحادي والعشرون هو زمن استيقاظ هذا المارد بكل ما يمتلكه من ثقل عالمي منافِس على المستويات البشرية والاقتصادية والعلمية مجتمعة؟

ثم هل تختلف الوقائع وتفاصيل حركة الحياة والاقتصاد والسياسة على الأرض في الصين عما يتصوره الغرب ويهيئ له من صدام حتمي للمصالح بين العالمين، أم أن الأمر مبالغ به، وأن التكامل الاقتصادي بين حاجات الغرب والوفرة في منتوج الصين هو الحتمي والواقعي بالفعل؟

-العنوان: عصر الطموح.. مطاردة الثروة، الحقيقة والعقيدة في الصين الجديدة
-الكاتب: إيفان أوزنوس
-الناشر: فارار، شتراوس وجيرو
-عدد الصفحات: 416
-تاريخ النشر: 2014

الكتاب الذي يحمل عنوان "عصر الطموح.. مطاردة الثروة"، حصد -خلال عام واحد فقط من صدوره- جوائز عالمية مرموقة، في مقدمتها: جائزة بوليتزر للكتاب التوثيقي، وجائزة الكتاب الوطني للعام 2014، وجائزة أفضل كتاب اقتصادي للعام 2014.

أما مؤلف الكتاب إيفان أوزنوس، فهو مراسل مجلة نيويوركر لسنوات عديدة في بكين، وقد ساعده تواجده على الأرض في استطلاع المشهد بأم عينه ومعاينة الاضطراب الثقافي والسياسي والحقوقي العميق في هذا البلد.

هذا المشهد هو ما نقله أوزنوس في كتابه الثوثيقي هذا، بأمانة الصحفي، ورؤية المحلل السياسي العلمية والواقعية.

يصف المؤلف في الكتاب طبيعة الصدام الحادث بين حركتين أساسيتين في المجتمع الصيني المعاصر: الأولى تتعلق بالأفراد وصعودهم كجهة مستقلة بعيدة عن الانتماء الحزبي أو سيطرة الدولة، والثانية وتتعلق بالحزب الشيوعي، الجهة الرسمية التي تريد الاستمرار في القبض على الحركة السياسية والاقتصادية وتجيير الموارد المجتمعية بما يصب في صالح سيطرتها الكاملة على البلاد.

أسئلة التغيير في الصين
يثير أوزنوس في كتابه أسئلة عن عمق البعد الإنساني الذي يجب أن يرافق عمليات التغيير الكبرى في العالم، حيث تعتبر الصين من الدول التي يجتاحها التغيير على عدة مستويات كما يبدو لقارئ المشهد عن بعد.
أما أسئلة المؤلف فتتعلق بالحقيقة على الأرض التي لامس تفاصيلها من خلال عمله كصحفي في الصين، والتي تتلخص في محاور استقصائية ساخنة أهمها: كيف يمكن لحكومة تحاول بكل طاقتها أن تنتشل شعوبها من الفقر -وقد نجحت في ذلك بشكل ملحوظ ومتقدم على أي حكومة في التاريخ الحديث- أن تسقط في امتحان الحقوق الإنسانية في أبسط مبادئه، وتختار بالنتيجة أن تضع قيودا صارمة على حرية التعبير التي هي من أولى مبادئ شرعة حقوق الإنسان الدولية؟

ولماذا يتصدر ملايين من الشباب الصينيين المتعلمين الذين يتحدثون اللغة الإنجليزية بطلاقة وينتمون إلى ما يسمى "ثقافة البوب" الغربية، مهمة مقاومة نفوذ الغرب الذي يمارسون ثقافته كل يوم في بلادهم، بل ويطلقون على أنفسهم لقب "الشباب الغاضب" من تلك الثقافة؟ والسؤال الكبير والأكثر أهمية هو: كيف وأين يجد الصينيون -من مختلف انتماءاتهم الطبقية- المعنى الإنساني والثقافي في مسيرة سعيهم الحثيث بحثا عن الثروة خلال العقدين الأخيرين من عمر بلادهم؟

الطموح في مواجهة الاستبداد

يصف الكتاب طبيعة الصدام الحادث بين الأفراد وصعودهم كجهة مستقلة بعيدة عن الانتماء الحزبي أو سيطرة الدولة، وبين الحزب الشيوعي الذي يريد الاستمرار في القبض على الحركة السياسة والاقتصادية في البلاد

بفرادة السرد الساخر التي يتميز بها قلم أوزنوس، يحاول المؤلف الإجابة على هذه الأسئلة من خلال قصص حقيقية ومؤثرة لأفراد من الشعب الصيني تتعلق بحياتهم اليومية، وذلك من أجل الكشف عن إجابات أصلية تكمن في صلب واقع الصين الجديدة، وتتجلى في الصراع بين معسكرين: الطموح المثالي من جهة، والاستبداد القديم الجديد من جهة أخرى، ومن ثم رصد من سينتصر في ساحة هذه المعركة الوجودية المستمرة.

فمنذ مباشرة إدخال الإصلاحات على منظومتها الاقتصادية والمتمثلة في التحول إلى اقتصاد السوق ابتداء من العام 1978، أصبحت الصين من أسرع اقتصادات العالم نموا على الإطلاق، وأكبر دولة مصدرة في العالم، وثاني أكبر مستورد للبضائع. كما تم تصنيف الاقتصاد الصيني على أنه ثاني أكبر اقتصاد عالمي من حيث الناتج المحلي الإجمالي. هذا الاقتصاد المزدهر والمستقر وضع البلاد في مركز أهّلها لأن تكون عضوا في منظمات دولية، كمنظمة التجارة العالمية والبريك ومنظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة العشرين.

ومقارنة مع هذا الوضع الاقتصادي المتقدم، سجلت حقوق الإنسان في العام 2014 ترديا عظيما في سجل معظم المنظمات الحقوقية، وهنا يكمن جوهر التحدي الذي يتحدث عنه هذا الكتاب. ففي العام 2014 تم اعتقال قرابة ألف ناشط حقوقي، لتكون أسوأ حصيلة على صعيد الانتهاكات في الصين منذ عقدين من الزمن.

كما تم اعتقال خمس نساء بتهمة التخطيط لمظاهرات ضد التحرش الجنسي في يوم المرأة العالمي، مما أثار ردود أفعال دولية من المنظمات الحقوقية وخاصة تلك التي تدافع عن المرأة وحقوقها في العالم.

مقارنة بالوضع الاقتصادي المتقدم، سجلت حقوق الإنسان عام 2014 ترديا عظيما في سجل معظم المنظمات الحقوقية، وهنا جوهر التحدي الذي يتحدث عنه الكتاب. ففي هذا العام تم اعتقال قرابة ألف ناشط حقوقي، لتكون أسوأ حصيلة على صعيد الانتهاكات في الصين منذ عقدين
واعتبرت فترة الرئيس شي جين بينغ هي الأسوأ على صعيد قمع الحريات العامة، وكأنها عودة بالصين إلى عهد القمع الأيدولوجي الماوي، حيث يتم التشديد على حريات التواصل ووسائل الإعلام الاجتماعي والإنترنت، كما يتم اعتقال الليبراليين والمثقفين من محامين ونشطاء وكتاب وأصحاب مدونات، أو دفعهم للهجرة في أحسن الأحوال.

حلم الفرد مقابل إرادة المنظومة
يحاول الكتاب أن يحقق توازنا نادرا في السرد الواقعي من خلال استقصاء مؤلفه لقصص شخصيات عامة من أمثال لين يي فو وهو خبير اقتصادي في البنك الدولي لجأ إلى الصين من تايوان منذ العام 1979، إلى جانب شخصية مغمورة كان أوزنوس قد التقاها صدفة في مؤتمر للغة الإنجليزية وتابع بعد ذلك نشاطها لعدة سنوات، هذه الشخصية المتفائلة هي مايكل زانغ الذي سيغدو من أهم الشخصيات المحورية في الكتاب.

والغاية من رواية القصص الفردية لهذه الشخصيات -كما أرادها المؤلف- أن يسوق قصصا فردية لمحاولات تهدف إلى بناء حياة أفضل في الصين، مقابلة مع أحداث العنف التي شهدتها في السنوات الخمس الماضية، وتراجع الحريات العامة موازاة مع تقدم حركة الاقتصاد والمال.

الكتاب نافذة مشرعة على حقيقة الانقلابات الثقافية التي رافقت عجلة الاقتصاد التي لا تتوقف ليلا أو نهارا، في بلد يخرج بصعوبة من قيد نظام الحزب الواحد إلى منظومة التعددية الثقافية على أقل تقدير.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك