عرض/عدنان أبو عامر
أصدر معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب "التقدير الإستراتيجي السنوي لعام 2015"، يتناول فيه تطورات المنطقة، ويقدم جملة توصيات لصناع القرار الإسرائيلي بشأن التعامل مع التحديات القائمة، وهو عرف درج عليه المعهد منذ سنوات، ويعتبر مرجعا أساسيا لدى الدوائر السياسية والعسكرية والاستخبارية في تل أبيب.

حماس في غزة
ركز الفصل الأول من التقدير على الساحة الفلسطينية الإسرائيلية، وشارك في إعداده كل من الخبراء عنات كورتس، وشلومو بروم، وأودي ديكل، مشيرا إلى فشل المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، دون تحقيق اتفاق سياسي، لأن الطرفين ذهبا للمباحثات مكرهين، مع إدراكهما عدم جدواها، ووافقا على إجرائها لعدم الوقوع في مواجهة مع الإدارة الأميركية.

يتحدث التقدير عن أن السلطة الفلسطينية تدرك أن إسرائيل ليست معنية بإنهاء الاحتلال، بل تسعى لاستمرار السيطرة على المناطق الفلسطينية عبر الاستيطان في الضفة الغربية، وتحميل الفلسطينيين مسؤولية الجمود السياسي، وهو ما عززه إصرار المفاوض الإسرائيلي على استمرار الوجود العسكري في المناطق الفلسطينية بعد التوقيع على الاتفاق، وإقامة الدولة الفلسطينية، والاحتفاظ بحق استخدام هذه القوات دون تحديد زمن معين لهذا الوجود والنشاط.

التنبؤ الذي يقدمه التقدير الإسرائيلي يؤكد على غياب الإرادة للحل عند الطرفين، في ضوء الائتلاف اليميني الذي يقوده بنيامين نتنياهو والمعارضة الشديدة التي يبديها ائتلافه الحكومي لأي اتفاق نهائي مع الفلسطينيين، في حين يبدو محمود عباس ضعيفا ويحظى بشرعية منخفضة في أوساط الجمهور الفلسطيني، مما يجعله غير قادر على القبول باتفاق تمليه إسرائيل.

حظيت حماس بنصيب من التقدير الإسرائيلي الذي تحدث عن خياراتها المحدودة، التي دفعت بها نحو المصالحة مع فتح، ووافقت على تشكيل حكومة لا تضم ممثلين عنها، لكن اندلاع حرب غزة الأخيرة "الجرف الصامد" شكل انهيارا عمليا للمصالحة بسبب عدم جاهزية الطرفين لتطبيقه، لأن كلا منهما يعتقد أن الآخر يستغل الاتفاق ليضعفه، تمهيدا للقضاء عليه.

لكن حماس وفتح على حد سواء ليس أي منهما مستعدا للإعلان بشكل رسمي عن انتهاء المصالحة بسبب تخوفه من أن يتهمه الجمهور الفلسطيني بإفشالها.

يخلص التقدير في ختام الملف الفلسطيني للحديث عن أهم نتائج حرب غزة، وظهور نمط العمليات الفردية في الضفة، وأسماها "الذئب الوحيد"، والمواجهات بين الجيش الإسرائيلي والفلسطينيين في محيط ومداخل المسجد الأقصى.

ودعا التقدير دوائر صنع القرار في إسرائيل إلى الاستعداد لجولة عسكرية أخرى يمكن أن تحدث إذا فقدت حماس القدرة على السيطرة على قطاع غزة وعلى ضبط المنظمات السلفية فيه، وهو ما يتطلب من الجيش الإسرائيلي أن يسعى لتحقيق الانتصار بشكل واضح، وخلال وقت قصير، وأن يدمر الذراع العسكرية لحماس، ويخلق شروطا لتسوية أفضل، وفي هذا المجال ينبغي أن تستند إسرائيل لما أسماه التقدير "مبدأ الهجوم الأمني والاعتدال السياسي".

النووي الإيراني
ينتقل التقدير إلى الدائرة الإيرانية في فصله الثاني، وأشرف على إعداده الخبراء إميلي لانداو، وشمعون شتاين، وأفرايم كام، ويوآل غوجينكسي، لاسيما في ظل المخاطر الناجمة عن البرنامج النووي الإيراني بالنسبة لإسرائيل.

ويعتبر التقدير أن إيران ومشروعها النووي يتقدمان الأخطار الخارجية المهددة للأمن الإسرائيلي، لأن إيران معنية بالمحافظة على مكتسباتها وإنجازاتها التي تبقيها دولة على الحافة النووية، وتريد رفع العقوبات الاقتصادية كافة عنها، لكن الغرب -وفقا للتقدير الإسرائيلي- ليس مستعدا للتنازل، والتوصل إلى اتفاق يبقي إيران على مسافة عام واحد على الأقل من إنتاج قدراتها النووية، ويريد تقليص قدراتها على تخصيب اليورانيوم، وإخراج اليورانيوم المخصب من إيران، وإغلاق المنشآت العسكرية ذات القدرات الإنتاجية.

يتوقع التقرير عدم تقدم فرص الحل السياسي في ضوء الائتلاف اليميني الذي يقوده نتنياهو والمعارضة الشديدة التي يبديها ائتلافه الحكومي لأي اتفاق نهائي مع الفلسطينيين، في حين يبدو عباس ضعيفا ويحظى بشرعية منخفضة فلسطينيا، مما يجعله غير قادر على القبول باتفاق تمليه إسرائيل

وينصح التقدير الحكومة الإسرائيلية بالتعاون الكامل مع حلفائها لضمان عدم توقيع "اتفاق سيئ"، في مقابل مواصلة بناء خيارات إستراتيجية لمواجهة ومنع أي محاولة إيرانية لتحقيق "انطلاقة نووية" وقدرات نووية، على أن تحسن إسرائيل من جاهزيتها استعدادا لأي تصعيد مع أذرع إيران في المنطقة.

سوريا وحزب الله
يتوجه التقدير في فصله الثالث للحديث عن الاضطرابات الإقليمية في المنطقة، وأثرها على الأمن الإسرائيلي، وشارك في إعداده بنديتا بيرتي، ومارك هيلر، ويورام شوايتسر، ويبدأ بالحديث جنوبا عن العلاقات المصرية الإسرائيلية، حيث طرأ تحسن كبير فيها بسبب انتخاب السيسي رئيسا، وحربه ضد جماعة الإخوان المسلمين وحماس.

وقد وفرت الخطوات التي اتخذها السيسي فرصا إضافية لتعاون أمني وعسكري بين إسرائيل ومصر وتعميقه، ورغم ذلك، يرصد التقرير أن هذا التعاون الأمني والعسكري لم يمتدا لمجالات التعاون المدني والاقتصادي بينهما.

ثم ينتقل التقدير الإسرائيلي إلى الجبهة السورية التي تمر بحالة من انسداد الأفق بفعل الحرب الدائرة فيها، حيث ليس بمقدور مقاتلي المعارضة إخضاع النظام، في حين يعجز الأخير -رغم تلقيه الدعم المالي والعسكري المتواصل من إيران والعراق وحزب الله- عن حسم الأمور لصالحه.

أما على الجبهة اللبنانية، فأوصى التقدير المستويات العسكرية والأمنية الإسرائيلية بالاستعداد لمواجهة حزب الله عبر التخطيط والتدرب على حرب يجري فيها إنزال ضربة قاسية جدا بالحزب وقدراته العسكرية، وإضعافه قدر الإمكان بعد رحيل النظام في سوريا.

مستقبل تنظيم الدولة
ثم يتجه التقدير الإسرائيلي شرقا نحو العراق وظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وما اعتبرها الإنجازات التي حققها ميدانيا، وهو ما وفّر فرصة لإسرائيل لبناء تحالفات جديدة مع الدول العربية المعتدلة.

ورغم الإقرار بدور إسرائيل في القتال ضد التنظيم عبر توفير المعلومات الاستخباراتية، فإن هذا الدور ظل على نار هادئة، خشية أن تضطر إسرائيل لدفع الضريبة المطلوبة منها للانضمام للنادي المناهض لـ"داعش" في المنطقة، والمتمثلة في التحرك السياسي باتجاه حل سلمي وتسوية مع الفلسطينيين، أو بلورة موقف إيجابي من المبادرة العربية للسلام.

إسرائيل من الداخل
يركز التقدير الإسرائيلي في الفصل الرابع، والأخير، على الوضع الداخلي لإسرائيل، وقد أعده كل من مائير ألران ويهودا بن مائير وغلعاد شير، متناولا أبعاد حرب غزة على الأوضاع السياسية والحزبية والاجتماعية في إسرائيل، في حين تناول عيران ياشيف الأبعاد الاقتصادية وأثرها على الأمن القومي لإسرائيل، واختار شموئيل إيفين الحديث باستفاضة عن مستقبل الموازنة الأمنية للجيش الإسرائيلي في ضوء المطالب برفعها مع التطورات الأمنية المتلاحقة.

أحداث 2014 شهدت تغييرات في مكانة إسرائيل الإقليمية، وأثبتت خطأ وتقويض المفهوم الإسرائيلي العام القائل بإمكانية الوقوف جانبا، وعدم التدخل، وبناء سور يمنع امتداد وارتدادات عدم الاستقرار الإقليمي إلى داخل الحدود الإسرائيلية

يحرص التقدير الإسرائيلي على الإشارة المتكررة إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تفاقم وتيرة ضعف الجهات الحكومية في الشرق الأوسط، ونتج عن ذلك الضعف أن بدأ تآكل في قدرات الجيوش النظامية على مواجهة ذات الطرف، ويعتبر ناتجا من نواتج ضعف السلطات المركزية، وتصاعد قوة وتأثير الجهات غير الحكومية.

ولذلك بإمكان إسرائيل تمييز صنفين من اللاعبين غير الحكوميين في المنطقة: أحدهما اللاعب شبه الدولة مثل حماس وحزب الله وتنظيم الدولة، ويمثل تهديدا مباشرا وملموسا لإسرائيل. والنوع الثاني يضم تنظيمات غير حكومية، ولا تمتلك تواصلا جغرافيا واضحا، ومسؤوليتها تجاه المواطنين في المناطق التي تسيطر عليها قليلة، تبلغ حد كونها مسؤولية معدومة، وتعتمد بشكل أقل على دعم السكان الذين يعملون في أوساطهم.

التعادل الإستراتيجي
يخلص التقدير الإستراتيجي الإسرائيلي للعام 2015 إلى تعاظم التحديات التي سيكون على إسرائيل التعامل معها في الفترة المقبلة، استمرارا لتهديدات مستمرة سابقة، مع أن أحداث 2014 شهدت تغييرات في مكانة إسرائيل الإقليمية، وأثبتت خطأ وتقويض المفهوم الإسرائيلي العام القائل بإمكانية الوقوف جانبا، وعدم التدخل، وبناء سور يمنع امتداد وارتدادات عدم الاستقرار الإقليمي إلى داخل الحدود الإسرائيلية.

كما يدعو التقدير إلى إطلاق مبادرة سياسية إسرائيلية، تأخذ في الحسبان سبل الاستفادة من الفرص التي توفرها الحالة الإقليمية لتعزيز مكانة إسرائيل الإستراتيجية، مع توفر المزيد من الشكوك حول صحة وفاعلية السياسة الإسرائيلية في الحفاظ على الوضع القائم، والعمل على التقليص لأدنى حد ممكن للأخطار المحيطة بها، لافتا إلى تمكن إسرائيل عمليا من اجتياز عام آخر في صراع بقائها، وتقليل حجم الأخطار والتهديدات.

الخلاصة النهائية للتقدير الإسرائيلي تطالب بأن تكون السياسة الخارجية مبنية بالكامل على التنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية، مما سيسمح لإسرائيل بانتهاج سياسة أخرى، مبادرة، تفتح الباب على مصراعيه أمامها لمواجهة التحديات المستقبلية، على اعتبار أن 2014 كان عام التعادل الإستراتيجي في جميع جبهات المواجهة التي تعاني منها إسرائيل، وأن العام الجاري سيكون مشابها تماما.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك