عرض/غياث بلال

"يرى الإنسان ما يعرف أو ما يريد أن يراه. توقعاتنا حول تنظيم الدولة ساهمت في مساعدته للوصول إلى ما هو عليه الآن. فتحت ذلك السطح السميك من التطرف والتعصب كان ينضج هناك كائن حي مرن وذكي جدا, حيث استطاع أن يبز جميع من سبقوه. لقد قللنا من أهمية هذا التنظيم".

بهذا الكلام يفتتح كريستوف رويتر كتابه "السلطة السوداء" الذي يصف فيه ظهور تنظيم داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) في سوريا وتطوره. يقع الكتاب في ٣٥٢ صفحة من القطع المتوسط وصدر قبل أيام عن دار النشر الألمانية آنشتلات أو ما يعرف اختصارا بـ"ديفا".

أما المؤلف كريستوف رويترز فهو من أبرز الصحفيين الألمان العاملين في العالمين العربي والإسلامي، فقد غطى أغلب الحروب في هذه المناطق خلال الخمسة والعشرين سنة الماضية: في أفغانستان وفي الشيشان وفي البوسنة وفي العراق، حيث عمل لصالح مجلة "شتيرن" وصحيفة "دي تسايت" ويعمل منذ الـ٢٠١١ لصالح "الدير شبيغل" الشهيرة.

-العنوان: السلطة السوداء
-المؤلف: كريستوف رويتر
-الناشر: الألمانية آنشتلات "ديفا"
-عدد الصفحات: 352
-الطبعة: الأولى، أبريل/نيسان 2015

كما أنه ألف كتابين في ٢٠٠٢ وفي ٢٠٠٤ أحدهما بعنوان "قهوة بغداد" تحدث فيه عن الحياة في العراق في ظل الحرب والحصار، أما الثاني فكان بعنوان "حياتي كسلاح" تحدث فيه عن العمليات الانتحارية التي أرهقت القوات الأميركية في العراق وفي أفغانستان.

يقع الكتاب الجديد في اثني عشر فصلا، يبدؤها بفصل "خليفة الشتازي" ويقصد بالشتازي جهاز المخابرات الذي حكم دولة ألمانيا الشرقية أثناء فترة الحرب الباردة قبل انهيار جدار برلين.

يرى المؤلف أن تنظيم الدولة في جوهره ليس إلا جهازا استخباريا متغولا يعمل على إقامة دولة له. ويورد قصة حجي بكر أو سمير عبد محمد الخليفاوي الذي كان يعمل عميدا في مخابرات الدفاع الجوي العراقية قبل حلها، باعتباره المخطط الإستراتيجي الأهم لتنظيم الدولة، مستعرضا العديد من الوثائق لمخططات ولهيكليات وجدت في منزل حجي بكر  في تل رفعت بعد مقتله على يد الثوار السوريين في يناير/كانون الثاني ٢٠١٤.

هذه الوثائق تنشر لأول مرة في كتابه وتعطي فكرة عن الهيكلية المنشودة لدولة داعش التي كان يخطط لها حجي بكر قبل مقتله، كما أنها تشرح الأساليب والتكتيكات المتبعة لبناء هذه الدولة.

يقول كريستوف إن جميع الأحداث التي تلت مقتل حجي بكر تؤكد تمسك التنظيم بتعليماته وخططه بشكل كامل. حيث يقوم في الفصل الثاني من كتابه بعنوان "بدايات متقلبة" بشرح العلاقة المتعثرة لتنظيم الدولة بتنظيم النصرة، شارحا الاختلافات والفروق بين التنظيمين من خلال البدء بما عده الولادة الأولى لهما منذ لحظة ظهور أبو مصعب الزرقاوي وصولا لمعاركهما البينية الأخيرة.

وفي سياق هذا الاستعراض التاريخي يسعى لإثبات نظريته التي أوردها في الفصل الأول والتي ترى تنظيم الدولة وريثا لأجهزة مخابرات نظام صدام وأغلب ضباطه البعثيين. في حين يعمل الخطاب الإسلامي على إضفاء شرعية تاريخية ودينية على أعمال التنظيم ويضمن له المدد المالي والبشري اللازم لاستمراره.

يورد المؤلف قصة حجي بكر أو سمير عبد محمد الخليفاوي الذي كان يعمل عميدا في مخابرات الدفاع الجوي العراقية قبل حلها، باعتباره المخطط الإستراتيجي الأهم لتنظيم الدولة، مستعرضا العديد من الوثائق لمخططات وهيكلية التنظيم وجدت في منزل حجي بكر في تل رفعت بعد مقتله على يد الثوار
الجديد الذي يضيفه في هذا الفصل هو إيراد العديد من الحوادث والإشارات والأدلة التي تثبت تورط المخابرات السورية في دعم تنظيم داعش والتعاون معه ليس فقط في السنوات الأخيرة، بل منذ احتلال العراق في الـ٢٠٠٣.

في الفصل الذي يليه يتحدث كريستوف عن ظاهرة المقاتلين الأجانب لدى داعش مستعرضا أهم تشكيلاتهم، حيث تشكل هذه الظاهرة مصدر قلق للأوروبيين، خاصة أن بعض هؤلاء الأجانب قد يعود إلى بلده ويصبح مصدر تهديد لدولته.

في الفصل الرابع "خريف الخوف" يستعرض كريستوف التكتيكات التفصيلية التي اتبعها تنظيم الدولة لاختراق الثورة السورية واكتساح المناطق المحررة من سلطة الأسد في المرحلة التالية.

ويقول إن الخطة دائما تبدأ بنفس التفاصيل: تجتذب المجموعة تابعيها عبر افتتاح مكتب دعوي. ثم يتم اختيار شخص أو شخصين ممن يحضرون الدروس والندوات الدينية ويوكلون بمهمة التجسس على قراهم للحصول على معلومات عديدة. ثم يتم تحديد الأشخاص المؤثرين والقادة العسكريين ورسم خريطة لتوجهاتهم وميولهم. كما يتم الحرص على الاحتفاظ بتفاصيل مخزية لهم، كالسوابق الإجرامية أو الميول الجنسية الشاذة أو الارتباط بعلاقات غرامية، وذلك لاستخدام هذه المعلومات بهدف الابتزاز لاحقا.

ويتابع كريستوف بأن حجي بكر كتب في مذكراته "سنعين أذكى العملاء شيوخا للشريعة". كما أضاف على الحاشية بأن عددا من "الإخوة" سيتم اختيارهم وتزويجهم ببنات أكثر العائلات نفوذا "لضمان التغلغل في هذه العائلات دون إدراكها لذلك".

في الفصل الخامس "مع بعض من أجل ضربة مضادة" يتحدث عن معركة ثوار سوريا ضد هذا التنظيم في بدايات ٢٠١٤ حيث استطاعوا توجيه ضربة شديدة له أفقدته معظم المناطق التي سيطر عليها، حيث يصفهم كريستوف بأنهم القوة الوحيدة التي استطاعت إثبات فعالية حقيقية وقدرة يعول عليها في قتال تنظيم الدولة.

ثم يتحدث بعد ذلك في الفصل الذي يليه عن سقوط الموصل واغتنام التنظيم لموارد هائلة مكنته من العودة إلى سوريا مجددا ولكن بعدة وعتاد أكبر، في حين كان ثوار سوريا يقاتلون على جبهتين (الأسد وداعش) ويعانون من نقص التمويل والإمداد.

الجديد في الفصل الخامس هو إثبات كريستوف بالتواريخ والأحداث كيف أن سلاح الجو السوري لنظام الأسد كان يعمل دائما في خدمة تنظيم داعش، فقد كان يعمل على إنقاذه في معاركه مع الثوار في حين أنه لم يتعرض إلا نادرا جدا لقوات داعش التي كانت تتحرك بحرية كاملة بين العراق وسوريا. كما أن تنظيم داعش عمل على إنقاذ قوات النظام عشرات المرات من خلال طعن قوات الثوار المحاصرة لهم من الخلف.

"القاعدة كانت البارحة" هو عنوان الفصل السابع، وفيه يتحدث كريستوف عن أن تنظيم داعش طوى صفحة تنظيم القاعدة وأفقده مصداقيته، موضحا أن القاعدة كانت منظمة لإرهابيين حالمين، في حين أن تنظيم داعش أصبح منظمة لمخططين إستراتيجيين يعرفون ما يطلبون ويعرفون كيف يسعون لتحقيق أهدافهم.

في الفصول التالية يتحدث الكاتب عن مآسي الإيزيديين "على جبل الإيزيديين" ويتحدث كذلك عن القوة الإعلامية لتنظيم داعش "من يقطع الرؤوس يتمتع بالمصداقية" ويتحدث أيضا عن المصادر المالية لتنظيم داعش "كوريا الشمالية بالعربي".

يتميز كريستوف في هذا الفصل عن غيره من المؤلفين أيضا بتتبعه التفاصيل الدقيقة لكيفية حصول التنظيم على الأموال ليخرج بنتيجة مفادها أن أهم مصدر للتمويل لتنظيم داعش ليس النفط وتجارة الآثار كما أثار بعض الكتاب الغربيين، وإنما الضرائب والمصادرات من السكان الخاضعين لمناطق نفوذه.

في الفصل الأخير "المشائين في نومهم" يتحدث عن سياسات دول الجوار السوري والعراقي ويخص بالذكر تركيا التي سهلت حسب الكاتب عبور آلاف الجهاديين للوصول لتنظيم داعش. ويتحدث هنا عن السياسة الأميركية في مكافحة هذا التنظيم منذ أكثر من عشر سنوات ولكن دون نتائج قابلة للاستمرار والحياة.

ثم يختم الكتاب بالتأكيد على أنه طالما بقي بشار الأسد يحكم دمشق فعلى تنظيم داعش أن يشعر بالاطمئنان، لأن الأسد لن يتمكن من القضاء على هذا التنظيم ولا يريد ذلك أصلا، ولن يترك للثوار فسحة أو فرصة كي يقضوا عليه، فوجود هذا التنظيم هو المشرعن الحقيقي والوحيد لاستمرار الأسد في السلطة، ببساطة لأن داعش يجعل كل فظائع النظام الأسدي تبدو مقبولة أمام ما يقدمه التنظيم للعالم من أهوال.
زار الكاتب سوريا ١٨ مرة في السنوات الأربع الماضية وزار أغلب المدن المحررة بنفسه وقابل أهلها وسجل انطباعاتهم، وقابل العديد من أعضاء النصرة وبعض المنشقين عن تنظيم داعش، وهو ما وفر له كما هائلا من التفاصيل والقصص والحكايات التي وجدت طريقها للظهور في هذا الكتاب

ما يميز هذا الكتاب عن ما سواه من عشرات الكتب التي كتبت حول هذا الموضوع أنه لا يقدم تحليلات ونظريات لتفسير سلوكيات تنظيم داعش ثم يسعى لإثباتها، بل على العكس من ذلك، ينطلق المؤلف من وصف قصص ومشاهد وأحداث أرخت للعديد من الخطوات العملية والتكتيكات التي قام بها التنظيم على المستوى المحلي اليومي في سوريا منذ ظهوره في ٢٠١٣ وحتى يومنا هذا، كي يتمكن الكاتب أو القارئ من تحليل إستراتيجية التنظيم فيما بعد.

بمعنى أن الكتاب قام باستقراء إستراتيجية التنظيم العامة من خلال تجميع الصورة الكبرى الناشئة عن تحديد النشاطات اليومية والتفصيلية التي اعتمدها التنظيم لاختراق المناطق السورية المحررة من سلطة نظام الأسد. في حين أن أغلب الكتب العربية والغربية خاصة حاولت فهم إستراتيجية وهيكلية داعش من خلال تحليل إيديولوجيته وأدبياته أو خطابه الإعلامي.

ولعل مرد هذا الفرق بشكل رئيسي هو أن الكاتب كريستوف زار سوريا ١٨ مرة في السنوات الأربع الماضية وزار أغلب المدن المحررة بنفسه وقابل أهلها وسجل انطباعاتهم، كما أنه قابل العديد من أعضاء النصرة وبعض المنشقين عن تنظيم داعش، الأمر الذي وفر له كما هائلا من التفاصيل والقصص والحكايات التي وجدت طريقها للظهور في هذا الكتاب.
ما يمكن أخذه على الكتاب هو ميله الملحوظ لتحليل وتفسير ظاهرة داعش من خلال المنظار الأمني والمخابراتي بشكل شبه حصري، فالانطباع الذي يتركه الكتاب لدى قارئه هو أن حل الجيش العراقي على يد بول بريمر في الـ٢٠٠٣ ترك آلاف الضباط المدربين وأصحاب الخبرات الإستراتيجية في المخابرات وفي الحروب عاطلين عن العمل، وهؤلاء هم التفسير الحقيقي لقوة هذا التنظيم، في حين أن ظاهرة داعش هي من التعقيد بما لا يسمح لإحالة تفسيرها لبعد واحد فقط، فالظلم الاجتماعي المتراكم وفشل الدولة المركزية ورداءة التعليم العام وجمود الخطاب الديني وحدود سايكس بيكو كلها عوامل كان لها دورها في صناعة تنظيم داعش ونموه.

رغم بعض المآخذ التي يمكن تسجيلها عليه يبقى الكتاب الوحيد -ليس فقط في الغرب بل وفي عالمنا العربي- الذي وثق بالأحداث والشواهد والوثائق للطرق والأساليب والأدوات الذي اتبعها تنظيم الدولة للوصول إلى ما هو عليه اليوم من اتساع وسطوة، وهو ما يجعل منه وثيقة تاريخية مهمة تؤرخ لمرحلة غامضة من تاريخ المنطقة، كما تجعل منه مرجعا لا غنى عنه لكل باحث في هذا الموضوع.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك