عرض/محمد تركي الربيعو
شكل المفهوم الذي نحته الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حول السلطة الانضباطية الحديثة، مدخلا لمساعي العديد من المؤرخين لكتابة تاريخ تشكل الدولة الحديثة في المنطقة، كما في دراسات (تيموثي ميشتل، خالد فهمي) أو في الدراسة المهمة التي ترجمت مؤخرا إلى العربية للمؤرخ التركي جينكيز كيرلي بعنوان "المراقبة وتشكيل الحيز العام في الإمبراطورية العثمانية".

وقد استطاع هؤلاء المؤرخون من خلال هذه المقاربة تقديم صورة جديدة عن التاريخ الاجتماعي لنشوء المؤسسات البيروقراطية الحديثة -وليس التنظيمي- وما عكسته من رؤية ترى المجتمع ملكوتا للقوة السياسية، مما يعني ضرورة التوغل فيه ثقافيا لإعادة تشكيل (أو تدمير) وحداته الاجتماعية والثقافية التقليدية.

و بناء على ذلك لم يعد ينظر مثلا إلى الحقل الديني من قبل النخب السلطوية باعتباره مجرد مرجعية سوسيولوجية ظهرت على الرغم من الدولة وأحيانا في مواجهتها، ذلك أن الممارسات الحكومية الجديدة أخذت تجادل بضرورة إعادة تعريف هذا المجال، الأمر الذي بات يمس من استقلالية المؤسسة الدينية والخطاب الديني بشكل عام.

-العنوان: لمن المنابر اليوم؟ تحليل سياسة الدولة في إدارة المساجد
-المؤلف: عمرو عزت
-الناشر: الهيئة المصرية للحقوق الشخصية
-تاريخ النشر : 2014
-عدد الصفحات: 181

ولذلك فقد أخذت هذه الدراسات تلقي الضوء على متغير غالبا ما تم إغفاله، حيال دراسة العلاقة بين الحياة الدينية والحداثة في الشرق الأوسط، مفاده أن أزمة الحقل الديني المعاصر هي في جانب كبير منها أزمة حداثية، تعود إلى نشوء الدولة المعاصرة، وخاصة أن الدين بقي عاملا مهما في تكوين الهويات الجماعية، وأداة جوهرية بالنسبة إلى الخطاب المعاصر للقومية الحديثة ولقضايا أخرى تتعلق بصناعة "الطائفية السياسية".

وضمن هذا السياق، نعثر مؤخرا من بين الكتب التي صدرت عن السياسات الدينية في الشرق الأوسط، على هذه الدراسة التي أشرف على كتابتها الباحث المصري عمرو عزت، والتي يسعى من خلالها -رغم بعض الملاحظات والتحفظات التي سنذكر بعضها- إلى رسم صورة جيدة عن السياسات الدينية في مصر، وخاصة في الجانب المتعلق بإدارة الدولة للمساجد.

في دولة المسلمين.. قراءة متخيلة
سنحاول في هذا الفصل أن نسجل بعض الملاحظات الأولية حيال المقاربة "الباردة" للتاريخ على حد تعبير الأنثربولوجي الفرنسي كلودليفي شتراوس، والتي اعتمدها الباحث في البداية مدخلا أساسيا لفهم أزمة إدارة المساجد داخل الإسلام اليومي في مصر، والتي تساهم -في رأينا- في إعادة إنتاج نفس الصور النمطية التقليدية حيال الماضي، بشكل لا يقتصر على مقارنة خاطئة للتاريخ فحسب، بل كذلك على سوء فهم للاختلافات البنيوية والنوعية التي ذكرناها في المقدمة، بين دور السلطة في الدولة الحديثة والطبيعة المؤقتة لها لفترة ما قبل الحداثة (للتوسع يمكن الاطلاع على عرض كتاب الدولة المستحيلة المنشور في موقع الجزيرة نت).

حيث يرى الكاتب في بداية دراسته أن "جذور سياسات الدولة المصرية الحديثة في إدارة المساجد، ترتكز في الأساس على الأدبيات الفقهية الإسلامية والممارسات التاريخية في "دولة المسلمين" أو دولة الخلافة الإسلامية في ملامحها الممتدة منذ تأسيس دولة المدينة في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحتى إعلان انتهاء دولة الخلافة" (ص4).

ورغم إقرار الباحث بأن هناك شواهد اجتماعية تاريخية للوقف (إدارة المساجد بالخصوص) تشير إلى تصرف أصحاب الوقف ونوابهم، "فإن ذلك كان دائما في جدل مع السلطة، نظرا لكون المسجد أهم مساحات المجال العام في الدولة الإسلامية" (ص14).

المؤلف: جذور سياسات الدولة المصرية الحديثة في إدارة المساجد، ترتكز في الأساس على الأدبيات الفقهية الإسلامية والممارسات التاريخية في "دولة المسلمين" أو دولة الخلافة الإسلامية في ملامحها الممتدة منذ تأسيس دولة المدينة

كما أن السياسات والإطار القانوني لإدارة المساجد بقيت "كجزء من إدارة الأوقاف والشأن الديني تبدو فيه ملامح الاستمرار والاتصال بين "دولة المسلمين" و"الجمهورية" ص17. ولدعم حجته حول التشابه بين إدارة الدولة المعاصرة للملف الديني، والسلطة الإسلامية في التاريخ يورد الباحث مقولة للماوردي مفادها أن "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به".

وانطلاقا من هذه الرؤية، نجد أن الباحث بقي متأثرا في مقاربته حيال علاقة السلطة بالمجتمع الإسلامي، برؤى استشراقية تقليدية تجاه ذلك الماضي، وهي رؤى لا تزال تحظى بشعبية واسعة في أوساط واسعة داخل الحقل الثقافي العربي، وربما يؤكد هذا الطرح الإشارات المتكررة إلى علاقة وأزمة الحاضر بالماضي، وإلى القراءة المجتزأة لفكرة الماوردي الأخيرة، الذي طالما نظر إليه من قبل العقل "التنويري" العربي بوصفه أحد "وعاظ" النظرية السلطانية الاستبدادية داخل تراثنا الإسلامي.

ثم إن هذه الإسقاطات القائمة على رؤية علاقة الدولة بالحقل الديني والمجال العام الإسلامي في التاريخ من منظور الحاضر المتأزم، لا يمكن تبريرها بأي شكل بحسب د. وائل حلاق في كتابه "الدولة المستحيلة"، لأن "الاستبداد الشرقي" في أسوأ صوره، لم يسمح للسلاطين والملوك باختراق المجتمعات التي أتوا ليحكموها، بل حكموها من "الخارج" فحسب. ثم إن دور السلطة كان يقتصر على بناء معايير عامة، والأهم من ذلك هو أن هؤلاء الحكام كانوا مقيدين بشدة بقانون "الشريعة" الذي لم يضعوه وكان خارج سيطرتهم إلى حد بعيد.

كما الباحث لم يتنبه إلى أن أسس الاجتماع الإسلامي بحسب فهم الماوردي كانت تقوم على الدين الذي تمثل الشريعة أداته التنفيذية. فلا يكون الجانب السياسي بعد هذا إلا مسألة تنظيمية لتطبيق الشرع، وصاحب السلطة في هذا جماعة المسلمين التي يتبلور فيها النص الإلهي بشكل جماعي ومطابق. وبذلك تكون السلطة حقا من حقوق المجتمع لا ميزة طبيعية لفرد من أفراده أو قلة من وجهائه.



تأميم الإسلام في مصر الحديثة
مع ذلك -ورغم الملاحظات السابقة التي لا نسعى من خلالها إلى مصادرة الحقيقة التاريخية، أو تقديس الماضي، بمقدار ما هي رغبة في تعميق السؤال حول علاقة الماضي بالحاضر، ومحاولة طرح مداخل بديلة قد تعمق من فهمنا للتحولات التي جرت على مستوى علاقة الدولة بالدين مع بدايات القرن التاسع عشر- نجد أن الباحث يقوم في الجانب الأساسي من الدراسة برصد توثيقي جيد لعلاقة الدولة بالمساجد منذ بداية القرن التاسع عشر.

فقد مثل التنظيم القانوني للأوقاف في مصر عموما وبخاصة فيما يخص المساجد في القرن التاسع عشر، انتصارا تدريجيا لحق الطرف الأول (الحاكم ومن ينوب عنه) في التصرف في شؤون المساجد والإشراف عليها، في مقابل تقلص حرية الأطراف الأخرى (من الواقفين ونوابهم أو "جماعة المسلمين")، وبالتوازي مع ذلك صار من حق الملك (نسبة إلى الأسرة العلوية في مصر) أن يمارس سلطته فيها يخص الجامع الأزهر وسائر المعاهد الدينية عن طريق رئيس الوزراء، وكذلك تعيين الرؤساء الدينيين لكافة الأديان المسموح بها في البلاد.

ومع تأسيس الجمهورية بعد 1952 وحتى يناير/كانون الثاني 2011، ظل الإطار القانوني والإداري يتطور في نفس الخط وبنفس الافتراضات، وحل رئيس الجمهورية محل الخديوي وتطور ذلك عبر قوانين وقرارات جمهورية. وتطور الإطار القانوني ليشكل مركزية كاملة حصرية تعطي وزارة الأوقاف حق ضم المساجد وتعيين الأئمة والخطباء من موظفيها أو منح التراخيص للخطابة.

استمرت الأوقاف -حتى بعد مجيء مرسي- في إرسال خطب استرشادية للأئمة وحثهم على الالتزام بها، ونشرها على الموقع الرسمي للوزارة، وهو ما كان يمثل امتدادا لسياسات الوزارة قبل الثورة في الدعوة إلى الخطابة تحذيرا من الفتنة والعنف عند دعوة المعارضة لأي احتجاجات

لكن انطلاق الثورة في يناير/كانون الثاني 2011 وتنحي مبارك في فبراير/شباط كان حدثا فارقا فيما يخص سياسات إدارة المساجد حيث تراجعت قدرة الدولة على رعاية هذه الافتراضات الدينية المرتبطة بالسياسة، وبالتالي تراجعت كفاءات سياسات إدارة المساجد التي كانت تستهدف بالأساس تحجيم نفوذ وتأثير التيارات السياسية الإسلامية التي نشطت واتخذت من المساجد ساحات للنشاط الديني والسياسي الواسع.

وقد شكل وصول محمد مرسي إلى منصب رئيس الجمهورية في منتصف عام 2012 تحديا كبيرا لسياسات الدولة في إدارة الشؤون الدينية، وخاصة أن انتماء الأخير إلى جماعة الإخوان المسلمين كان يعني بشكل ما إعلان فشل عقود من السياسات في إدارة الشأن الديني التي كان هدفها المعلن مواجهة التيارات الإسلامية السياسية.

لكن رغم ذلك فإن هذه الفترة شهدت -بحسب الباحث- ما يمكن تسميته بمحاولة "ترميم الافتراضات" وتأييد نفس إطار السياسات المستمرة لوزارة الأوقاف والافتراضات المرتبطة بها، بدلا من السعي لتحرير الإطار القانوني الذي عانى منه الإخوان والتيارات الإسلامية لعقود.

فقد استمرت الوزارة في إرسال نماذج لخطب استرشادية للأئمة وحثهم على الالتزام بها، وتم نشرها على الموقع الرسمي للوزارة، وهو ما كان يمثل امتدادا لسياسات الوزارة قبل الثورة في الدعوة إلى الخطابة تحذيرا من الفتنة والعنف عند دعوة المعارضة لأي احتجاجات.

وبعد تاريخ 30 يونيو/حزيران 2013 وكصدى للتغيرات السياسية التي تضمنت عزل الرئيس مرسي، وخروج التيارات الإسلامية من العملية السياسية، يرى عمرو عزت أن الدولة عادت لتستخدم الحد الأقصى من كل الأدوات السلطوية التي تضمنها الإطار القانوني لعمل الأوقاف، من خلال استبعاد وفصل وعقاب العديد من الأئمة بسبب نشاطهم السياسي الموالي للتيارات الإسلامية، لتعيد بذلك إنتاج وتكريس نفس الآليات السابقة في إدارة الحقل الديني في مصر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك