عرض/عدنان أبو عامر
الكتاب الإسرائيلي الذين بين أيدينا يقوم على فرضية أن بريطانيا تجلس على حاوية قنابل متفجرة، من خلال استناده لتقارير المخابرات البريطانية التي تقدر أن آلاف العناصر الإسلامية الراديكالية تتجول في أنحاء المملكة، والقاسم المشترك بينهم جميعا أنهم لم يكتسبوا التطرف من دول الشرق الأوسط، ولكن من الدولة التي ولدوا وتربوا فيها، وهي بريطانيا.

شيطنة الغرب

يقدم المؤلف جملة من الأسباب والعوامل التي أدت إلى انتشار ظاهرة المسلحين الإسلاميين في بريطانيا، وهي الدولة الليبرالية المنفتحة، مع إطلالة على المؤسسات الإسلامية التي نشأ فيها هؤلاء، كالمدارس الدينية والمساجد والجمعيات الخيرية، التي قام المؤلف بإجراء حصر دقيق لعددها في بريطانيا، وقد زادت في جميع الأحوال على ألفي مسجد.

ويرى الكتاب أن وكالات الاستخبارات البريطانية تقدر أن أرجاء المملكة تشهد تناميا لآلاف النشطاء الإسلاميين، وأنهم في معظمهم منفذون محتملون لأعمال مسلحة، وأصبح حلمهم -كما يزعم المؤلف- تنفيذ عمليات قتل للأجانب المقيمين داخل حدود المملكة.

-العنوان: جهاد على الطريق.. كيف تحولت بريطانيا معقلا "للعنف" الإسلامي؟
-المؤلف: د.شاؤول تسادكا
-الناشر: دار كيتر-تل أبيب
-الطبعة: الأولى، 2014

-
عدد الصفحات: 367

تزخر صفحات الكتاب بالحديث بما سماه بنية تحتية للوجود الإسلامي في بريطانيا مكونة من مئات المساجد ودور العبادة، والجامعات والمعاهد التعليمية، حيث يتلقون هناك التعاليم الدينية والثقافة المعادية للغرب، الرافضة لأي أفكار تصالحية مع الدول الأوروبية، والتي تسعى لـ"شيطنة" كل ما هو غير إسلامي.

ويعود المؤلف بالذاكرة مع القارئ إلى بدايات انخراط المسلحين البريطانيين المسلمين في عمليات مسلحة، حيث كانت أولاها في نادي "ميكس بليس" وسط تل أبيب في أبريل/نيسان 2003، وقد كان المنفذان البريطانيان من أصل باكستاني تابعين لمنظمة تدعى "7/7" قامت بتنفيذ عملية مسلحة في مسافرين إسرائيليين بوسائل مواصلات عامة وسط لندن.

منذ تلك المرحلة -يقول الكتاب- تورط من سماهم "المتطرفون" الإسلاميون البريطانيون في جميع النزاعات المسلحة التي شهدها العالم الإسلامي، حتى في بريطانيا ذاتها نجحت وكالات الاستخبارات السرية في إحباط أكثر من 20 عملية تخريبية خطط لها أولئك المسلحون، وكانت كفيلة بفقدان الآلاف من البشر لحياتهم لولا أن تم إيقافها في اللحظات الأخيرة قبيل تنفيذها.

يحاول الكتاب التعرف على أبرز جوانب حياة المسلمين البريطانيين "المتطرفين"، داخل مجتمع غربي منفتح ليبرالي كالمجتمع البريطاني، من خلال الدخول في تفاصيل حياتهم، وزيارة مؤسساتهم، وإجراء مقابلات مع العديد منهم، خاصة أن المؤلف عمل عدة سنين صحفيا في إسرائيل، واليوم يقيم في لندن، ويزعم أن العنف الإسلامي استطاع أن يخترق الحدود في الدول الغربية، وبذلك تحولت بريطانيا معقلا مركزيا للجماعات الإسلامية المسلحة، بحيث أصبحت تخرج سنويا عشرات ومئات من الجهاديين المفترضين، ممن يتلقون التعاليم على أيدي أئمة مساجد، يدعون جهارا نهارا إلى القضاء على بريطانيا، وقتل مواطنيها.

يؤكد الكتاب أن الدولة البريطانية تبذل جهودا لطرد هؤلاء "المتطرفين" الإسلاميين من الدولة، من خلال سن تشريعات وقوانين جديدة، في ضوء تحذيرات متزايدة بأنها إن لم تستيقظ مبكرا، فسوف تفقد السيطرة رويدا رويدا على هذه المجموعات، لأن هؤلاء الإسلاميين سينجحون في تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية، مستذكرا ما قال إنه هجوم تعرض له وزير التعليم البريطاني وعضو البرلمان من قبل مسلمين راديكاليين لأنه مناصر لإسرائيل في مواقفه السياسية.

خطط أمنية

يزعم المؤلف أن العنف الإسلامي استطاع أن يخترق الحدود في الدول الغربية، حيث تحولت بريطانيا معقلا مركزيا للجماعات الإسلامية المسلحة، وأصبحت تخرج سنويا مئات الجهاديين المفترضين، ممن يتلقون التعاليم على أيدي أئمة مساجد، يدعون إلى القضاء على بريطانيا
يورد الكتاب نماذج كثيرة لعمليات مسلحة شهدتها بريطانيا بسبب دعوات التحريض والكراهية التي تنتشر في أوساط الأقليات العربية والإسلامية ضد الإسرائيليين واليهود بصورة خاصة، مشيرا إلى أن توقيت صدور هذا الكتاب يشهد عقد محاكمات لنشطاء جهاديين في أروقة القضاء البريطاني، قاموا خلال السنوات الماضية بإعداد دعاة دينيين وانتحاريين محتملين على مسمع ونظر أجهزة الأمن البريطانية، لأن الحكومة الحالية تتبع سياسة المصالحة والمهادنة مع الإسلاميين.

ويواصل المؤلف التحريض على المسلمين في القارة الأوروبية بالقول إن بريطانيا تجلس على عبوة نارية، وساعة انفجارها بدأت العد التنازلي، في ظل وجود حكومة بريطانية "عمياء وساذجة"، لم تأخذ بعين الاعتبار توافد الجيل الثاني من المهاجرين المسلمين، ممن يغلب عليهم طابع التطرف بصورة أكثر من الجيل الأول.

يستند الكتاب إلى معطيات استخبارية بريطانية بالقول إن التطرف الإسلامي وصل ذروته مع ظاهرة "الأفغان" الذين عادوا من القتال في أفغانستان وباكستان والهند، ورغم أنهم درسوا في جامعات راقية، فإنهم تلقوا توجيهات تغص بالكراهية المعادية للغرب، من قبل المنظمات الإسلامية في بريطانيا دون ملاحقة لها من أجهزة الأمن والحكومة، رغم توزيع البيانات التحريضية، والمنشورات المعادية، وعقد لقاءات تلفزيونية مع عدد من "المتطرفين" الذين عادوا من ساحات القتال، وهم يحملون كراهية متزايدة تجاه الغرب وإسرائيل.

يتحدث المؤلف قائلا إن "المتطرفين" الإسلاميين يعيشون في بريطانيا على حساب مؤسسات الدولة، ولجان الزكاة التي تستغل لتمويل الهجمات المسلحة، وإن مسلمي بريطانيا أصبحوا يستولون على الجمعيات الخيرية، زاعما أن هناك كنائس تم تحويلها إلى مساجد، خاصة بعد حرب الخليج الأولى عام 1991، واحتلال العراق للكويت، وعقب الحرب التي شنها التحالف الدولي على بغداد، حيث وصل العديد من "المتطرفين" الإسلاميين إلى بريطانيا، وحصلوا على لجوء سياسي هناك.

يتحدث الكتاب عن جملة من التطورات الإقليمية والدولية التي ساعدت على نشوء ظاهرة الجهاديين المسلمين في بريطانيا، من أهمها: انتفاضة الأقصى أوائل الألفية الثالثة، وتحريض الدعاة المسلمين البريطانيين لأتباعهم على التحول إلى شهداء، واندلاع الثورات العربية بدايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وبدء توافد مسلمين بريطانيين إلى سوريا وباكستان وغيرهما، يقدر عددهم بثلاثة آلاف جهادي -ممن يحملون جوازات سفر بريطانية- تدربوا على السلاح في معسكرات أسامة بن لادن في دول آسيا، ثم عادوا إلى بريطانيا.

يزعم أيضا أن الإسلاميين البريطانيين يستغلون جوازات السفر التي يحملونها للوصول إلى أماكن الصراعات في العالم، والقيام بتفجيرات دامية. وبعد مرور كل هذه التطورات بدأت قوات الأمن التنبه متأخرة، ومتابعة حاملي جوازات السفر البريطانية ممن زاروا سوريا والدول التي تعيش أجواء عنيفة.

وصفة تحريضية
وفي الوقت الذي وضعت فيه الشرطة البريطانية يدها على أدلة اتهام تدين هؤلاء الجهاديين، لم تنبس ببنت شفة، وتركتهم بدون ملاحقة، مما أفسح المجال لتناميهم مجددا، بما في ذلك نشطاء جماعة الإخوان المسلمين في بريطانيا الذين يعملون بحرية فائقة في حدود المملكة.

ينتقل الكتاب إلى الحديث عن مرحلة ما بعد أحداث 11/9/2001، حين أعلنت الحكومة البريطانية دخول المملكة في جبهة عالمية لمحاربة الإرهاب، وأعدت خطة من 12 نقطة كفيلة بالقضاء على البنية التحتية للمنظمات الجهادية داخلها، وجاءت هذه السياسة الجديدة لتشكل قوة جديدة بدعم من البرلمان وأذرع الأمن في محاولة منهم لاجتثاث تلك المنظمات.

يقدم المؤلف وصفة أمنية لا يخفيها، لأجهزة الاستخبارات البريطانية خصوصا والأوروبية عموما، بضرورة ملاحقة المجموعات الإسلامية في عواصمها، مستغلا في ذلك حالة "الإسلاموفوبيا" المنتشرة لدى الغرب بشكل عام، والحرب التي تعلنها العديد من دول العالم على التنظيمات الإسلامية في المشرق العربي

اعتمدت السياسة البريطانية لمواجهة الجهاديين المسلمين على: طرد رجال الدين، وقف حملات التحريض، تغيير قوانين حقوق الإنسان، وخلافا لدول إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا، التي نفذت أجزاء من هذه الخطة، لم تطرد بريطانيا أيا من رجال الدين المسلمين، رغم أن عددا كبيرا من الجهاديين الذين حصلوا على لجوء سياسي في لندن يعتبرون من الخطرين عالميا، من ضمن 40 ألف لاجئ أفغاني وصومالي لم يعودوا إلى بيوتهم.

يشير الكتاب في بعض فصوله إلى ما يعتبره السمات المشتركة والصورة النمطية التي تميز معظم الشخصيات الإسلامية المقيمة في بريطانيا، وهي أنهم قادمون من باكستان وبنغلاديش، ويفتقرون للثقافة المعاصرة، وغير مزودين بالعادات الغربية، ولا يقدرون احتياجات الدولة الديمقراطية المعاصرة، ومع ذلك فقد وقعت بريطانيا معهم عقدا شرفيا شفهيا بعدم رفع عصا التمرد في وجه الدولة التي تأويهم، وتوفر لهم المأوى والمأكل والمشرب والسكن وحرية التعبير.

أخيرا.. مؤلف الكتاب د."شاؤول تسادكا"، هو المحلل الإسرائيلي لشؤون الشرق الأوسط، يكتب بصورة دورية حول تمدد الجماعات الإسلامية في دول الغرب، وقد حاول في صفحات الكتاب أن يسلط الضوء على ظاهرة الجهاديين الإسلاميين في الغرب، امتدادا بين تل أبيب ونيويورك، من خلال تركيزه على نموذج الواقع البريطاني، في محاولة لنقل التجربة البريطانية، بسلبياتها وإيجابياتها، للتعامل مع الحركات الإسلامية في إسرائيل ودول الغرب والشرق الأوسط.

لكن الكتاب يقدم وصفة أمنية لا يخفيها، لأجهزة الاستخبارات البريطانية خصوصا والأوروبية عموما، بضرورة ملاحقة المجموعات الإسلامية في عواصمها، مستغلا في ذلك حالة "الإسلاموفوبيا" المنتشرة لدى الغرب بشكل عام، والحرب التي تعلنها العديد من دول العالم على التنظيمات الإسلامية في المشرق العربي.

المصدر : الجزيرة

التعليقات