عرض/مرح البقاعي

هذا الكتاب الحي الذي ينبض بأصوات فلسطينية حقيقية تعاقر صعوبة وعبء الحياة في فلسطين المحتلة إنما يرفع عاليا صوت الجيل الشاب الذي نشأ تحت سطوة الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة.

فالمناطق المحتلة من قبل القوات الإسرائيلية من أكثر المناطق تغطية ومتابعة من منظمات حقوق الإنسان الدولية خلال العقود الأربعة الأخيرة نظرا لحجم وعدد الانتهاكات الممنهجة التي يمارسها الاحتلال على أصحاب الأرض الأصليين مخترقا كل القوانين والمعاهدات الدولية وكيفية التعامل مع المدنيين في ظل الاحتلال العسكري.

عن الصحفيَيْن وشخصيات الكتاب
هذه المجموعة من الحوارات المباشرة واللقاءات الميدانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة حررها وجمعها في كتاب واحد كل من الصحفيَين كيت مالك وماتيو هوك، ولا ريب في أن نبذة قصيرة عن الكاتبين يمكن أن تعطينا فكرة عن سبب انشغالهما الحثيث بجمع مشاهد حية وشهادات موثقة لانتهاكات حقوق الإنسان في الضفة وغزة.

-العنوان: فلسطين تتكلم ـ روايات من الحياة في ظل الاحتلال
-المؤلفان: كيت مالك وماتيو هوك
-عدد الصفحات: 320
-الناشر: مكسوينيز
-تاريخ النشر: 2014

لقد عمل الصحفيان معا في عدة مشاريع بحثية تتعلق بالحياة اليومية للمهاجرين في الولايات المتحدة، فكيت تحمل درجة علمية في الصحافة وهي حاليا تدرس اللغة الإنجليزية في جامعة بيت لحم.

أما ماتيو فهو صحافي مخضرم يعيش في سان فرانسيسكو وحائز على العديد من جوائز الصحافة الأميركية الخاصة بمواضيع البيئة والحوارات المطولة.

استطاع كيت وماتيو أن يجمعا بين دفتي هذا الكتاب -الذي ينبض بتفاصيل ووقائع مؤسفة- يوميات لحياة شخصيات فلسطينية -نساء ورجالا- ينحدرون من طبقات اجتماعية مختلفة ويمارسون مهنا متنوعة، فقد حاورا الصياد، والموظف، وعداء الماراثون، وجميعهم تحدثوا كيف ساهمت هذه الأزمة المتأصلة في حياتهم بتغيير مستقبلهم وحاضرهم بشكل كامل، وإعادة تشكيلهما في ظل ظروف قاهرة، وعنصرية فصل مقيتة فرضها الاحتلال.

ومن الشخصيات الرئيسة التي اختارها الصحفيان لحوارات مطولة ألفت صلب هذا الكتاب نذكر ثلاث شخصيات:

- عبير وهي إعلامية شابة من قطاع غزة، بدأت حياتها المهنية في الصحافة من خلال تغطية الغارات الاسرائيلية على القطاع، وتصوير مشاهد التدمير والإبادة الجماعية للمدنيين خلال الحملات التي أطلقتها إسرائيل على فلسطينيي القطاع.

- ابتسام مديرة لمركز للأطفال للتعدد الديني، مقر المركز في الضفة الغربية، وابتسام التي تحلم بتأسيس مركز مماثل في غزة تقع تحت المنع الإسرائيلي من تجاوز الحدود بين الضفة والقطاع، الأمر الذي يقف حجر عثرة في طريق توسيع مشروعها المدني التوعوي.

هذا الكتاب يأخذنا في رحلة إلى تفاصيل الإعاقات والقهر اليومي الذي يعاني منها شعب بأسره منذ عقود، وكذا يمكننا من فهم ما وراء كواليس هذه المعاناة من خلال الشهادات الحية لشخصياته

- غسان من العرب المسيحيين في بيت لحم، وهو أستاذ في الفيزياء وناشط سياسي، ساهم في تأسيس منظمة "حركة التضامن الدولي".

تشومسكي والمعاناة الفلسطينية
هذا الكتاب يأخذنا في رحلة إلى تفاصيل الإعاقات والقهر اليومي الذي يعاني منها شعب بأسره منذ عقود، وكذا يمكننا من فهم ما وراء كواليس هذه المعاناة من خلال الشهادات الحية لشخصياته، ويفتح للقارئ الأميركي بابا عريضا لمتابعة الحقائق التي طالما أغفلها الإعلام الأميركي، في العلاقة الحقيقية بين الجلاد والضحية على الأرض الفلسطينية الأسيرة.

فعلى مدى ثلاثين عاما اشتغل المفكر الفلسطيني الأميركي الشهير إدوارد سعيد على عشرات الدراسات التي كشفت عن الإقصاء الممنهج للصوت والحكاية الفلسطينية عن الخطاب العام الأميركي، وحتى تاريخ كتابة هذه السطور لم يتغير هذا النهج.

لكن هذا الكتاب جاء ليشكل سابقة واختراقا لهذا التعتيم من خلال الشهادات الحية التي قدمها وجعلها في متناول القارئ الأميركي ليعاين بنفسه وجها آخر للحقيقة لم يعتد أن يعثر عليه من قبل، أو يواجهه بهذا الطرح الواقعي والمباشر من مصدره الإنساني وبلسان أصحابه الأصليين، حيث يوفر الكتاب شهادات الفلسطينيين أنفسهم ويسرد خياراتهم الخاصة ويسجل للتحديات اليومية التي تواجههم وموقفهم منها وقراراتهم الصعبة في مواجهتها.

يقول نعوم تشومسكي المفكر الأميركي العريق والأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في معرض تعليقه على كتاب فلسطين تتكلم "هذا الكتاب يشير بجلاء إلى أنه لا يوجد ما هو أكثر بلاغة من أصوات أولئك الذين يتحملون ألوان المعاناة ويحاولون ببسالة فائقة متابعة حياتهم والاستمرار في البقاء، وليس ما هو أكثر أهمية من أن نستمع إلى روايتهم بعناية، ونتفهم معاناتهم لنتعرف من خلالها إليهم وإلى أنفسنا في آن، ونستخدم هذا الفهم من أجل مساعدتهم على إيجاد خلاص لهم من فصول هذه التراجيديا المستمرة".

تحت سياط الحصار
يقدم الكتاب للرأي العام الأميركي الصورة المفقودة في صحفهم وإعلامهم عن سكان غزة والضفة. واختيار الكاتبين لشخصيات "فلسطين تتكلم" من كافة مشارب المجتمع كان اختيارا صائبا، فالشخصيات تتحدث من زوايا وظروف مختلفة عن معاناة المدنيين الذين يعيشون في محيط مغلق تماما، محيط تُفرض فيه قيود صارمة على حركة الأشخاص والمواد والحاجات اليومية، والسكان ما زالوا يعانون، حسب روايات الشهود في الكتاب رغم

هذا الكتاب يشير بجلاء إلى أنه لا يوجد ما هو أكثر بلاغة من أصوات أولئك الذين يتحملون ألوان المعاناة ويحاولون ببسالة فائقة متابعة حياتهم والاستمرار في البقاء

قيام إسرائيل باتخاذ بعض التدابير للتخفيف من الحصار تحت ضغط دولي.

يقول أحد الشهود "يتوق سكان غزة البالغ عددهم ما يقارب ستة ملايين نسمة إلى التمتع بحياة طبيعية، وهم الذين يعيشون على قطعة أرض ضيقة تبلغ مساحتها بالكاد 360 كيلومترا مربعا، ولما كان الأمل ضئيلا في تحقيق هذا الطموح طالما أن الإغلاق مستمر فإنهم يرزحون تحت عبء ثقيل عليهم، ولا سيما الشباب منهم، الصادرات شبه منعدمة فيما البضائع والحاجات المستوردة والضرورية كالدواء وغذاء الأطفال محدودة للغاية أو مفقودة بشكل مستمر".

هكذا استطاعت كيت وماتيو أن يقدما مصدرا موثوقا لمن يبحث عن الأسباب الجوهرية لاستمرار النزاع بين شعب مغدور ومنقوص الحقوق وبين قوى احتلال لا تفرق بين مدني وعسكري حين يتعلق الأمر باستمرار قبضتها كدولة "باراتايد" وحيدة في العالم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك