عرض/أحمد الشامي
صدر هذا الكتاب في توقيت شديد الأهمية، فقد وصل الصدام بين الدولة القومية في العالم العربي، وبين بعض مكوناتها السياسية والمجتمعية، إلى مستوى الحرب الصريحة، التي سقط فيها عشرات إن لم نقُل مئات الآلاف من القتلى، كما هو الحال في سوريا والعراق وليبيا، وبدرجة أقل في اليمن، ثم في مصر وتونس، وهي الدول التي شهدت في السنوات الأخيرة ثورات وانتفاضات جماهيرية، أطاحت ببعض الأنظمة وفشلت في الإطاحة بالبعض الآخر.

وقد امتد الصدام إلى مكونات الحركة الإسلامية ذاتها، وكان منبعه الاختلاف في وجهات النظر والتأصيل الفكري والفقهي لكيفية التعامل مع متطلبات المرحلة الجديدة.

وكانت الدولة القومية التي تأسست بموجب اتفاقية "سايكس-بيكو"، القائمة على أنقاض دولة الخلافة الإسلامية الجامِعة، محورا من أهم محاور الخلاف بين مختلف ألوان الطيف السياسي والفكري الإسلامي في السنوات التي تلت ثورات الربيع. فبين إسقاط هذه الدولة أو إصلاحها، تبددت جهود الحركة الإسلامية، ودخلت في صراعات بينية حادة.

-العنوان: الدولة والعمران في الإسلام وأزمة كيانات "سايكس–بيكو"
-المؤلف: أحمد التلاوي
-الناشر: مركز الإعلام العربي، القاهرة
-الطبعة: الأولى، 2015
-عدد الصفحات: 180

ومن ثم، يأتي كتاب "الدولة والعمران في الإسلام وأزمة كيانات "سايكس-بيكو"، الصادر عن مركز الإعلام العربي، للباحث المصري في شؤون التنمية السياسية، أحمد التلاوي، ليتناول نظرية العمران البشري في الإسلام، وكيف تعامل الإسلام مع الدولة.

رصد المؤلف فيها جميعا تعامل الحركات الإسلامية المختلفة مع الدولة القومية، سواء في أدبياتها الفكرية، أو في الممارسة العملية على أرض الواقع، من خلال تجارب ما بعد ثورات الربيع العربي، وما أفرزته ممارسات الحركات الإسلامية في بعض الدول من نتائج.

كما يلفت الانتباه إلى جذور أزمة دولة "سايكس-بيكو"، سواء لاعتبارات النشأة، أو لاعتبارات فشل الأنظمة القومية التي تولت الحكم بعد الاستقلال في إدارة الدولة.

وينطلق الكتاب، من حقيقتين بدهيتين، الأولى، ناقشها في الفصل الأول، مؤكدا أن هناك أزمة وجودية تهدد الدولة العربية، وتعود إلى عدد من الأمور، بعضها خارجي، يخص ممارسات القوى الاستعمارية الكبرى. والبعض الآخر داخلي، يخص ممارسات الدولة والأنظمة نفسها، والتي فشلت في تطبيق قواعد الحكم الرشيد.

ويؤكد المؤلف أن هذه الأزمة تمس المشروع الحضاري الإسلامي في أكثر من وجه، أهمها كونه البديل الحقيقي المطروح الذي يمكنه معالجة المشكلات القائمة، سواء على المستوى القُطْري الخاص أو الأممي العام.

أما الحقيقة أو البدهية الثانية التي يؤكدها الكاتب، فهي أن التيار الإسلامي هو هذا البديل، باعتباره الأكبر والأكثر قدرة على الفعل والحركة، والأكثر تلاؤما مع هوية هذه المجتمعات، مع اختلاف ما يقدمه كل طيف من الأطياف المنضوية تحت هذا التيار.

ولكن المشكلة الأساسية هي: كيف يتم تقديم هذا البديل؟ وما الأسس التي ينبغي أن ينطلق منها؟ وهي من الأسئلة المهمة التي سعى الكتاب إلى مناقشتها.

هناك أزمة وجودية تهدد الدولة العربية، تعود إلى عدد من الأمور، بعضها خارجي، يخص ممارسات القوى الاستعمارية الكبرى، والبعض الآخر داخلي يخص ممارسات الدول والأنظمة نفسها

لذلك جاء الفصل الثاني، ليجيب -أولا- على سؤال بشأن ماهية الأسس التي ينبغي أن ينطلق منها المشروع الإسلامي، فحمل عنوان (الدين والأخلاق وأسس العمران الحضاري عند المسلمين) فيقدم رؤية لضبط المفاهيم عند المنتمين للمشروع الإسلامي، عند تصديهم للقضايا المتعلقة بالإصلاح والعمل العام.

ويناقش هذا الفصل أمرين أساسيين، يقول الكاتب إن لهما الكثير من الأهمية في ضبط المفاهيم التي تتبناها الحركات الإسلامية لقضية الإصلاح والعمل العام، ويرى أن هناك الكثير من التجاوز لها في الممارسة العامة لها، حتى في أوساط الصحويين الذين تمثلهم جماعة الإخوان المسلمين، وهي أن الدين هو الركيزة الأساسية لحضارة الإسلام، وهو الشارح الأكبر لسُنن العمران البشري، ولا يجوز مخالفة الأسس التي حددها للتطور الحضاري وعملية الإصلاح، بدعوى ظلم الخصوم أو تغولهم أو ما شابه.

وينبثق من ذلك الأمر الثاني، وهو أنه من الأهمية بمكان أن يكون المرتكز الأخلاقي هو الأساس الأول للمشروع الإسلامي، وهو عنوان الحزب أو الجماعة الذي تمثله أمام الناس، باعتبار أن الحاضنة الجماهيرية هي أهم أسباب النجاح السياسي للحركات الإسلامية، كما تقول التجربة التاريخية.

الفصل الثالث عنوانه "الدولة وفقه التغيير عند الحركات الإسلامية.. رؤية تأسيسية" ويقدم نظرة عامة حول عدد من القضايا التأسيسية المرتبطة بموضوع الكتاب، مثل منطق التغيير في التاريخ الإسلامي، ومدارسه المختلفة.

ويتناول الموقف من الدولة القومية، وتمكين المشروع الإسلامي في مرحلة ما بعد الربيع العربي، والتحولات التي طرأت على موقف طائفة من الإخوان المسلمين والصحويين، بعد الارتكاسات التي حدثت، وما أدى إليه ذلك من تباين في مواقف الإسلاميين من الدولة.

ويعرض الفصل أولا موقف الإخوان المسلمين، ومنهج الإصلاح التدريجي الشامل الذي يتبنونه ويدعون إليه، ثم موقف السلفية الجهادية الذي ينتهج نهجا آخر لا يعترف أصلا بالدولة القائمة، وله مشروعات تتناقض معها، بشكل يصل إلى مستوى الصدام المسلح.

ثم موقف بعض القوى المحسوبة على الطائفة الشيعية في المنطقة، من الدولة التي يتعاملون معها من منطلق براغماتي نفعي، فهم يحافظون عليها متى خدمت مشروعهم، ويواجهونها -ولو بالسلاح- متى عارضت هذا المشروع، وهو ما أسس له الكاتب بالأدلة التاريخية، القديمة، وكذلك المعاصرة، من خلال الأزمات الراهنة في العراق وسوريا، وسلوك حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن.

أهمية القضية التي يناقشها الكتاب تأتي من ارتباطها بمصير العالم العربي والإسلامي في الوقت الراهن، والذي سوف يتحدد بناء على حِراك المشروعات الثلاثة الصحوي والجهادي والشيعي، وما يرتبط بذلك من قضايا

أما الفصل (التأصيلي) الرابع، فقد كان بعنوان "الدولة وصور العمران البشري من منظور إسلامي" فيتناول الصورة النموذجية أو المثالية التي رسمها الإسلام لكيفية التعامل مع صور العمران البشري المختلفة، وذلك من خلال قراءة عامة في النصوص، ثم مخصصة في أفكار ابن خلدون، فهو أول من قام بتأصيل هذه القضايا في إطار تأسيسه علم الاجتماع وعلم الاجتماع السياسي، الذي تعلمه الغرب بأكمله منه ومن كتابات المفكر الجزائري مالك بن نبي، فيما يخص قضية اجتماع العمران والحضارة المدنية، إذ أنه أهم من كتبوا في هذا الأمر بعمق ونظرة تحليلية.

ورغم أن الكاتب يؤكد أن "الدولة" هي الصورة الأرقى التي وصل إليها العمران البشري في عصرنا الراهن، باعتبار أنها التجمع الأكثر تكاملا واتساقا للبشر عبر التاريخ، فإنه يشير إلى أن هناك قوانين عمرانية مهمة يجب أن تقوم بها الدولة لكي تضمن الاستمرار ككيان سياسي وقانوني، وكذلك ككيان اجتماعي، وهذه القوانين يطلق عليها المجتمع الدولي في الوقت الراهن، قواعد "الحوكمة" أو "الحكم الرشيد".

كما يتناول المؤلف في هذا الفصل مصطلح المدنية باعتباره الأكثر التصاقا بالدولة "الناجحة" من منظور غربي، وكذلك إسلامي معاصِر، وخاصة لدى الإخوان المسلمين، وينقل أكثر من تعريف له، مثل تعريف علي القريشي للمدنية بأنها "كل ما يرتبط بالوسائل المادية في الحياة، ولا يحددها أي ارتباط عقيدي أو أيديولوجي، بخلاف الحضارة التي تعكس البعد الفكري والروحي البنيوي للمجتمع".

ويهمنا أن نؤكد أن أهمية القضية، التي يناقشها الكتاب، تأتي من ارتباطها بمصير العالم العربي والإسلامي في الوقت الراهن، إذ سوف يتحدد هذا المصير بناء على تنازعات وحِراك المشروعات الثلاث، الصحوي والجهادي والشيعي، بكل ما يرتبط بذلك من قضايا أخرى، مثل حدود الدول القائمة، ومصير تحالفات وصراعات قديمة قائمة، وأخرى جديدة تتكون، وكذلك بقضية وجود إسرائيل والمشروع الصهيوني، الذي يتحالف مع مشروعات إقليمية أخرى قائمة ويتصارع مع أخرى، وهو ما يعني -ببساطة- تحديد مصائرنا جميعا!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك