عرض/ محمود الفطافطة
يُناقش كتاب "بنيامين نتنياهو.. عقيدة اللاحَل" تجربة رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو، عبر تقديم قراءة متكاملة لمسيرته السياسية وخياراته، ومرجعياته الأيديولوجية، وما تركه ويتركه من بصمات على المشهد الإسرائيلي، وما يُعبر عنه من توجه نحو اليمين، بما يشمل انحيازه لسياسة الصدام والتوسع على صعيد العلاقة مع الفلسطينيين.

ويؤكد المؤلف أنطوان شلحت أن تمسك نتنياهو بــ "الوضع القائم" و"عقيدة اللاحَل" شكل غطاء لتوسيع مجال فعل إسرائيل على صعيد تثبيت حقائق جديدة أخرى على الأرض في المناطق الفلسطينية، وبالتالي فإن "الوضع القائم" لا يظل هو القائم حقا بالنسبة إلى فرص أي تسوية سياسية في المستقبل. ويشير الكتاب إلى أن هدف نتنياهو الوحيد، الذي لم يتغير، هو البقاء في السلطة، وأنه أول رئيس حكومة في تاريخ إسرائيل يعتبر البقاء في السلطة هدفا أساسيا.

يتكون الكتاب من ثلاثة محاور، تتفرع عنها جملة عناوين، إلى جانب المقدمة والخلاصة. في المقدمة يرى شلحت أن إسرائيل تحت قيادة نتنياهو، لا تنفك تراوح مكانها فيما يتصل بالأسئلة الكبرى التي تواجهها بشأن مستقبلها. ويوضح أن هناك نسختين من نتنياهو كرئيس للحكومة: نتنياهو الأول في ولايته الأولى خلال تسعينيات القرن العشرين، وبدا فيها "زعيما شابا، متعجرفا، أيديولوجيا ومستعدا للمواجهة" ونتنياهو الثاني في ولايتيه الثانية والثالثة، ويبدو فيهما "ناضجا، أشيب، براغماتيا وحذرا".

-العنوان: بنيامين نتنياهو.. عقيدة اللاحَل
-المؤلف: أنطوان شلحت
-عدد الصفحات: 186
-الناشر: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"
-الطبعة: الأولى، 2015

المحور الأول من الكتاب جاء تحت عنوان "عقيدة نتنياهو المحدَثة.. التسوية الإقليمية أولا" وجاء فيه أن عقيدة نتنياهو الأمنية فحواها السعي لإيجاد "حل مؤقت" للصراع مع الفلسطينيين لكن فقط في إطار التعاون الإقليمي. هذا الحل يتضمن أفقا سياسيا جديدا أصبح ماثلا أمام إسرائيل وهو تعاون إقليمي محدود بين إسرائيل و"دول عربية معتدلة" بهدف كبح الإسلاميين الجهاديين المتشددين. ويذكر أن حلم نتنياهو هو توقيع اتفاقات سلام مع دول ليس لها مع إسرائيل أي مشكلة جغرافية، وأن تبقى المشكلة الفلسطينية عالقة في الهواء.

ويبين شلحت أن المفاوضات لم تعد تُشكل مدخلا إلى اتفاق ما، كون نتنياهو لا يحلم لحظة واحدة بتوقيع وثيقة تفرض العودة إلى حدود 1967 مع تعديلات بسيطة على الحدود القائمة وإخلاء مئات آلاف المستوطنين، بل هدفه هو البقاء في المناطق المحتلة إلى الأبد.

ويمنح هذا المحور مساحة للإضاءة على ما ينجزه نتنياهو من تغيير داخلي بنيوي في إسرائيل، ضمن مسعى لا يكل لإعادة تركيب البنية السياسية والإعلامية والقانونية بما يخدم مشروعه الأيديولوجي اليميني المتشدّد، إذ "يقوم نتنياهو بـ"تهويد" إسرائيل تماما، وصولا إلى سنّ قانون أساس يُعرّف إسرائيل بأنها الدولة القومية للشعب اليهودي. يقول المؤلف بهذا الشأن: لا يدع نتنياهو مناسبة إلا ويتحدث فيها عن مطلبه بيهودية إسرائيل، حتى تحول ذلك إلى قضية منافسة حزبية تتسابق الأحزاب اليهودية في توكيدها والسعي لقوننتها.

المحور الثاني عُنون بـ" الشرعية التاريخية والأمن" كذريعة مُحكمة لنسف أي تسوية، حيث يتطرق المؤلف هنا إلى أهم خطاباته وخصوصا خطابي بار إيلان 1 و2 وخطابه أمام مؤتمر "معهد دراسات الأمن القومي" والذي كان محوره "خيارات" إسرائيل بعد وصول الحل الدائم إلى طريق مسدود، فضلا عن تصريحاته واستنتاجاته خلال الحرب العدوانية الأخيرة على غزة وفي إثر انتهائها.

ففي خطاب له في يونيو/حزيران 2009 بجامعة بار إيلان في مستهل ولايته الثانية كرئيس للحكومة، أيد لأول مرة إقامة دولة فلسطينية مع عدة تحفظات، وكانت لاعترافاته تلك دوافع سياسية محددة وقتها، في مقدمتها إرضاء أوباما، وتقديم دفعة مسبقة على حساب عملية عسكرية أميركية في المستقبل ضد المنشآت النووية في إيران، لكن عندما أدرك نتنياهو أن أوباما لن يتحرك عسكريا ضد إيران، رد عليه بالتخلي عن حل الدولتين وبتدمير أساس المفاوضات مع عباس.

هناك نسختان من نتنياهو كرئيس للحكومة: نتنياهو الأول بولايته الأولى بتسعينيات القرن العشرين وبدا فيها "زعيما شابا، متعجرفا، أيديولوجيا ومستعدا للمواجهة" ونتنياهو الثاني بولايتيه الثانية والثالثة ويبدو فيهما "ناضجا، أشيب، براغماتيا وحذرا"

وبعد نحو أربعة أعوام وأربعة أشهر، عاد نتنياهو إلى نفس الجامعة وألقى ما بات يُعرف باسم "خطاب بار إيلان 2". وفي هذه المرة صور نتنياهو الإيرانيين وكذلك الفلسطينيين وكأنهم نازيون، وأنه لا يمكن التحاور مع ورثة شركاء النازيين الذين عايشوا "أجيالا من التحريض".

ويرى نتنياهو أنه في الإمكان التوصل إلى اتفاق فقط حين يوافق الفلسطينيون على مطالب مرفوضة من جانبهم، أي الاعتراف بإسرائيل "دولة يهودية" وترتيبات أمنية بعيدة المدى، معيدا التأكيد على أن ركني السلام هما "الشرعية والأمن " معربا عن اعتقاده بأنهما سيتيحان إمكان حل القضايا العالقة كلها.

وفي المحور نفسه، يستعرض الكاتب رؤية نتنياهو في "الحق اليهودي في فلسطين" حيث لا تنفك ادعاءات نتنياهو أن "هذه الأرض هي وطن الشعب اليهودي" تتكرر في خطاباته، بل إنه رفعها إلى مصاف "الحقيقة التاريخية الواحدة والوحيدة" التي يتعين على الفلسطينيين الاعتراف بها وبناء السلام على أساسها.

كما يسعى أيضا لإرساء هذا الحق من خلال "قانون إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي" الذي يتضمن أن "أرض إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي ومكان إقامة دولة إسرائيل" وأن "دولة إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي" وأن "حق تقرير المصير القومي في دولة إسرائيل مقصور على الشعب اليهودي" وأن "إسرائيل هي دولة ديمقراطية تقوم على أسس الحرية والعدالة والسلام".

الهدف من وراء ذلك كله، وفق الكتاب، هو أن يستبطن الفلسطينيون أنهم هُزموا تاريخيا، وأن يعترفوا بالملكية الحصرية لليهود على البلد (فلسطين) بأسره، وبالتالي يكون الفلسطينيون ملزمين بأن يسلموا بدونيتهم. وهذا المفهوم مغروس عميقا في الوعي الإسرائيلي، وهو مشترك لليمين والوسط بكل أطيافهما.

المحور الثالث، جاء تحت عنوان "حول الفكر السياسي الذي شكل عقلية نتنياهو" يرى المؤلف أن موقف نتنياهو المتعلق بـ"تجاهل" الفلسطينيين شكل أساسا لفكره السياسي منذ أن دخل المعترك الحزبي قبل أكثر من عقدين، وهي فرضية فحواها أن الفلسطينيين عديمو الأهمية، وأنهم في التحصيل الأخير مجرد غطاء للقوى المهمة في الشرق الأوسط.
ا
ويشير الكاتب إلى أن نتنياهو في البداية لم يكن يعترف بوجود الفلسطينيين معتبر أنهم مجرد غطاء استعمله العالم العربي في حربه الرامية إلى القضاء على إسرائيل، أما الآن فإن نتنياهو يقر بوجودهم، لكنه ما زال مصرا على اعتبارهم عديمي الأهمية وأنهم مجرد غطاء للإسلام المتشدد.

تأثر الفكر السياسي لنتنياهو بوالده المؤرخ البروفيسور بن تسيون الذي كان يؤمن بإسرائيل الكبرى، واستحالة التوصل إلى سلام مع العرب، وأن المستوطنات هي الإجابة، وأن التنازل عن الأرض مقابل السلام ليس رأيا صائبا

إلى ذلك، فقد تأثر الفكر السياسي لنتنياهو بفكر والده المؤرخ البروفيسور بن تسيون نتنياهو الذي كان يؤمن بإسرائيل الكبرى، واستحالة التوصل إلى سلام مع العرب، وأن المستوطنات هي الإجابة، وأن التنازل عن الأرض مقابل السلام ليس رأيا صائبا.

ولم يكن والده ذاك يؤمن بوجود شعب فلسطيني، وكان يرى أن حل الدولتين لا وجود له "فليس هناك من شعبين هنا، بل هناك شعب يهودي وسكان عرب". ورأى أن الحل الوحيد مع العرب هو القوة. أما نتنياهو فكان يتباهى في أغلب المناسبات بأنه يتبنى المبادئ التي رباه والده عليها.

يتطرق الكتاب إلى موقف نتنياهو إزاء فلسطينيي 48، حيث ينظر إليهم على أنهم "خطر أمني" أو "عدو داخلي"، وأن الجهد الأساس الذي تبذله حكومة نتنياهو موجه نحو غاية واحدة: قمع التطلعات السياسية للمجتمع العربي في إسرائيل، وأن الطاقة التي تستثمرها الحكومة لتحقيق هذه الغاية أكبر من الطاقات التي تستثمرها في دفع العملية السياسية، ولا تقل عن الطاقات التي تستثمرها في إحباط التهديد "النووي" الإيراني.

المحور الرابع خُصص كخاتمة وعنون بـ" نتنياهو، طريق إدارة الصراع أو: انتظر وراقب". يُشير شلحت إلى أن أفضل مقاربة بالنسبة لإسرائيل عقب فشل مفاوضات السلام مع الفلسطينيين هي "عدم فعل شيء" والاكتفاء بإدارة الصراع، واعتماد سياسة "انتظر وراقب".

فوفق هذه المقاربة يجب عدم الإقدام على أي خطوات بما في ذلك خطوات أحادية الجانب جذرية، من منطلق أن حل هذا الصراع مستحيل، في حين أن إدارته هي في متناول اليد، وأن إرساء "خطاب عملية السلام " تحول على يد نتنياهو إلى مجرد غطاء لأفعال أقل ما يُقال فيها إنها تُناقض السلام نفسه على نحو جلي ومفضوح للغاية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك