عمار العباسي

عمار العباسي

كاتب صحفي بحريني

عرض/ عمّار العباسي
قبيل الربيع العربي كانت الأرضية المشتركة الفكرية تتسع في المجتمع العربي، وهذا نتاج محاولات عديدة لإزالة المخاوف البينية ومراجعات وأطروحات تجديدية للمسارات الحادة السابقة التي اتخذتها التيارات المختلفة في صراعها البيني، فكان من ثمرة هذا كله الوصول لأرضية مشتركة مكنت المجتمع من الالتحام بالميدان في بلدان عربية مختلفة.

وحدث بذلك الزلزال الذي أسقط عدة رؤساء من حكمهم، وكان المجتمع حينها يحدوه الأمل للولوج إلى حقبة جديدة ترتفع فيها أرصدة التنمية ويغدو التنافس السياسي ديمقراطيًا مخمليًا، قبل أن ينقطع نور هذا الأمل فيجد الناس أنفسهم في نفق مظلم مع نقض الربيع العربي.

- العنوان: التيارات العربية والقضية الديمقراطية..
أحاديث ما بعد الربيع العربي
- المؤلف: مهنا الحبيل
- عدد الصفحات: 203 صفحات
- الناشر: دار النهضة
- الطبعة: 2015  

وفكرة الكتاب الذي بين أيدينا ولغته وطرحه كله يبحث في سبيل العودة للوراء قليلًا مع التسلح بخبرات التجربة، وبالتالي البحث عن الأرضية المشتركة التي يستطيع بها الحراك الحقوقي في المجتمع العربي أن يبصر النور دون إغفال أخطاء المرحلة، وذلك بالبحث عن مراجعة فكرية وليس محض خطاب تصالح غزلي غير منتج.

وقد ناقش المؤلف في دراسته التيارات وموقفها من الديمقراطية من خلال تجربة الربيع العربي، فبدأ بتياريْ القوميين والإسلاميين، ثم عرض رؤيته وتحليله للتجربة التركية الديمقراطية، مختتمًا الكتاب بفصل أخير هو أشبه بتتويج للفصول السابقة بعقد المقارنة بين التيارات العلمانية والإسلامية في ضوء مستخلصات التجربة التركية.

ويُلاحظ أن دراسته اتسمت بأمرين:
الأول: أن النقد الموجه للتيارات مهما كان بالغًا إلا أنه اتسم بلغة هادئة، مع تعويل مستمر لدى المؤلف على أن داخل كل تيار ثمة من يقوم بعملية المراجعة والتصحيح، وأنه مهما اتسعت الفجوات لا بد من التعويل على المجددين في كل فريق، فليس المراد الوصول إلى التطابق والتوافق التام وإنما الأرضية المشتركة.

الثاني: أن الكاتب يصرف النظر عن التفاصيل الجزئية للحدث السياسي، ويركز أيما تركيز على ربط مجمل الأحداث بالسياق الفكري العام لدى التيارات العربية، فهو يتعلق بالكليات التي أنتجت الحدث السياسي من خلال الربيع العربي وما تبعه من إجهاز عليه، وينصرف عن الجزئيات إلى الأحداث، وهذا أليق بغرض الكاتب في البحث عن أرضية مشتركة، والحض على المراجعة والتجديد من خلال التركيز على الكليات، بينما التفاصيل تنكئ الجراح ولا يعوَّل عليها في شيء.

القوميون
بالنظر إلى التجربة القومية ما قبل الربيع العربي ودورها في نقض الربيع العربي، تُستدعى أسئلة جادة ووقفة صارمة حول مدى إيمان القوميين بالديمقراطية وحق الشعوب فيها، فشتى تجارب الدول التي قامت على أسس قومية أنتجت نظما جمهورية لا ديمقراطية، ثم ساهم التيار القومي بشكل أصيل في نقض الربيع العربي مع ما صاحب ذلك من تحريض وقبول بسفك الدماء في شتى دول الثورات، وهذا يمثل خبرة راسخة في ذاكرة الشعوب تجاه التجارب القومية، فالأسئلة التي يوجهها القوميون تجاه التيار الإسلامي حول موقفه من الديمقراطية وإيمانه بها بات ملحًا على القوميين أنفسهم أن يجيبوا عنها.

يرى الكاتب أن أصل المشكلة لدى القوميين كانت في صراعهم مع الرؤية الإسلامية -وليس مع الإسلاميين- كجامع أساسي للعرب، فالفكرة القومية التي برزت في مقابل القومية التركية إثر سقوط السلطنة العثمانية الجامعة، كانت تحمل مشكلتها في رؤيتها أن سبب التفوق الحضاري القديم هو العرق والجغرافيا مع تهميش الهوية الإسلامية.

هذه المعضلة جعلت القومي ينظر لنفسه متعاليًا على الهوية التي ما زالت راسخة في الشعوب، فتحول شيئًا فشيئًا إلى ما يمثل طائفة مقابل الأمة يحاول أن يفرض رؤيته عليها من خلال التسلط والاستبداد والإقصاء، وبسبب هذا الانفصال والاستعلاء لم يكترث القومي بكل ما يحصل من كوارث أنتجتها نظمه، ورغبته في حضور امتيازي في أولى التجارب الديمقراطية وازدرائه أن يكون نظيرًا للإسلاميين قابلًا للخسارة أمامهم، مما أدى مجددًا لركوبه موجة الاستبداد ومساهمته المركزية في نقض الربيع العربي بشكل دام.

مع ذلك، يرى الكاتب أن وجود بعض الاستثناءات من المفكرين القوميين الذين رفضوا المساهمة في نقض الربيع العربي يجب أن يعوَّل عليه من أجل التجديد وجسر الهوة، وأنه لا بد من استعادة الحوار والتبادل الثقافي مع الإسلاميين لإثراء الجميع، على أن يسعى ذلك للإجابة عن معضلة الهوية والديمقراطية.

الإسلاميون
في المقابل، ليس الإسلاميون في وضعٍ مثالي، فتفشي السلفية الطائفية كتيار إقصائي تكمن مشكلته مع الداخل السني بالأساس (خلافًا للسلفية كمسلك علمي أصيل في فهم النصوص)، وضعف الفقه الدستوري، وتردي النظرة للحياة المدنية في الشريعة لدى البعض، أدى بهم إلى أخطاء جسيمة، مما يستوجب القيام بمراجعة شاملة.

التجربة القومية ما قبل الربيع العربي ودورها في نقض الربيع العربي، تُستدعى أسئلة جادة ووقفة صارمة حول مدى إيمان القوميين بالديمقراطية وحق الشعوب فيها، فشتى تجارب الدول التي قامت على أسس قومية أنتجت نظما جمهورية لا ديمقراطية، ثم ساهم التيار القومي بشكل أصيل في نقض الربيع العربي

ويظهر أن المشاكل الأساسية الثلاث التي وضعها الكاتب عبارة عن حلقات متصلة، فالسلفية الطائفية كفكرة انفصالية عن الإرث الواسع للحضارة الإسلامية أدت إلى تردي الرؤية تجاه الفقه الدستوري، وقد ظهر عيانًا أن طرفيْ السلفية الطائفية (المهادن للديكتاتوريات والعنيف المسلح) في حالة هجوم ضد الصعود الإسلامي المدني والشراكة الشعبية، كما أن تردي الرؤية تجاه الفقه الدستوري بالضرورة ينتج عنه تردّ في النظرة للحياة المدنية في ظل الشريعة، بحيث تصبح مساحات الاجتهاد ضئيلة مقابل أي فكرة تسلطية يتم فرضها.

وهذا الثالوث -كما يرى الكاتب- لم يعد حصرًا لدى تيار بعينه، بل إنه تسرب إلى مدارس إسلامية أخرى، وقد ساهم في تشويهها وانزلاقها في أخطاء كارثية وضرب المدارس الإسلامية ببعضها، مع التمييز بين ما أحدثته السلفية الطائفية كتيار ومواقف لشخصيات من خارجها دعمت الاستبداد كمشاريع توظيف سياسي، وعليه فلا بد من مساهمة الجميع في العلاج من خلال السلفية الإصلاحية وكذلك من سائر المدارس الإسلامية.

ومن خلال الدعوة إلى النظر والتجديد للمسارات الثلاثة، يبحث الكاتب في مسائل مختلفة منضوية فيها، كمساحة الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي مقابل استحداث السلفية الطائفية لقطعيات مُدعاة ومصادرتهم للخلاف، وفرضهم رؤى وتصورات خاطئة ومشوهة تجاه المرأة وقضايا الحسبة وغيرها.

ويركز الكتاب هنا على مناقشة الديمقراطية من جوانب متعددة مختلفة وفي غاية الأهمية، اتسم فيها طرحه بانفتاح دون انبهار أو انهزامية نفسية تجاه المنتج الغربي، فناقش الجانب النظري للمصطلح والمساحة المقبولة والمرفوضة منه، ومدى أهميته كمصطلح في واقعنا المعاصر، بالإضافة إلى مناقشة مدى التعويل عليه في الوصول للحق والعدالة، والنظر فيما إذا كان بديلًا لمفهوم الشورى أو أداةً له، بالإضافة إلى النظر في مدى تعارض أو توافق الديمقراطية مع الوحدة، ومفهوم الخلافة بتحقيقها من خلال إطار شعبي مجتمعي مقابل الرؤية التي ترى فرض ذلك من إطار فوقي.

كما ناقش المؤلف الديمقراطية من جانب واقعي بالنظر لخيارات الإسلاميين بعد نقض الربيع العربي من خلال الحلف الثلاثي: الغرب، ودول النفط العربي التي يضرها أفق الإصلاح والحريات، والجار الإقليمي الطائفي الذي يضره صعود الحراك الديمقراطي في الحاضرة الإسلامية التي يطمع بها، يضاف لهذا سقوط الشركاء من حلف الفضول الديمقراطي، فبقي الإسلاميون يواجهون المعركة لوحدهم مع انسداد للأفق، مما ولد شعورًا بالغبن والقهر يدعوهم إلى حمل السلاح، فناقش الكاتب مدى صحة هذا الخيار المسلح والوصول من خلاله إلى المآل المرجو ب قراءة نماذج من سلكوه، منتقدًا الانجراف العاطفي دون القراءة المتزنة.

النموذج التركي وديمقراطية الشرق
يبدأ هذا الفصل بمقارنة بين النموذجين التركي والإيراني تجاه الشراكة مع العرب كقلب للعالم الإسلامي، لا سيما مع كون النموذجين في زمن متقارب، ما بين ثورة الخميني والحراك المتجسد في الثورة المدنية التركية التي أخذت عدة موجات متدرجة حتى وصلت لنموذجها الحالي في حكم أردوغان.

تميز الأتراك منذ البداية بتجنب التسطيح الفكري في النظر لمصطلحات الديمقراطية والعلمانية، حيث نادوا بالتجديد وفق الدين والحفاظ على الهوية، وخاضوا السياسة بجسارة وفق فهم مقاصدي للشريعة والعدالة الإسلامية، ثم صقلت التجارب الواقعية فهمهم لمساحة الحراك الممكن

وهذه المقارنة متأثرة في عمقها الداخلي بسلوك الخميني ابتداءً مع شركاء ثورته، فضلًا عن الإقصاء في إيران الذي تم ضمن دوائر متعددة وصولًا للسلطة المركزية التي يتمتع بها المرشد، والتي تغلب أي إرادة شعبية دستوريًا، حيث غدت الجمهورية ترسانة حصار وقمع أيديولوجي لسلطة دينية طائفية لا جمهورية مدنية، مقابل النموذج التركي الذي ما استطاع استكمال ثورته المدنية حتى وسَّع دائرته لتشمل قواعد غير متدينة، وسعى باستمرار للمصالحة مع سائر الأقليات، ورسَّخ الإرادة الشعبية والمواطنة الحديثة في طريقه للتخلص من الدكتاتورية العسكرية.

فكان لهذا الأساس لدى النموذجين امتدادهما القيمي في السياسة الخارجية تجاه المنطقة العربية وربيعها بشكل واضح بين داعم للحراك الشعبي وشريك أصيل في وأد الثورة بصورة دموية، وهذه المقارنة ضرورية لمرحلة يبحث فيها المسلمون عن بناء حضارتهم في ظل استبداد باسم الدين واستبداد آخر ضد الدين، مقابل تحرر متمسك بالقيم والمقاصد الدينية.

الجذور الإسلامية في تركيا تساهم اليوم في ضبط الجفاف والصرامة المدنية الغربية المعاصرة في مهمة بالغة الأهمية، وفي الوقت ذاته تسعى لترسيخ المشاركة في القرار والاختيار، فقد تميز الأتراك منذ البداية بتجنب التسطيح الفكري في النظر لمصطلحات الديمقراطية والعلمانية، حيث نادوا بالتجديد وفق الدين والحفاظ على الهوية، وخاضوا السياسة بجسارة وفق فهم مقاصدي للشريعة والعدالة الإسلامية، ثم صقلت التجارب الواقعية فهمهم لمساحة الحراك الممكن للعمل من أجل توسيعه وإصلاحه.

وما كان للتجربة التركية أن تنضج دون نظرة إستراتيجية لفهم الصراع، حيث تم السعي في تركيا للتصالح مع المجتمع واستمالته بتحقيق آماله وطموحاته، والتركيز على المشتركات لإيجاد دعامة صلبة ضد معسكر الاستبداد المضاد لأردوغان من تيارات داخلية وخارجية يزعجها الصعود المدني التركي، وهي تمثل حاليًا إحدى تحديات أردوغان، لذا كانت القاعدة الصلبة لأردوغان هي المجتمع بمختلف أطيافه على أساس الشراكة لا الإسلاميين فحسب، وكان لهذا الأثر الكبير في تراجع المشروع المضاد واستمرار صعود العدالة والتنمية في كل الاستحقاقات الشعبية.

وهذا النموذج -في نظر الكاتب- سيكون له أثر بالغ على الشعوب العربية، إذ تحقيق العزة كشعور مفقود في الأمة له وجهتان: الأولى داعشية مدمرة، والثانية تركية مدنية بناءة، والمشهد -لولا تركيا- يكاد يكون قاتمًا في وجهة المنطقة، وتركيا الآن نموذج يحتذى به في فهم الدروس، لا سيما أن تأثيرها يزداد مع انفتاحها تجاه قضايا الشرق من خلال الأسس المشتركة الإنسانية والإسلامية، ولذا نجد بعض التيارات الإسلامية رغم تحفظها على نموذج الأتراك فإنها لا تخفي الاعجاب بأدائهم.

مواقف وأحزاب
في هذا الفصل ناقش المؤلف واقع ما جرى في الربيع العربي من خلال الفصول السابقة، فراجع كيف تصرف العلمانيون بشتى تياراتهم، وتأثير الانفصال الفكري المؤسس لديهم على موقفهم الذي أدى بهم ليكونوا ظهيرًا للحكم العسكري، كما توقف عند بعض مراجعات مفكريهم التي لا بد من أن تعمق.

وتوقف -في آخر الفصل- لعقد مقارنة بين النموذجين التونسي والمصري، مؤكدًا أن الانقسام في الوطن العربي بين التيارات إنما هو أثر ارتداد ما جرى بمصر تحديدًا، بينما استطاع التونسيون تجاوز المرحلة بأقل قدر من الخسائر مع استمرار التحديات بفضل تكاتف إسلاميين ويساريين معتدلين مقابل تطرف متعدد التوجهات، لا سيما مع الأخطاء التي ارتكبها الإسلاميون في مصر بسبب تأثرهم بالسلفية الطائفية فكانوا عاملًا منفرًا ومهيئًا لبعض الأرضية لتولي بعض المخالفين عنهم في معركة تثبيت الديمقراطية، في مشهد مؤسف مقارنة بالسلوك الناضج الذي سلكته الحركة النضالية بتركيا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك