عرض/أحمد حسن
صدر مؤخرا عن دار الساقي للنشر في بيروت كتاب بعنوان "داعش.. عودة الجهاديين" للكاتب الصحفي الإيرلندي باتريك كوكبيرن مراسل صحيفة "إندبندنت" البريطانية في الشرق الأوسط.

يحلل مؤلف هذا الكتاب العوامل التي ظهر في سياقها تنظيم الدولة الإسلامية، خصوصا تداعيات الأزمة السورية وتطوراتها، وسيطرة الجهاديين على مناطق واسعة من سوريا والعراق.

ويقدم في الإطار قراءة متعمقة ومتعددة الأبعاد للأوضاع في هذه المنطقة الملتهبة من العالم العربي، وتصوراته المستقبلية لمآلات الوضع هناك.

ومن بين أهم الأفكار التي يركز عليها المؤلف أن التطورات الحادثة في الوقت الراهن بالشرق الأوسط لن تبقى أسيرة الحيز الجيوسياسي الحالي لها الذي يشهد مواجهات دموية شرسة، ومن المؤكد أن رقعتها سوف تتوسع لتشمل أنحاء متعددة من العالم، وهو ما أثبتته بعض الحوادث الأمنية التي شهدتها فرنسا وبلجيكا وأستراليا وبريطانيا في الأشهر الأخيرة.

-العنوان: داعش.. عودة الجهاديين
-المؤلف: باتريك كوكبيرن
-ترجمة: ميشلين حبيب
-الناشر: دار الساقي، بيروت -عدد الصفحات: 192
-الطبعة: الأولى، 2014

كما يركز على دور الغرب وسياساته الخاطئة في ظهور هذه الأزمات، فيقول إن تنظيم الدولة والجهاديين في سوريا والعراق استغلوا أخطاء حروب الغرب في أفغانستان والعراق وليبيا من قبل، إضافة إلى التقديرات الخاطئة في ما يتعلق بسوريا وثورات الربيع العربي، مما قاد إلى إحراز الجهاديين انتصارات كبيرة توجت بإنشاء "دولة خلافة" تشمل معظم المناطق السنية في العراق، وكذلك منطقة واسعة من شمال شرق سوريا.

وقبل نقل بعض ما جاء في الكتاب من رؤى حول تنظيم الدولة وحراكه الحالي، وما قاد إليه من نتائج تكاد تؤثر على جيوسياسية المنطقة بأكملها فإنه تنبغي الإشارة إلى ملاحظة مهمة أبداها عدد من الذين قاموا بمراجعات سابقة لكتب عن تنظيم الدولة، حيث إن الأدبيات التي ظهرت عن التنظيم عديدة، ويبدي الكثير منها الرأي في أعمق دقائق الظاهرة التي نحن بصددها على الرغم من حداثتها، وعدم وضوح الرؤية بشأن الكثير من الأمور المرتبطة بها حتى هذه اللحظة.

يقع الكتاب في 192 صفحة من القطع المتوسط، وقد حاز شهرة واسعة في أوروبا وأميركا الشمالية بسبب الأهمية الكبرى التي بدأ الغرب يوليها لتنظيم الدولة بعد ضبط الكثير من الخلايا التي تعمل على إلحاق الشباب الأوروبيين به، وتشجعيهم على القتال معه ومع تنظيمات جهادية أخرى، مثل جبهة "النصرة" في سوريا.

وفي هذا الكتاب يحلل كوكبيرن -أحد أبرز الصحفيين الميدانيين في الميديا الغربية وأحد المهتمين بالأوضاع في المنطقة، وله ثلاثة كتب عن العراق- العوامل التي قادت أولا إلى ظهور تنظيم الدولة، ثم تمدده بعد ذلك لكي يتحول "بهذه السرعة" إلى "وحش ضار" استولى على مساحات شاسعة من العراق وسوريا، وبات يهدد تركيا والأردن والسعودية.

وينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام رئيسية، يتناول القسم الأول منها نشأة وجذور تنظيم الدولة منذ ظهوره في العراق بعد الغزو الأميركي في عام 2003 كأحد مكونات مجلس شورى المجاهدين الذي أسسه أبو مصعب الزرقاوي، ثم امتداده بعد ذلك إلى سوريا وتحوله إلى خصم لتنظيم لقاعدة بعد أن كان شريكه لها في العراق، حيث خاض ولا يزال صراعات دموية مع جبهة "النصرة" في بعض المناطق السورية.

غياب الدولة الوطنية يمثل أحد أهم أسباب تمدد تنظيم الدولة، فقد كانت رغم ضعفها في السابق أحد عوامل التعايش الهش الذي عرفته المنطقة لفترات طويلة، وحالت دون انفجار الوضع في فترات تاريخية سابقة
وبعد أن يشير إلى الجذور "الوهابية" لتنظيم الدولة يتناول بعض الأسباب الأخرى التي أدت إلى ما يمكن وصفه بـ"الحالة الداعشية" في منطقة المشرق العربي.

وأكد أن أهم هذه الأسباب هو غياب الدولة الوطنية التي كانت على الرغم من ضعفها أحد عوامل التعايش الهش الذي عرفته هذه المنطقة لفترات طويلة، وحالت دون انفجار الوضع في فترات تاريخية سابقة كما هو الحال في الوقت الراهن.

وعند تحليله نقطة تمدد التنظيم فإن المؤلف يركز على الحدث الكبير، وهو اجتياح تنظيم الدولة مدينة الموصل ثاني كبريات المدن العراقية، فيشير أولا إلى أن ذلك ما كان ليتم لولا الفساد الكبير القائم في المؤسسة العسكرية العراقية، وفشل الولايات المتحدة والغرب في إعادة بناء مؤسسات الدولة العراقية بعد الإطاحة بنظام الرئيس العراقي صدام حسين.

ومن بين العبارات اللافتة والمهمة لكوكبيرن في هذا الإطار "ففيه (الجيش العراقي) قد اشترى القادة مناصبهم، وزاد الأغنياء حيز نفوذهم بالرشاوى والاختلاسات، ومع عودة الجهاديين تم دفن السياسة العلمانية والديمقراطية التي كان من المفترض أنها في صدارة ثورات الربيع العربي".

ثم يقول إن تنظيم الدولة عمد بعد ذلك إلى التوسع في المناطق العربية السنية في كل من سوريا والعراق، وهي نقطة تأسيسية مهمة سيكون لها ما بعدها في باقي الكتاب.

القسم الثاني من الكتاب يلقي الضوء على قضية شديدة الأهمية تتعلق بالبواعث التي أدت إلى تضخم تنظيم الدولة على هذا النحو، وهي الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت قائمة في سوريا والعراق وقت ظهور التنظيم.

وهنا يقول المؤلف إن إحياء تنظيم القاعدة في العراق تزامن مع "الثورة السنية" في سوريا عام 2011، في إشارة إلى الثورة السورية التي تصاعدت ضمن سياقات الربيع العربي، مشيرا إلى أن ذلك يعتبر نتيجة طبيعية للتهميش الذي طال العرب السنة في سوريا، وكذلك في العراق في السنوات التي تلت الاحتلال الأميركي له عام 2003.

وهنا يعيب البعض على كوكبيرن أمرا مهما، وهو أنه تحت طائلة تشريح الوضع الذي قاد إلى تمدد تنظيم الدولة مال إلى اختزال المشهد الثوري في سوريا ببعد طائفي، بينما الثورة السورية هي ثورة الشعب، وهو ما يمكن أن يرسل رسائل خاطئة إلى العقل الغربي الذي وجه كوكبيرن الكتاب له وهو يطالع الأحداث الراهنة في الشرق الأوسط.

ولقد بدا ذلك الاختزال حتى في العنوان الأصلي للكتاب، وهو "عودة الجهاديين.. داعش والانتفاضة السنية الجديدة"، قبل أن تقوم دار الساقي بطبعه ونشره بعنوان "داعش.. عودة الجهاديين".

القسم الثالث من الكتاب يتناول قضية مهمة في سياقات الربيع العربي اعتبرها البعض محاولة مبطنة للدفاع عن تنظيم الدولة أو تبرير وجوده، وتبرئته من بعض الممارسات التي توصف بالدموية.

يخلص المؤلف إلى أن ما تعرف بالحرب الدولية على الإرهاب قد فشلت تماما، إذ يتشارك الجهاديون العائدون السلاح الأميركي المرسل إلى القوى "المعتدلة" التي تحارب النظام السوري!
هذه القضية يصفها كوكبيرن بجملة لافتة، وهي "التغطية الإعلامية المنحازة لثورات الربيع العربي" فيعيب على بعض القوى المنتمية إلى الثورات العربية الكثير من مبالغاتها في ما تنسبه إلى خصومها، سواء الأنظمة أو القوى مثل تنظيم الدولة، إذ ترى الكثير من القوى الثورية أنها عطلت الإطاحة بالنظام السوري، وألقت ظلالا كئيبة على ثورات الربيع العربي.

ومن بين النماذج التي يعرضها المؤلف في هذا الإطار، مؤكدا أنه ثبت بعد ذلك وجود مبالغات عديدة فيها، ما تم اتهام العقيد الليبي معمر القذافي به في صدد ممارسة جيشه عمليات اغتصاب منهجية للنساء في معاقل الاحتجاجات التي كان يقتحمها، مع تكرار ترويج هذا الاتهام من أجل زيادة وتيرة حشد الجمهور في مواجهة النظام وجيشه.

ولعل الرسالة الأهم التي أكدها كوكبيرن في كتابه هي فشل الجهود الغربية والدولية التي تقودها الولايات المتحدة في محاربة تنظيم الدولة والقاعدة وما نحا نحوهما من تنظيمات جهادية.

وفي هذا السياق، فإنه يشكك في "جدية" التحالفات الغربية مع بعض دول المنطقة، كما يؤكد من جانب آخر أن أجهزة الاستخبارات الغربية متورطة بدورها في ما تشهده المنطقة و"على كل المستويات"، ولكن "يبدو أنها كانت تجهل الكثير مما كان يحدث حقا وما ستؤول إليه الأمور لاحقا".

ويخلص إلى أن ما تعرف بالحرب الدولية على الإرهاب قد فشلت تماما، إذ يتشارك الجهاديون العائدون السلاح الأميركي المرسل إلى القوى "المعتدلة" التي تحارب النظام السوري!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك