عرض/محمد تركي الربيعو
يسعى السوسيولوجي الإيراني آصف بيات في هذا الكتاب، إلى البحث في الحياة اليومية للمدن داخل الشرق الأوسط، عبر التركيز على الطرائق المتنوعة التي يحاول بها الناس العاديون الذين يعيشون على الهامش ( فقراء الحضر، النساء، وجماعات أخرى من جماهير الحضر) التأثير على مسارات التغيير في مجتمعاتهم.

يتم ذلك من خلال رفض هذه المجموعات الخروج من الحلبة السياسية والاجتماعية التي تسيطر عليها الدول التسلطية والسلطة الأخلاقية والاقتصاديات الليبرالية الجديدة، من خلال البحث عن فضاءات جديدة يستطيعون من خلالها أن يجعلوا صوت رفضهم يسمع.

وبرأي المؤلف، فإن الطرائق التي بات يغير بها هؤلاء الأفراد العاديون مجتمعاتهم، ما عادت تدخل في نطاق الاحتجاجات الجماهيرية أو الثورات، هذا على الرغم من أن هذه الاحتجاجات وتلك الثورات تمثل جانبا من جوانب الحراك الشعبي، حيث نجدهم على العكس من ذلك باتوا يلجؤون إلى ما يطلق عليه "اللاحركات الاجتماعية"، التي أخذت تشير إلى المساعي الجمعية لملايين الفاعلين الذين لا تربط بينهم روابط جمعية، والتي تظهر في الميادين العامة والشوارع الخلفية والمحاكم والمجتمعات المحلية.

فن الحضور اليومي داخل الشارع

-العنوان: الحياة سياسة.. كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط
-المؤلف: آصف بيات
-المترجم: أحمد زايد
-الناشر: المركز القومي للترجمة، 2014
-عدد الصفحات: 600

تقوم الفكرة الأساسية لهذا الكتاب، على أن الفضاء العام الحضري قد استمر بوصفه المسرح الرئيسي للجدل أو الحوار السياسي. فعندما يحرم الناس من القوة الانتخابية لتغيير الأشياء، فمن المحتمل أن تتجه مناطق نفوذهم النظامية (كما يفعل الطلبة أو العمال عندما يضربون عن الدراسة أو العمل) لإحداث ضغط جمعي لكي يجبروا السلطات على إحداث تغيير.

ولكن بالنسبة لفئات حضرية أخرى مثل العاطلين عن العمل، وربات البيوت، والعاملين في القطاع غير الرسمي، الذين يفتقدون إلى القوة النظامية للانقطاع عن العمل (كالدخول في إضراب مثلا)، بالنسبة لهؤلاء يصبح الشارع هو المجال الذي يتم فيه التعبير عن عدم الرضا.

ولذلك فإن هذا النوع من سياسة الشارع -بحسب الكاتب- أخذ يكشف عن منظومة من الصراعات، بين فرد أو حشد من الناس وبين السلطات، وهي صراعات باتت تتشكل ويتم التعبير عنها في الفضاء الفيزيقي والاجتماعي للشوارع.

كما أن سياسة الشارع هذه أخذت تحتل أهمية أكثر من ذلك، وخاصة في مدن الليبرالية الجديدة، أي تلك المدن التي تشكلت وفق منطق السوق. فعندما يتجول المرء في شوارع القاهرة، وطهران، وداكار، وجاكرتا في منتصف يوم عمل، يندهش من وجود أعداد كبيرة من البشر تمارس أنشطة في الشارع، وتعمل أو تتجول أو تقف أو تجلس أو تقود السيارات، أو تستقل الأتوبيسات والترام، وكل هؤلاء يمثلون السكان الهامشيين في الأساس.

لذلك برأي بيات، فإن هذا النمط من المدينة يمكن أن نطلق عليه "مدينة الداخل والخارج"، حيث يصبح عدد كبير من السكان خاضعا لسطوة الفقر والحرمان، الأمر الذي يجبره على أن يحيا حياته في الأماكن العامة وأن يكيف نفسه على ذلك.

 ولذلك نجد هنا أن الفضاءات التي تقع خارج المنازل (الحواري الداخلية والحدائق العامة، والميادين والشوارع الرئيسية) تعمل بمثابة المعونات التي لا يمكن الاستغناء عنها للحياة الاقتصادية، ولإعادة الإنتاج الاجتماعي والتضامن لقطاعات عريضة من سكان الحضر، ومن هنا فإنها أخذت تشكل أرضا خصبة للتعبير عن المشاعر والعواطف المشتركة والآراء العامة للأفراد العاديين في تعبيراتهم وممارساتهم اليومية، والتي يتم التعبير عنها في الأماكن العامة كسيارات الأجرة ، والحافلات، والمحلات، والشوارع الجانبية والمظاهرات الجماهيرية في الشارع.

اللاحركات الاجتماعية في الشرق الأوسط

عندما يحرم الناس من القوة الانتخابية لتغيير الأشياء، فمن المحتمل أن تتجه مناطق نفوذهم النظامية (كما يفعل الطلبة أو العمال عندما يضربون عن الدراسة أو العمل) لإحداث ضغط جمعي لكي يجبروا السلطات على إحداث تغيير
بعد ذلك يتطرق بيات، لسمات هذا الحراك طويل الأمد لملايين الأفراد المهمشين والذي يمكن وصفه على حد تعبيره بـ"الانتهاك اليومي لكل ما هو معتاد".

ففي الوقت الذي تعرف فيه الحركات الاجتماعية، خاصة تلك التي لم تظهر في المجتمعات الأوربية المتقدمة تكنولوجيا والمنفتحة سياسيا، بأنها "شكل من أشكال التحدي المنظم -الواعي والمستقل- للسلطات القائمة"، يقوم على أطر معينة وعلى اتباع قيادات محددة، وتبني وسائل خاصة أو طرائق وأساليب للتعبير عن المطالب، فإن الذي يميز اللاحركات أو الأفعال الجمعية للفاعلين الذين لا تربط بينهم رابطة جمعية، هو أنها تميل على الأغلب إلى التوجه بالفعل وليس بالأيديولوجيا، وأنها هادئة بشكل كبير، وتبتعد عن الانتشار الضوضائي ما دامت المطالب التي تظهر هنا تكون مطالب فردية وليست مطالب معبرة عن جماعات مترابطة، هذا أولا.

ثانيا: نجد أن القادة في الحركات الاجتماعية عادة ما يحركون تجمعات لكي يضغطوا على السلطات لتحقيق مطالبهم، بينما نجد أن الفاعلين في اللاحركات يمارسون على نحو مباشر ما يطلبونه أو يدعونه بصرف النظر عن صور العقاب التي تقوم بها الحكومة. ومن ثم فإن ما تقوم به اللاحركات الاجتماعية ليس سياسة للاعتراض، ولكنه سياسة ممارسة للتغيير عبر أفعال مباشرة ومتنوعة.

ثالثا: وعلى العكس من الحركات الاجتماعية، حيث يكون الفاعلون منغمسين في أفعال خارقة للحراك والاعتراض، تتجاوز روتين الحياة اليومية (مثل حضور الاجتماعات وتقديم العرائض وتحزيب الناس، والتظاهر)، فإن اللاحركات تتكون من ممارسات تختلط بالممارسات العادية للحياة اليومية.

ومن هنا نجد الفقراء مثلا يبنون مساكن ويحصلون على مياه جارية وخطوط تليفون، ويفرشون بضائعهم في شوارع المدينة الجانبية.

أما النقطة الرابعة والأكثر أهمية، فهي أن هذه الممارسات لا تنجز من خلال جماعات صغيرة من الناس يعملون على الهامش، ولكنها ممارسات شائعة للحياة اليومية ينجزها ملايين من البشر وإن كانوا متفرقين هنا وهناك.

وبعبارة أخرى فإن قوة اللاحركات لا تكمن في وحدة الفاعلين، التي يمكن أن تهدد بالانقطاع أو عدم اليقين أو الضغط من جانب الأطراف المعادية. بل تعتمد قوتها على قوة الأعداد الكبيرة أي أنها تعتمد على ما ينتج عنها من تأثير على معايير وقواعد السلوك السائد في المجتمع لأفراد يعملون الشيء نفسه بشكل دائم ومستمر.

وبرأي المؤلف، فإن قصة اللاحركات هي قصة الفعل الاجتماعي في أوقات الشدة، كما أن أهمية هذا المفهوم تكمن في قدرته على تجاوز الثنائيات الجامدة بين الإيجابي والسلبي، والفردي والجمعي، والسياسي والمدني، وجميعها ثنائيات محدودة الأفق، كما أنه يفتح إمكانيات جديدة لبحث الممارسات الاجتماعية غير المشاهدة، والتي يمكن أن تحدث تغييرا اجتماعيا كبيرا يكشف عن منطق الممارسة بين التجمعات المتفرقة والمتباعدة تحت ظرف الحكم التسلطي الذي تمنع فيه التجمعات الحرة والتواصل النشط.

خرافة الفقراء الإسلاميين
وفي أحد فصول الكتاب يقدم بيات قراءة سوسيولوجية عميقة لبعض السرديات, التي ترى أن هناك علاقة إيكولوجية وثقافية حضرية بين الوسط المعيشي لفقراء الحضر والنزعة الإسلامية الجهادية، فغالبا ما يعتقد أن الفقر الحضري وتركز الفقراء في المجتمعات الفقيرة المكتظة باللامعيارية والاغتراب, يؤدي إلى توليد وسط معيشي مشحون بالعنف والتطرف, والميل إلى عدم طاعة القانون.

رغم صحة الكلام حول أن الكثير من سكان التجمعات العشوائية يتبعون "حياة غير رسمية"،  فإن ذلك يعود أساسا إلى أن الحداثة هي مشروع مكلف، أي أنها تتطلب القدرة على التكيف مع أنماط السلوك (الالتزام بوقت محدد ومنظم، ومكان، وعقود...إلخ) وهي أشياء لا يقدر عليها الفقراء

كما أن ما يلفت النظر هو أننا نجد أن معظم رجال السياسة والقسم الأوسع من الأكاديميين أخذوا ينظرون إلى العشوائيات من خلال مفهوم "المناطق الحضرية المتخلفة" والذي تمت صياغته في الولايات المتحدة الأميركية، وهو النموذج الذي ظهر من خلال دراسة لمناطق سكن الأميركيين الأفريقيين داخل المدينة، والذي يفترض أن البطالة والبناء الأسري المفكك قد أديا إلى الجريمة والعنف.

وفي رأي المؤلف، فإن معظم الأعمال العلمية الجادة حول مناطق الفقراء بالقاهرة مثلا، قد أثبتت أن مستوى الجريمة في العشوائيات ليس مرتفعا عن نظيره في المناطق الأخرى.

و على الرغم من صحة الكلام حول أن الكثير من سكان التجمعات العشوائية يتبعون "حياة غير رسمية"، بمعنى أنهم يعملون خارج حدود الدولة والنظم البيروقراطية الحديثة، حيث يميلون مثلا لتحقيق درجة من الاستقلال في عملهم وحياتهم الثقافية، وإلى بناء علاقاتهم على التبادلية، والتفاوض، والثقة، وليس على الأفكار الحديثة للمصلحة الذاتية الفردية، والقواعد الثابتة، والتعاقدات، رغم كل ذلك فإن ذلك يعود في الأساس إلى أن الحداثة هي مشروع مكلف، أي أنها تتطلب القدرة على التكيف مع أنماط السلوك (الالتزام بوقت محدد ومنظم، ومكان، وعقود.. إلخ) وهي أشياء لا يقدر عليها الفقراء.

كما أن الأيديولوجيا تتطلب قدرات معينة (الوقت، المخاطرة، المال) وهو ما لا يملكه المحرومون، الأمر الذي يدفعهم إلى الانخراط فيما يطلق عليه المؤلف "السياسة من المستوى الأدنى" أو أشكال النضال المحلية من أجل تحقيق أغراض سريعة.

ولذلك نجد أن فقراء الحضر يميلون إلى اتباع تدينهم الشعبي وإلى حياتهم غير الرسمية المستقلة جنبا إلى جنب مع الممارسات السياسية التي تقوم على العلاقات الشخصية الحميمة في الحياة اليومية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك