عرض/مرح البقاعي


بشعره الأحمر وقامته الفارعة التي تصل إلى ستة أقدام، لا يبدو للوهلة الأولى أن صاحب هذه الملامح، المدعو مورتن ستورم، يمكن أن يقارب في محياه صورة متطرف جهادي. إلا أن فترة المراهقة المضطربة من حياة ستورم -حيث كان كثيرا ما يتورط في المشكلات والتعقيدات الحياتية- شكلت قاعدة لانحرافه باتجاه القدرات الشريرة على القتل وإلحاق الأذى بالأبرياء.

بدأت قصة ستورم في التحول إلى الدين الإسلامي بعد أن قرأ كتابا عن سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وخصائله الحميدة، فتأثر بشكل بالغ بما في الكتاب ووجد فيه السكينة التي كانت تحتاج إليها روحه المضطربة، ثم سرعان ما اعتنق الإسلام لكنه للأسف وقع في شرك النسخة المتطرفة من الدين الحنيف، فكان أن التحق بالمدارس الدينية المتشددة في اليمن، وأطلق على ابنه اسم أسامة تيمنا طبعا بأسامة بن لادن، وبدأ يتدرب في مجالس دينية تجيز العنف وسفك الدماء، ثم في معسكرات قتالية في عدة مدن يمنية.

ومن هناك تعرف على رجل الدين الأميركي المولد الذي ينحدر من أصول يمنية، أنور العولقي، وقد أدار عمليات إرهابية ضد مصالح أميركية وغربية في حينها، وأصبح في ذلك الوقت من أقرب المقربين إلى العولقي الذي قتلته مؤخرا طائرة أميركية من دون طيار.

- العنوان: العميل ستورم.. حياتي داخل القاعدة وفي السي آي أي
- المؤلفون: مورتن ستورم، بول كروكشانك، تيم ليستر
- عدد الصفحات: 320
- الناشر: أتلانتيك مانثلي بريس
- تاريخ النشر: 2014

أمضى ستورم عشر سنوات مع الجهاديين ينهل من عقيدتهم ويمارس الأعمال القتالية في معسكراتهم، وأصبح ابن الغرب أول عدو للغرب. لكنه، بعد كل هذه السنوات التي قضاها في الأعمال الجهادية العسكرية ليقرر ليس فقط أن يتبرأ من التطرف وينسحب من الفكر والعمل الجهاديين، بل ذهب إلى الضفة الأخرى وإلى الأقصى في نقض حياته السابقة، فتحول من متطرف ومتشدد ديني إلى عميل مزدوج للمخابرات المركزية الأميركية والمخابرات البريطانية والدانماركية.

حياة مثيرة بين دفتي كتاب
قرر ستورم أن يعمل مع محللين سياسيين هما بول كروكشانك وتيم ليستر، وهما متعاقدان في محطة السي أن أن العالمية، وذلك من أجل تدوين فصول حياته المثيرة والمتناقضة، والتي انتقلت من مغاور ومعسكرات التكفيريين والجهاديين لتستقر في صفوف عملاء المخابرات الدولية.

انكب الثلاثة على كتابة هذه السيرة الذاتية لمتطرف، ثم لعميل مزدوج، بحيث غدا الكتاب حين صدوره في الأسواق والمكتبات على رأس قائمة الكتب الأكثر مبيعا في الولايات المتحدة والعالم.

الكتاب هو عالم بل عوالم لا سابق لها في الغرابة والمفاجأة والإمعان في العنف تارة وفي فضاء المعلومات الاستخبارية تارة أخرى، إنها تفاصيل الحياة اليومية لرجل بلغ من التهور والانحراف درجة ممارسة القتل الجماعي.

السنوات الطويلة التي قضاها ستورم مع المتطرفين في الجبال والوديان والصحراء الشاسعة فرضت عليه نمطا معينا من الممارسات والفعاليات القتالية والعسكرية كان يجيدها ويمارس مهماتها بشغف شديد.

وقد تراوحت هذه المهمات بين تهريب الطائرات دون طيار (درونز) مع أمراء الحرب في تنظيم القاعدة على امتداد المناطق الصحراوية التي لا تغطيها رقابة أمن الحدود، إلى التدريبات الرياضية وتعزيز اللياقة البدنية في الصالات الرياضية الخاصة بالجماعات الجهادية في بريطانيا، إلى التمارين الدورية لتداول ونقل المعدات والأسلحة بين أطراف التنظيم في كينيا.

فرادة هذه السيرة الذاتية تكمن في جمعها بين عالمي ستورم المتناقضين والحياتين اللتين عاشهما بين العقيدة المطلقة بالجهاد والعمل لسنوات طوال مع أخطر الإرهابيين، إلى عالم الاستخبارات الدولية بكل ما يحفل به من حياة سرية وغموض

فرادة هذه السيرة الذاتية تكمن في جمعها بين عالمي ستورم المتناقضين والحياتين اللتين عاشهما بين العقيدة المطلقة بالجهاد، والعمل لسنوات طوال وبتفرغ كامل ضمن شبكة من العلاقات التي نسجها مع أخطر الإرهابيين في تنظيم القاعدة من المطاردين والمطلوبين للعدالة، إلى عالم الاستخبارات الدولية بكل ما يحفل به من حياة سرية تحت غطاء من التمويه والتخفي وتغيير الاسم والشخصية وحتى الملامح حين يحتاج الأمر، وكذلك التنقل بين الملاهي وعلب الليل برفقة الحسناوات الشقراوات اللواتي هن إحدى أدوات الإيقاع بالفريسة وجمع المعلومات وصيد المستهدفين.

لقاء مع أحد ضحايا ستورم
كنا في مكتبة بارنز آند نوبل أنا وناصر خضر، نتصفح كتاب ستورم حال صدوره بغلافه الأحمر اللافت على الرفوف الخاصة بالكتب الأكثر مبيعا. وناصر خضر هو الكاتب والمفكر الدانماركي من أصل سوري، والذي شغل كرسي عضو مجلس النواب الدانماركي لفترتين نيابيتين، وهو حاليا كبير الباحثين في شؤون الشرق الأوسط في معهد هادسن البحثي في واشنطن.

خضر من أعتى المدافعين عن الحريات المدنية، و له خط سياسي معروف في ضرورة استيعاب المسلمين في المجتمعات الأوروبية ودمجهم في ثقافة البلدان التي قرروا الهجرة إليها والحياة فيها. موقفه من المتطرفين الذي يصرح به دونما وجل أو تردد جعله هدفا لهم وقرروا التخلص منه.

أصدر ستورم فتوى بقتل مواطنه وابن بلده الدانماركي، النائب ناصر خضر، بدعوى أنه عدو الإسلام وخطر على المؤمنين، وأصبح رأسه مطلوبا لجماعة القاعدة. إلا أنه من حسن حظ خضر أن هذه الفتوى صدرت في المراحل الأخيرة من الحياة الجهادية لستورم، ولم يسمح الوقت للأخير بتنفيذ فتواه بعد أن خرج عن الجماعة ولجأ للعيش تحت حراسة مشددة من المخابرات الدانماركية خلال الفترة الانتقالية التي عاشها بين التكفير والتخابر.

الكتاب هو سيرة حياتين وهويتين وعالمين لرجل قرر أن يتحول من الراديكالية الدينية العنيفة إلى العمالة المخابراتية المزدوجة، بكل ما في هذه المعالم والعوالم من أسرار ومغامرات ومصائر مجهولة وموت أقرب من رفة العين

قال لي خضر ونحن نتصفح الكتاب مشيرا إلى صورة له جمعته في برنامج تلفزيوني مع ستورم وابنته، حيث قدم اعتذاره على الملأ لخضر عن الرعب الذي سببه له حين أطلق فتوى قتله. والمثير أن ابنة ستورم -وهي طفلة في العاشرة من عمرها- رسمت صورة بقلم الرصاص وأهدتها لخضر في البرنامج التلفزيوني تعبيرا عن الاعتذار لما سبب أبوها من قلق وذعر له ولعائلته حين كان هدفا لوالدها.

سألت خضر عن الرسالة التي وجهها لستورم في المناسبة فقال: هنأته على خروجه من وكر التطرف إلى شمس الحياة، بل لاختياره العمل الاستخباراتي في ملاحقة هؤلاء المتطرفين ومنع قيامهم بأي عمل إرهابي، وإجهاض الفرص التي يرسمونها لقتل المدنيين والأبرياء.

الكتاب الذي نعرض له هو سيرة حياتين وهويتين وعالمين لرجل قرر أن يتحول من الراديكالية الدينية العنيفة، إلى العمالة المخابراتية المزدوجة، بكل ما في هذه المعالم والعوالم من أسرار ومغامرات ومصائر مجهولة وموت أقرب من رفة العين يترصد لهذا العميل المزدوج والإرهابي التائب.

مورتن ستورم، مراد ستورم، أبو أسامة، أبو مجاهد؛ كلها أسماء لشخص واحد قدم حياته لنا بين دفتي كتاب حتى ندخل معه في مغامراته بين تخوم الموت والحياة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك