عرض/ أحمد فياض


يُبرز كتاب "الجرف الصامد.. تداعيات وعبر" المترجم عن العبرية أهمية المراجعات الإسرائيلية المستمرة لتصورات ومفاهيم الأمن الأساسية المتبلورة استنادا إلى تقديرات الأوضاع السياسية المحيطة وتعزيز القدرة على إحباط التهديدات الأمنية، خصوصا غير المتكافئة منها.

ويضم الكتاب خلاصة 26 بحثا أنجزها 31 من الخبراء الإستراتيجيين العسكريين ومحاضري جامعات وضباط احتياط في دولة الاحتلال، تشير في مجملها إلى أن المعركة التي وقعت في صيف العام 2014 على ساحة قطاع غزة والمسماة إسرائيليا حملة "الجرف الصامد"، تعتبر انعكاسا لما تشهده منطقة الشرق الأوسط وخارجها من تحولات، وتحاول وضع تصورات لسبل إدارة وإنهاء المواجهات المسلحة الناشبة بين دول وتنظيمات عسكرية.

وتظهر تلك الدراسات المعدة لصالح مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي -وهو أحد أهم مراكز البحوث الأمنية والإستراتيجية المشاركة في صنع القرار السياسي بإسرائيل- أن أهم تطور في المواجهات الأخيرة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط أو الساحة الدولية، نابع من كون غالبيتها العظمى مواجهات غير متكافئة بين قوات نظامية تابعة لدولة ما وبين قوات تنظيم ليس دولة ولكنه يمتلك قدرات عسكرية ويسيطر على مناطق.

-العنوان: الجرف الصامد.. تداعيات وعبر
-إعداد/ عنات كورتس وشلومو بروم
-ترجمة ونشر: مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية
-عدد الصفحات: 214
-الطبعة: الأولى 2015

كما يربط الكتاب بين ظروف وجود وسيطرة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على قطاع غزة وبين التنظيمات الإسلامية "المتطرفة" في البلدان العربية، مقدما تصورا لتحالف يضم ما يسميه محور الاعتدال العربي (مصر والأردن والسعودية والإمارات) مع إسرائيل وأميركا والغرب، بهدف التعاون الاستخباري وغيره من أجل التصدي لهذه التنظيمات التي يصفها بالإرهابية.

ويُعتبر الكتاب الذي سطر خاتمته مدير المركز الجنرال المتقاعد عاموس يدلين الذي تقلب بين العديد من المناصب الإستراتيجية، وشارك في صناعة أخطر القرارات السياسية وغير السياسية الخاصة بدولة الاحتلال، ذا أهمية بالغة للقارئ العربي والفلسطيني لما يقدمه من طرح يعكس طبيعة التوجه الإسرائيلي المستقبلي على المستويين السياسي والأمني، وفهم أبعاد محاولة تبرير ما اقترفه في غزة من أجل إسقاطه على الواقع العربي.

ويركز الكتاب على أهمية تعقب الفرص السياسية في تقليص فرص تواصل التهديدات، ويقدم في هذا المضمار تصورا لآليات الحفاظ على التوازن بين استمرار الانقسام الفلسطيني، وتوظيف الإعمار كرافعة تخدم المصالح الإسرائيلية، وذلك استنادا إلى التداعيات والعبر المستخلصة من العدوان الأخير وغيره من الحملات العدوانية السابقة.

كما يناقش مجموعة من المواضيع ويجيب على العديد من التساؤلات الإستراتيجية والتكتيكية التي رافقت العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ويسلط الضوء على الإستراتيجية الإسرائيلية فيما يتعلق بالتعامل مع السلطة الفلسطينية وحكومة الوفاق الوطني وحركة حماس وفصائل المقاومة في القطاع.

ويحاول الباحثون عبر دراساتهم الإجابة عن مجموعة من التساؤلات بخصوص الحرب وتداعياتها، ومن أبرزها:

- لماذا يبدو أن حماس والفصائل نجحت في استخلاص العبر من الجولات السابقة بينما فشلت إسرائيل في ذلك؟ وهل كانت الأطراف معنية بالمواجهة؟ وهل كان يمكن تفاديها؟

- هل سبب إصرار حماس على مواصلة القتال نابع من فشلها في تحقيق أي إنجاز تعرضه على جمهورها يبرر أهداف الحرب؟ ولماذا فشلت إسرائيل في دق إسفين بين حماس والجمهور الغزي؟

- هل كان خوف نتنياهو من الخضوع والجلوس للتفاوض مع الفلسطينيين وقصر نظره السياسي والإستراتيجي هو الذي منعه من استغلال الفرصة الذهبية لخلق تحالف وتعاون إقليمي واسع؟
- ما حقيقة الدور الإيراني والمصري؟

الكتاب يركز على أهمية تعقب الفرص السياسية في تقليص فرص تواصل التهديدات، ويقدم في هذا المضمار تصورا لآليات الحفاظ على التوازن بين استمرار الانقسام الفلسطيني، وتوظيف الإعمار كرافعة تخدم المصالح الإسرائيلية
- هل كان يجب تشكيل لجنة تحقيق على الأقل في موضوع الأنفاق؟ كيف تحولت مستوطنات غلاف غزة إلى عبء أمني؟ كيف تسعى إسرائيل لتوظيف إعادة الإعمار لإعادة تشكيل منظومة تعاون إقليمية؟

- كيف سيخدم هدف نزع السلاح المصالح الإسرائيلية؟ وإلى مدى يمكن تحقيق هذا الهدف؟ ما تأثير البعد الاقتصادي للحرب على الموازنة الإسرائيلية؟ وكيف لمشروع اقتصادي أن يشكل رافعة لحل النزاع؟ هل تغيَّرَ وتآكلَ مفهوم الردع إثر الحرب؟ وهل وفرت القبة الحديدية وضعا مريحا لصانع السياسية في إسرائيل؟ كيف أثَّر التضخيم الإعلامي للمعركة على روح الصمود لدى المجتمع الإسرائيلي؟

ويضم الكتاب أربعة مباحث: يحمل أولها عنوان "نظرة إستراتيجية عسكرية للحرب الأخيرة على غزة"، ويتكون من 11 بحثا خصصت جميعها للمواضيع المرتبطة مباشرة بالمعركة العسكرية، وطريقة التعاطي معها، والعبر المستخلصة وسبل الاستفادة منها في المعارك المستقبلية.

وتتطرق مواضيع هذا المبحث أيضا إلى تحديات مواجهة تنظيمات ليست سياسية، وطمس شخصية المنتصر في المواجهات غير المتكافئة وخطوط التغيير، ولا سيما العسكرية منها. كما يتناول جولات المواجهة بين إسرائيل وحماس في غزة، وفعالية منظومة الدفاع الإسرائيلية "القبة الحديدية" في وجه قذائف وصواريخ المقاومة، ومعضلة الأنفاق على الحدود الشرقية للقطاع.

كما يتطرق هذا المبحث -وهو أطول مباحث الكتاب- إلى ساحة حرب الإنترنت أثناء المعركة، والنظرة القانونية للعمليات العسكرية ومسألة نزع سلاح قطاع غزة، ويختتم بدراسة تتناول توازن الردع بين حماس وإسرائيل، ومدى الحاجة إلى تصور متجدد لمفهوم الردع.

وينتقل الكتاب في المبحث الثاني إلى تركيز الحديث عن "إسرائيل والساحة الفلسطينية من خلال أربع دراسات ناقشت المعركة كخلفية للتغيير في منظومة العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين، وميزان القوى على الساحة الفلسطينية نفسها، وتوجه حماس نحو تطوير نفسها في أعقاب الحرب، والرأي العام في قطاع غزة والعالم العربي على خلفية المعركة ووفق الجدل القائم على مواقع التواصل الاجتماعي.

وينفرد المبحث الثالث بتناول "الساحة الإسرائيلية" ضمن خمس دراسات تناقش الساحة المدنية أثناء المعركة والرأي العام الإسرائيلي، وتأثيرات المعركة على العلاقات بين اليهود والعرب الفلسطينيين داخل إسرائيل، والمغزى الاقتصادي، ومعنى ودور الاستيطان المدني في منطقة غلاف غزة.

أما المبحث الرابع فيختص بملف "الساحة الإقليمية والعالمية" ويتكون من ست دراسات تطرقت إلى الفهم الإقليمي كمفتاح لتفاهم إسرائيلي فلسطيني، وتَدخّل الدول العربية في المعركة، والحرب ذاتها كاختبار مرت به العلاقات الإسرائيلية المصرية بنجاح، والحرب كخلفية لمزيد من التدهور في العلاقات الإسرائيلية التركية، ودور الولايات المتحدة في جهود التوصل إلى إنهاء الحرب، وبشكل ما تصاعد معضلة عملية نزع الشرعية عن إسرائيل على خلفية القتال.

ويعقب المبحث الرابع دراسة لرئيس المركز عاموس يدلين خصصها لتشريح الميزان الإستراتيجي للمعركة، وللتوصيات السياسية التي تشتمل على تصور يسهم في تحسين أداء إسرائيل في مواجهة التحديات الأمنية المرتقبة على المديين القريب والبعيد، وللمعضلات السياسية والدبلوماسية الكامنة فيها.

من استخلاصات الكتاب أن حماس ليست التهديد المركزي لإسرائيل، بل إيران الموشكة على امتلاك القنبلة النووية، بينما يمثل حزب الله اللبناني التهديد العسكري الثاني

ويغص الكتاب بالكثير من الاستخلاصات المهمة التي لا يتسع المقام لسردها كاملة، ونورد هنا بعضا منها لتبيان أهمية الكتاب وما يحمله من معلومات قيمة:

- أن حماس في قطاع غزة ليست هي التهديد المركزي لدولة إسرائيل وأمنها، بل إيران الموجودة على الحافة النووية مع القدرة الوشيكة على امتلاك القنبلة النووية، بينما يمثل حزب الله التهديد العسكري الثاني من حيث خطورته. أما سوريا -ورغم الحرب الأهلية- فهي أيضا تهديد بحجم كبير وحقيقي أكثر من حماس.

- أنه ليس هناك وجود لمبادئ حربية ثابتة في عصر المتغيرات الجذرية والمتغيرات السريعة الحاصلة في الصراعات، والنجاح في المعارك غير المتكافئة هو ثمرة نتيجة السباق في التعلم والقدرة على التأقلم والانسجام مع الظروف المتغيرة، وهو ما استخلصته حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى وطبقته أكثر من إسرائيل في جولات المعارك السابقة، وأثبتت قدرة عالية على التعلم في غضون الحرب في المجالات التالية: المبادرة بالمعركة، وسحب ميزة المفاجأة من إسرائيل.

- أن أحد أهم أهداف الدولة التي تحارب منظمة هو دق إسفين بين المنظمة وجمهور مؤيديها الذين تعمل لأجلهم ومن خلالهم. وبالنسبة لحماس والرأي العام الغزي، فإن المعركة كانت سلبية، فالجمهور سئم من المعركة ولم يتحملها، ومع ذلك تعذر على إسرائيل خلق قطيعة بين حماس والرأي العام في القطاع بسبب الإصابات الكثيرة في صفوف الأبرياء، الأمر الذي أدى إلى زيادة تأييد الجمهور الفلسطيني لمقاومة حماس، ورسخ حقيقة أن إسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة.

- على إسرائيل في حال دخولها في مواجهة عسكرية إضافية مع جيوش عصابات كحماس والجهاد على جبهة الجنوب أو على الجبهة الشمالية مع حزب الله، أن تستخلص العبر العسكرية من الحملات السابقة والمحلية، وعليها أن تزيد من قوتها الدفاعية والهجومية سويا، وذلك بالتوازي مع الإسراع في تقديم مبادرة سياسية مع الفلسطينيين.

- مسألة نزع سلاح غزة هدف تسعى له حكومة إسرائيل، لكن ذلك لا يمكن تحقيقه على المدى القصير الفوري، ولتحقيقه كاملا يجب على إسرائيل وبمساعدة مصر -"المحور المعتدل" في العالم العربي- وضع الأمور المطلوبة على طريق النزع (ما بين إمكانية النزع الكامل وعدمه)، والتحلي بالصبر والإصرار والتفهم الإستراتيجي المطلوب لتأمين التقدم في هذا المجال.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك