عرض/عبد الغني المقرمي
تعد القضية الجنوبية من أكثر القضايا السياسية إثارة في راهن المشهد السياسي في اليمن، لما لها من خلفيات معقدة ومتشابكة، يتقاطع فيها الحقوقي والسياسي، الجغرافي والتاريخي، الفكري والاجتماعي.

وقد ذهبت بعض الأطروحات السياسية إلى أبعد من ذلك، حين اعتبرت حل القضية الجنوبية مفتاحا لحل القضية الوطنية في اليمن، لما لها من وشائج مرتبطة بكافة تجليات الأزمة الراهنة التي عصفت باليمن منذ 2011، ومن هنا تعدد التناول الذي يحاول رصد هذه القضية في أبعادها المختلفة، وكان آخر ذلك صدور كتاب (القضية الجنوبية: رؤية سياسية تاريخية- مساهمة في نقد السياسة والواقع) للكاتب قادري أحمد حيدر، نهاية العام الماضي.

والمؤلف هو باحث يساري مطلع، وكاتب معروف، أصدر أكثر من عشرة كتب في الفكر والسياسية، مكنه عمله في الصحافة من متابعة تطورات القضية الجنوبية عن كثب، غير أن رؤيته لهذه القضية نضجت وتوسعت آفاقها من خلال عمله لما يقارب العام عضوا في فريق "القضية الجنوبية" في مؤتمر الحوار الوطني في اليمن الذي أنهى أعماله يوم 25 يناير/كانون الثاني 2014.

-العنوان: القضية الجنوبية: رؤية سياسية- تاريخية (مساهمة في نقد السياسة والواقع)
-اسم المؤلف: قادري أحمد حيدر
-الناشر: الهيئة العامة للكتاب- صنعاء
-عدد الصفحات: 283 صفحة
-الطبعة: الأولى، 2014

وقد أتاحت له مداولات هذا المؤتمر استقاء المعلومات مكتملة وموثوقة، ورصد الوقائع من زوايا مختلفة، والوقوف على أسئلة هذه القضية التي حاول في كتابه هذا أن يقدم إجابات موضوعية عنها.

قضية الجنوب والقضية الجنوبية
حاول المؤلف في الفصلين الأول والثاني من هذا الكتاب الوقوف على مفهوم القضية الجنوبية، بأبعادها السياسية والوطنية، والحقوقية، مستندا إلى السرد التاريخي، بهدف إزالة اللبس الناتج عن الخلط بين مفهومين يترددان كثيرا في الجدل السياسي المحتدم حاليا حول هذه القضية، وهما مصطلحا: "قضية الجنوب" و"القضية الجنوبية"، فالأول يشير -بحسب المؤلف- إلى التراكمات التاريخية والسياسية التي بدأت باحتلال بريطانيا عدن عام 1839، وانتهت بظهور حركات التحرر الوطني في الجنوب التي أنجزت ثورة 14 أكتوبر/تشرين الأول 1963، ويوم الاستقلال في الثلاثين من نوفمبر/تشرين الثاني 1967.

أما "القضية الجنوبية" فهي الحالة السياسية التي أفرزتها حرب صيف 1994 على الجنوب، والتي أدت إلى نتائج كارثية على اليمن عموما، وعلى الجنوب منه خصوصا، وبالتالي فإن هذه الحرب التي خرجت من بين غبارها أصوات تنادي بفصل جنوب اليمن عن شماله بعد أربع سنوات من تحقيق الوحدة اليمنية هي الشرخ الذي أدى إلى إرساء قيم مغايرة لمفهوم الوحدة، كإلغاء الشراكة، وانعدام المواطنة المتساوية، وتعميق الفواصل، ووضع ذاكرة الجنوب السياسية والكفاحية قيد الغنيمة المنظمة والممنهجة، ليصبح الاحتفاء بذكرى هذه الحرب -بحسب المؤلف- انتكاسة ثقافية واجتماعية ووطنية كبرى.

ويشير المؤلف إلى ظهور مصطلح ثالث هو "الحراك الجنوبي"، الذي بدأ يوم السابع من يوليو/تموز 2007، كحركة سلمية مطلبية بحتة، قادتها الحركة الاجتماعية المتضررة من نتائج حرب 1994، وانضوى تحت لوائها الشباب العاطلون، والضباط المتقاعدون، والمبعدون من أعمالهم بشكل قسري. وقد أدى التعامل الأمني المفرط مع هذه الحركة إلى تحويلها إلى كيان سياسي، أنجز في رأي المؤلف مهاما كثيرة، منها: كسر حاجز الخوف، وخلق تحالفات واسعة، ورفع مستوى الوعي، وتأسيس التغيير السلمي، وتوسيع المجال السياسي.

جنوب اليمن وشماله يشكلان في توحدهما الهوية الوطنية الجامعة التي باتت تعني: جنوبا قويا ومتماسكا وموحدا، وشمالا قويا ومتماسكا وموحدا

وفي الفصل الثالث، حاول المؤلف أن يقدم إلمامة تاريخية موجزة، مشيرا فيها إلى أهم المحطات السياسية في تاريخ "قضية الجنوب"، ليؤكد من خلال قراءة هذه المراحل مسألة المغايرة والاختلاف التي أشار إليها في الفصلين السابقين بين "قضية الجنوب"، و"القضية الجنوبية".

القضية الجنوبية ومؤتمر الحوار
يمكن القول إن الفصل الرابع يعد أهم فصول الكتاب، لأنه يطرح أسئلة القضية الجنوبية في إطار مفاهيمي سياسي، نافيا أن يكون الجنوب جزءا من الشمال، وِفقا لأيديولوجية الفرع والأصل، مؤكدا أن الجنوب والشمال معا يشكلان في توحدهما الهوية الوطنية الجامعة لهما، وبالتالي فإن الوحدة اليوم باتت تعني: جنوبا قويا ومتماسكا وموحدا، وشمالا قويا ومتماسكا وموحدا.

ويخلص المؤلف من هذه المعادلة إلى طرح رؤيته للأقاليم التي ينبغي أن يكون عليها التقسيم الإداري لليمن، متبنيا في ذلك رؤية الحزب الاشتراكي اليمني الذي ينتمي إليه، وهي الرؤية التي تقوم على قاعدة دولة اتحادية من إقليمين: إقليم يضم كل محافظات الشمال، وآخر يضم كل محافظات الجنوب، ويعلل المؤلف خيار الإقليمين بأنه نابع من الحرص على استعادة روح الثقة بين الشمال والجنوب.

وعدّد 15 سببا مانعا لخيار الأقاليم الستة الذي تبناه مؤتمر الحوار الوطني، أهمها: أن هذا التقسيم مخالف لمحتوى وثيقة الحلول للقضية الجنوبية، كما أنه أعاد إنتاج تقسيم الجنوب، وتفكيك الشمال، وهو إلى ذلك خيار غير واقعي، ولا يمتلك شروط تحققه، ويحتاج إلى دولة قوية لتنفيذه، كما أن هناك محافظات في الشمال خارج سيطرة الدولة.

رغم من أن رؤية المؤلف تخالف ما صدر عن مؤتمر الحوار الوطني فإنه أشاد بمؤتمر الحوار إشادة كبيرة لأنه حسب رأيه "وضع القضية الجنوبية في مسارها، وسياقِها الواقعي"
ويشير المؤلف إلى أن من يعارضون فكرة الإقليمين ينطلقون في معارضتهم من أحد أمرين: إما الخوف من أن يكون ضم محافظات الجنوب في إقليم، ومحافظات الشمال في إقليم آخر مقدمة للانفصال، وإما أن تكون هذه المعارضة آتية من قوى تقليدية ترفض بناء الدولة الحديثة، متسترة خلف معارضتها هذه الرؤية.

وعلى الرغم من أن رؤية المؤلف هذه تخالف ما خرج عن مؤتمر الحوار الوطني الذي أقر ستة أقاليم اتحادية: اثنين للمحافظات الجنوبية، وأربعة للمحافظات الشمالية، فإن المؤلف يشيد بمؤتمر الحوار إشادة كبيرة، لأنه -حسب رأيه- "وضع القضية الجنوبية في مسارها، وسياقِها الواقعي، وأكد أهميتها ومحوريتها".

ودعا إلى التعاطي الإيجابي والمسؤول مع هذه القضية باعتبارها قضية سياسية ملحة، بحاجة إلى حلول: سريعة، ومتوسطة، وأخرى بعيدة المدى، محذرا من أن تجاهلها ومحاولات تغييبها عن دوائر الاهتمام والمعالجة سيفضي إلى مدارات مجهولة، قد لا تكون معها وبعدها الحلول في أيدي اليمنيين.

ورغم سعي المؤلف الحثيث في فصول الكتاب المذكورة إلى استقصاء تفاصيل "القضية الجنوبية" بتجلياتها وأبعادها المختلفة، ومحاولته استشراف مآلاتها المختلفة طبقا لنوع التعاطي معها، فإن تطورات المشهد السياسي السريعة والمفاجئة في اليمن اليوم تجعل الرؤية ملفعة بضبابية الترقب والتوجس، لا في القضية الجنوبية وحدها، وإنما في عموم القضايا الوطنية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك