عرض/فهمي شراب
جاءت نصوص هذا الكتاب بشواهدها ورواياتها واقعية عفوية، مقنعة ومؤثرة، ومن وحي التجربة المعيشة والمباشرة لحرب عام 2014، أو ما سُمي بمعركة العصف المأكول، للمؤلف د. محمد عمر المغير، الذي آثر البقاء في غزة في تلك الأيام العصيبة (51 يوما) ليدون أخطر الاعتداءات وروايات الناس تحت هول القصف وكثافة النيران، وهو القادر بجنسيته الهولندية على الخروج من أول يوم بأمان خارج غزة.

وقد علق المفكر والكاتب الأميركي "ناعوم شومسكي" بأن المؤلف د. المغير كان بإمكانه الهروب من الخطر الوشيك والعيش بأمان خارج غزة، ولكنه صمم أن يضعنا أمام ضمائرنا، وأن يجعلنا نعمل فكرنا كأميركيين في دعمنا دولة "إسرائيل" بالمال والسلاح والدبلوماسية، ونخرج بتساؤلات منها: كيف يتم باسمنا ارتكاب كل هذه الجرائم الإسرائيلية؟ وما هو المطلوب لوقف ذلك؟

أهمية الكتاب
الكتاب بلغته الإنجليزية يسجل المشاهد والجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين خلال حرب العصف المأكول (2014) في عمل مُنظم هو الأول من نوعه، ويعد انتصارا للرواية الفلسطينية على الرواية الإسرائيلية، حيث يخاطب الغرب بعقليتهم وباللسان الذي يفهمه الرجل الغربي. فهو يؤكد بأن الشعب في غزة يعشق الحياة ولا ينشد الموت إلا في سبيل الدفاع عن كرامته وحريته والذود عن حياض أهله وعرضه.

-العنوان: من هول القصف
-المؤلف: د. محمد عمر المغير
الناشر: نيويورك، لندن
OR books
-عدد الصفحات: 301
الطبعة: الأولى، 2015

وقد مزج الكاتب بين مهارات الصحفي المبدع ورؤية السياسي الوطني، واستطاع أن يتخذ من السرد المونودرامي طريقا ليمرر الأفكار والمواقف الصحيحة وينتصر للرواية الفلسطينية، ويكسر الاحتكار الحصري للرواية الإسرائيلية.

وقد وصل هذا الكتاب في زمن قياسي لأكثر من 51 دولة ولقلب أبعد الحواضر الأوروبية، وإلى الهند وجنوب أفريقيا، ويشيد الكاتب البروفيسور الفلسطيني الأميركي رشيد خالدي بالمؤلف معتبرا أن ما فعله الكاتب هو "أكثر من مجرد إرسال معلومات من منطقة حرب، فهو ترجم باقتدار صور معاناة الناس الناجية لتوها من الموت".

ضرورة التوثيق
يدرك الكاتب مسبقا أن عملية إنفاذ القانون وإيقاع العقوبات على "إسرائيل" المعتدية ما زالت غير متاحة في ضوء ضعف القانون الدولي وأدوات تنفيذه من جهة، ومن جهة أخرى سياسة النفاق والكيل بمكيالين التي يتسم بها أعضاء ومكونات المجتمع الدولي وتبعيتهم للولايات المتحدة.

ولكنه يسجل مطمئنا ضمن محاولته البحثية التأصيلية بأن هذه الشهادات والأدلة التي يؤرشفها سيأتي حتما يوم تتحرر فيه من متن النصوص وتجد طريقها للمحاكم وللرأي العام، وقد يكون ذلك قريبا في ضوء تغير موازين القوى وصعود قوى أخرى ليست كالولايات المتحدة المنحازة بشكل أعمى لــ"إسرائيل" والتي يسيطر عليها اللوبي الإسرائيلي ويقودها إلى نهاية غير سعيدة.

وجاءت عملية التوثيق وتسجيل الجرائم الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني في ظروف فرضت فيها إسرائيل قيودا على المراسل العسكري وحرية الصحافة الإسرائيلية، وحظرت وجود الصحفيين بالقرب من خطوط التماس وأرض المعركة، ليكشف زيف ادعاء إسرائيل عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وأنها في لحظة تتحول إلى ثكنة عسكرية مغلقة. وأنها منعت الفلسطينيين من استخدام "حق الفرار" الذي كفله "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان".

يرى المفكر ناعوم شومسكي أن المؤلف د. المغير كان بإمكانه الهروب من الخطر الوشيك والعيش بأمان خارج غزة، ولكنه صمم أن يضعنا أمام ضمائرنا، وأن يجعلنا نعمل فكرنا كأميركيين في دعمنا دولة "إسرائيل" ونخرج بتساؤلات منها: كيف يتم باسمنا ارتكاب كل هذه الجرائم الإسرائيلية؟ وما هو المطلوب لوقف ذلك؟

ويستعرض الكاتب كيف كانت غزة ملجأ آمنا للفارين من حملات التطهير العرقي الإسرائيلي عام 1948 التي مارستها عصابات الأرجون وشتيرن الصهيونية، واليوم تتكرر هذه المشاهد في غزة ولكن في ظل الحصار المفروض ظلما على قطاع غزة منذ عام 2007.

جاذبية الرواية
ضمن سلسلة مقالات متصلة ومترابطة، يقدم الكاتب فكرة فريدة من نوعها حين يبرز قدرة الفلسطيني الأعزل والضعيف وهو ينتصر على الإسرائيلي المسلح والقوي في معركة الصمود والبقاء، وبأن الشعب الفلسطيني يقدم أسمى آيات الصمود ومواصلة الحياة برغم انبعاث روائح الموت من كل مكان، فالشعب يرنو للأمل ويؤمن بأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة، ولا يفوت الكاتب أن الحديث وحده عن الموت يعتبر ثقافة لا يستسيغها مزاج الرجل الغربي، لذا مزج بين الألم والابتسامة والجرح والشفاء والموت والحياة.

فتحت إضاءة بعنوان "أجسامنا غادرت ولكن أرواحنا بقيت" جاء أنه: استشهد شباب على شاطئ بحر مدينة خان يونس، كانوا يستمتعون بمشاهدة مباراة بكأس العالم لكرة القدم، فباغتتهم الصواريخ الإسرائيلية وحولتهم إلى أشلاء ليرحلوا إلى العالم الآخر دون أن يعرفوا نتيجة المباراة!

يبرز الكاتب الجوانب الحياتية الإنسانية للشعب الفلسطيني، تلك الروايات التي تحاول الماكينة الإعلامية الإسرائيلية العنصرية إخفاءها والتعتيم عليها، ويحدوه الأمل أن تساهم كلماته في خصم رصيد أكبر من "إسرائيل" وإضاءة الضمير الإنساني، فيستعرض ظروف معاناة رجل له ستة أبناء وزوجة لا يعلم أين يذهب بعد أن سُوي بيته بالأرض تماما، وأين يمكن أن يجد مكانا آمنا، ويتحدث عن تشرد عشرات الآلاف بعد أن فقدوا منازلهم ولم يجدوا حتى الوقت لاستنقاذ ما يمكن استنقاذه، إلا أسمالا بالية متمزقة من هول القصف، وهم لا يملكون أي مال لاستئجار مكان للإقامة أو قوت يومهم.

ويتحدث الكاتب عن جامعته التي قضى بها أجمل فترة حياته الطلابية والتي أصبحت بين عشية وضحاها أثرا بعد عين بعد أن أصابتها صواريخ الغدر الإسرائيلية.

وبينما ذهبت كثير من وسائل الإعلام الغربية المتحيزة للفكرة الإسرائيلية المقتنعة بأن إسرائيل تدافع عن وجودها، في محاولة منها لتزييف الروايات الحقيقية بشكل يثير الغثيان، يتقدم الكاتب بكل روعة واقتدار ليقدم صورة ملونة بطريقة سرده المونودرامية الفذة والعبقرية، حيث يكتب: فنحن لا نملك جيشا، ولا سلاح طيران، ولا سلاحا نوويا، ولم نُقِم حواجز على الطرق ولم نجرف البيوت الإسرائيلية، لم نعطل أعمالهم أو نسجنهم ونسجن أطفالهم، لا نبني جدرانا حول قراهم، لم نجتث محاصيلهم أو نقتطع من الضرائب كما يفعلون هم معنا.

وصل الكتاب في زمن قياسي لأكثر من 51 دولة ولقلب أبعد الحواضر الأوروبية، وإلى الهند وجنوب أفريقيا. ويشيد الكاتب البروفيسور الفلسطيني الأميركي رشيد خالدي بالكتاب معتبرا أن ما فعله الكاتب هو "أكثر من مجرد إرسال معلومات من منطقة حرب، فهو ترجم باقتدار صور معاناة الناس الناجية لتوها من الموت"

يحاول الكاتب تحريك مشاعر النخب السياسية لكسب تضامن أكبر مع غزة وجلب تعاطف أكبر وتفهم للمظلومية الفلسطينية، فيؤكد أن "إسرائيل" والولايات المتحدة تحول دون إتمام المصالحة الفلسطينية بالضغط على السلطة الفلسطينية وابتزازها اقتصاديا، وعدم تحويل عوائد الضرائب إليها.

أيضا نحن لم نقلل السعرات الحرارية اللازمة للبقاء على قيد الحياة، لا نمنعهم من الذهاب إلى المدرسة أو التعليم، لا نقطع المياه عنهم أو نلوثها، لا نطلق النيران تجاه صياديهم أو نترك مرضاهم يموتون على الحواجز. هم يفعلون بنا كل ذلك منذ عقود ولا يريدوننا حتى أن ندافع عن أنفسنا.

لا يغفل الكاتب الجوانب النفسية التي أصابت المجتمع الفلسطيني، فبعد أن وضعت الحرب أوزارها اتضح أنه سقط أكثر من 2200 شهيد وأكثر من عشرة آلاف جريح، منهم 530 طفلا و302 امرأة، و23 من الطواقم الطبية، واتضحت الأرقام الكبيرة للأطفال الذين يعانون مشاكل نفسية وجسدية، والذين ما زالوا أيضا تحت حصار يزداد قسوة، إضافة إلى حرمان هذه الأرقام الكبيرة من تلقي العلاج بسبب استمرار هذا الحصار. فالاحتلال يهدف لإجبارنا -بملء إرادتنا- على ترك أوطاننا وأعمالنا وأهلنا وبيوتنا.

استهداف الصحافة ومقراتها
يتساءل الكاتب: متى يقوم الغرب بقداسه حول الديمقراطية، ووجوديته المرتبطة بحقوق الإنسان بأخذ إجراء من شأنه ردم الهوة بين ادعاءاته وبين حجم الظلم الواقع علينا، ألم يسمع الغرب بالهجوم الدموي على قطاع غزة؟ فقد كان عام 2014 الأسوأ على الصحافة الفلسطينية حيث استشهد 18 وأصيب 77 وتم اعتقال 32 في مخالفة صريحة لكافة المواثيق والأعراف الدولية، كما تم قصف مقرات الصحفيين واستخدامهم دروعا بشرية والتنكيل بهم.

يشير أيضا إلى أن حرب 2014 كشفت بعض الجوانب المضيئة ومنها روح التآخي المتجذرة بين المسيحيين والمسلمين في غزة، حيث فتحت الأديرة والكنائس أبوابها لكل فلسطيني فقد بيته أو لم يجد مكانا آمنا، وبرغم ذلك قصفت مدافع وطائرات الاحتلال هذه الكنائس لتهدم المعابد على سدنتها، كما جاء للدنيا 5300 مولود جديد في غزة فترة الحرب، ليبعثوا الأمل بأن الفلسطيني يشبه طائر العنقاء الذي ينتفض من وسط الركام بعد أن يظن الجميع بأنه أبيد وفارق الحياة.

كما أن حركة المقاطعة BDS بسلميتها ونشاطها عملت على خصم جزء كبير من رصيد شرعية وصورة إسرائيل في الغرب وما زالت تفعل بقوة، وتكسب مزيدا من الرأي العام الغربي، وعامل الوقت يسير في مصلحة العرب والفلسطينيين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك