عرض/نبيل شبيب

علاوة على تخصصه في العلوم السياسية والتاريخ، وشهرته بإنتاج أفلام التلفزة الوثائقية، يعدّ المؤلف هوبرت سايبل الحاصل على جوائز إعلامية عديدة، في مقدمة خبراء ألمانيا في الشأن الروسي عموما وفلاديمير بوتين تحديدا.

ومن أسباب خبرته هذه أنه تجاوز سائر أقرانه بعدد لقاءاته مع الرئيس الروسي ومرافقته في رحلاته، علاوة على لقاءات إعلامية عديدة مع المقربين من بوتين، ومع خصومه في روسيا على السواء؛ وهذا ما ينعكس في كتابه حول "بوتين" ويعطيه قيمة خاصة في المكتبة الألمانية، في بلد يعد من مفاتيح صناعة السياسات الغربية تجاه روسيا.

وقد أدى أسلوبه في شرح سياسات بوتين إلى وصمه بأنه "يتفهم" ما يصنع، ويدافع المؤلف عن نفسه، كما كان في مقابلة إذاعية يوم 2/12/2015، قائلا "إن السياسة هي التعامل مع المصالح، ولا يتحقق ذلك دون معرفة مصالح الطرف الآخر كما يراها هو".

-العنوان: بوتين.. مشاهد من داخل السلطة
-المؤلف: هوبرت سايبل
-عدد الصفحات: ٣٨٦
-الطبعة: الأولى، 2015
-الناشر: دار نشر هوفمان وكامب في هامبورغ

أما القول إنه يتفهم بوتين فهذه إهانة، إذ القصد هو وضعه على مقربة من ذلك الديكتاتور، كما قال، ومن الواضح أن الكاتب يقدر ازدياد صعوبة شرح سياسات بوتين بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا، ثم الأزمة مع تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي، بسبب إسقاط طائرة سوخوي المقاتلة، علما بأن كتابه هذا صدر قبل تلك التطورات بفترة وجيزة، في أجواء العلاقات الروسية-الغربية على خلفية أزمة أوكرانيا.

المطلوب -حسب المؤلف- هو الخروج من أسلوب المقولات التعميمية في تفسير السياسات والتصرفات الروسية، والسعي لفهمها موضوعيا ليمكن التعامل الأفضل معها، ومن ذلك الاعتراض على القول عموما إن كل ما يصنعه بوتين يصدر عن التطلع إلى دور روسي بارز على المسرح الدولي.

فيتساءل المؤلف: ألا ينبغي النظر في السياسات الروسية بوصفها ردود فعل على السياسات التوسعية الأطلسية والأوروبية شرقا، وهي متناقضة مع ما توافق عليه الشرق والغرب مع نهاية الحرب الباردة في تسعينيات القرن الميلادي العشرين.

ويستشهد سايبل على ذلك بالتعامل مع الأزمة الأوكرانية، ويمكن تطبيق الصيغة نفسها بشأن تعامل الغرب مع السياسات الروسية في قضية سوريا، لا سيما أن نشر الكتاب في أكتوبر/تشرين الأول ٢٠١٥م تزامن مع الغزو الجوي الروسي لسوريا، وإن لم تتخذ قضية سوريا في الكتاب حيزا كبيرا، فورد ذكرها في نطاق الأمثلة والاستشهادات أيضا، لا سيما في الفصل الـ18 من أصل ٢١ فصلا.

هذا مع ملاحظة أن المؤلف معروف بإعداده أول تقرير مصور مفصل في القناة الأولى للتلفزة الألمانية حول سوريا عام ٢٠١٣، وكان بعنوان "الفخ السوري"، مشيرا بذلك إلى المشاركة الألمانية في نشر صواريخ "باتريوت" على الحدود التركية السورية آنذاك.

دفاعا عن بوتين؟

المطلوب هو الخروج من أسلوب المقولات التعميمية في تفسير السياسات والتصرفات الروسية، والسعي لفهمها موضوعيا، ومن ذلك الاعتراض على القول إن كل ما يصنعه بوتين يصدر عن التطلع إلى دور روسي بارز على المسرح الدولي
يمكن للوهلة الأولى القول إن الكاتب "يدافع" عن سياسات بوتين، ولكن ما يظهر من خلال القراءة المتعمقة أنه يؤكد أهمية فهمها وتفسيرها بشكل أدق، وعدم الاكتفاء بتصوير روسيا بأنها "مملكة الشر" مقابل "دول الخير" الغربية، كما يقول الكاتب في المقدمة. بل هي سياسات وسياسات مضادة من الجانبين، كما تطرح الأمثلة الواردة في فصول الكتاب، وأولها توجيه أصابع الاتهام فورا إلى موسكو عند إسقاط طائرة الركاب الماليزية في سماء أوكرانيا.

وينقض الكاتب في الفصل الثالث الحديث عن "قواعد جديدة" في اللعبة السياسية الدولية، فهي في واقعها "دون قواعد"، بعد أن أصبحت "الزعامة الانفرادية الأميركية" بمنزلة "عقيدة" ثابتة تنطلق منها السياسات الغربية، وإلا كيف يبرر الغرب بزعامته الأميركية لنفسه استخدام القوة كما كان في العراق وليبيا -بنتائج كارثية- مقابل اعتراضه على التحرك الروسي في شبه جزيرة القرم.

الحصيلة هي أن سياسات بوتين تبرر نفسها بأسلوب مماثل للسياسات الغربية، وبالتالي لا يفيد التعامل مع بوتين بالاتهامات المسبقة والمقاطعة والضغوط، كما يؤخذ من الحديث عن تطور العلاقات بين بوتين وميركل في الفصل الثاني، وعن أزمة الدرع الصاروخي الأميركي في الفصل الرابع، وكذلك عن تعامل بوتين مع احتجاجات المعارضة عام ٢٠١٢م مقابل التصريحات الرسمية الأميركية حول الدعم المالي للمعارضة عبر منظمات المجتمع المدني، وهو ما يفصل فيه الفصلان الخامس والثامن.

رؤى دينية وأخلاقية في سياسة بوتين
على أن استيعاب الصورة الحقيقية لسياسات بوتين تتطلب الحديث عن جذورها ومساراتها بغض النظر عن هذه المقارنات، ونلفت النظر هنا إلى أن الكاتب يشرع في ذلك بالحديث عن نهوض الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية مجددا كقوة سياسية في موسكو، وهو ما أعطاه عنوان "السلطة وثمنها أو الكنيسة والدولة" في الفصل السادس.

ويستشهد بحديث بوتين عن نفسه، وكيف أقدمت أمه على "تعميده" خفية عن أبيه الشيوعي المتشدد، وحديثه عن لقاءاته مع كبار الزعماء الكنسيين كما كان في نيويورك، وقوله أيضا "لولا الارتباط مع الخبرات التاريخية والدينية لم يكن لنا تميزنا القومي الروسي، إن وحدة الكنيسة عون لنا"، ويخصص الكاتب الفصل السابع أيضا لتأثير الجانب الكنسي تاريخيا من أجل "الوعي الجماعي" في روسيا.

الكاتب يتوقف مع حديث بوتين عن نفسه وكيف أقدمت أمه على "تعميده" خفية عن أبيه الشيوعي المتشدد، وحديثه عن لقاءاته مع كبار الزعماء الكنسيين كما كان في نيويورك، وقوله أيضا "لولا الارتباط مع الخبرات التاريخية والدينية لم يكن لنا تميزنا القومي الروسي، وإن وحدة الكنيسة عون لنا"
ثم يضيف المؤلف في الفصل التاسع جانبا "أخلاقيا" بالحديث عن اعتراضات بوتين على الضغوط الغربية للتعامل -كالغرب- "بشرعنة" أوضاع المثليين جنسيا، فليس هذا شأن الدولة كما يقول بوتين، وقد بلغت تلك الضغوط أن حذرت وزارة الخارجية الألمانية من سفر المثليين إلى روسيا، وكان ذلك في عهد وزير الخارجية السابق "فيسترفيلي" الذي كان منهم كما هو معروف، فضلا عن الضجة التي أثارها تعامل السلطات الروسية مع فرقة "بوسي ريوت" الغنائية التي تأسست لدعم المثلية الجنسية النسائية في روسيا.

إنما يلفت النظر الاكتفاء بعوامل التأثير هذه على خلفيات القرار السياسي لدى بوتين، مع خلوّ الكتاب من طرح يكشف عن منهج فكري أو طريقة تفكير محددة المعالم، ربما بسبب غلبة الأخذ بالواقعية أو "البراجماتية" أساسا للقرار السياسي، وتستثنى من ذلك إشارات عابرة، كالحديث عن فريق عمل لوضع إستراتيجيات جديدة عقب تسلم بوتين منصب الرئاسة عام ٢٠٠٠، إنما كان فريقا من الشباب كما يصفهم الكاتب، أي تنقصهم الخبرة في التعامل مع دهاليز العوالم السياسية والمالية في روسيا وعالميا.

إن الانطباع الذي تتركه فصول الكتاب لدى القارئ هو أن سياسات بوتين بدوافعها وأساليبها ليست أسوأ ولا أفضل من سياسات الغرب، فلا يفيد أسلوب الاتهام، بل ينبغي التعامل معها بواقعية.

السيطرة على الكريملين
كما يسعى المؤلف لإعطاء صورة مباشرة عن سياسات بوتين عبر عدة فصول من الكتاب حول الطريق التي شقها لنفسه إلى قمة السلطة، بدءا بتعاونه مع رفيق دربه الأول في بطرسبورغ أثناء تفكك الاتحاد السوفياتي، وهو بيريسفوسكي، الذي أصبح من الأثرياء وانقلب على بوتين لاحقا ومات منفيا في لندن.

آنذاك انتقل بوتين من عالم المخابرات الروسية -في ألمانيا خاصة- إلى عالم السياسة، وقطع المرحلة التالية أثناء الاضطرابات السياسية والفساد المالي في عهد يلتسين، وهو ما وصفه الكاتب في الفصل الـ11 بنهب الدولة الروسية، ولكن أخفق بوتين في إدارة المعركة السياسية والانتخابية لصالح "سوبتشاك" في بطرسبورغ، ثم نجح في تحويل هذا الإخفاق منطلقا إلى جولة سياسية جديدة، مستفيدا من ضعف يلتسين في السنوات الأخيرة من رئاسته، فقد انتقل إلى موسكو وتسلم أعلى جهاز في الكريملين، فسعى من خلاله لتوثيق العلاقة مع المهيمنين ماليا على وسائل الإعلام الكبرى في البلاد، حتى أصبح رئيسا بتأييد يلتسين في انتخابات عام ٢٠٠٠.

ويفصل الكاتب في مسلسل الجولات التالية كيف استطاع بوتين حسمها لصالح توسيع سلطته وحجم شعبيته، بدءا بالحرب التي خاضها في الشيشان بعنف كبير بعد ما يمكن وصفه بالهزيمة الروسية في الحرب الأولى في عهد يلتسين، ثم خوضه "الحرب القضائية" ضد خصومه من الأثرياء الجدد في روسيا بعد سقوط الشيوعية، انتهاء بوسائل الإعلام الكبرى التي انتزعها من سيطرة خصومه، ورأى المؤلف أن أخطر تلك الجولات كانت في نزاع بوتين مع خودروفسكي المدعوم غربيا.

على الساحة الدولية

إن الانطباع الذي تتركه فصول الكتاب لدى القارئ هو أن سياسات بوتين بدوافعها وأساليبها ليست أسوأ ولا أفضل من سياسات الغرب، فلا يفيد أسلوب الاتهام، بل ينبغي التعامل معها بواقعية
لم تكن الحرب في جورجيا مجرد "جس نبض الغرب"، كما يتردد في الغرب كثيرا، بقدر ما كانت أول الردود على التمدد الأطلسي شرقا، وهو ما تكرر لاحقا في أوكرانيا ردا على التمدد الأوروبي، فكان الاستحواذ على شبه جزيرة القرم بعد دعم الغرب من رآهم بوتين "انقلابيين" في كييف.

قضية سوريا تأخذ مكانها -إلى جانب سواها- في الفصل الـ١٨ من هذا الكتاب بمنظور واحد أنها من ميادين صراع القوة بين بوتين وأوباما، ولا يتبنى المؤلف ما تقول به مصادر النظام السوري وحلفاؤه، كما يتجاهل ما تقول به منظمات دولية تعمل في ميدان حقوق الإنسان، متجنبا "المعلومات" التي تتناقض مع طرح السؤال عن "المسؤول".

ويتجاوز الحدود المقبولة عند حديثه بأسلوب مشابه حول المسؤولية عن استخدام الأسلحة الكيميائية في غوطة دمشق، عندما اقتربت واشنطن من اتخاذ قرار الحرب، فهنا يتجنب الكاتب اعتبار الاقتراح الروسي بسحب الأسلحة الكيميائية اضطراريا، وينطوي على إقرار ضمني بالمسؤول عن ارتكاب الجريمة، فيبدو المنطق الذي يعتمده في حديثه ضعيفا، إذ يطرح ذلك الاقتراح الروسي كأنه "قارب نجاة" للرئيس الأميركي، إذ كان في نظره "لإخراج أوباما من ورطته" بعد ربط مسألة الحرب بموافقة الكونجرس.

رغم شهرة المؤلف بعمله التوثيقي، لا يخرج في عدد من المواضع في الكتاب، ومنها ما يتعلق بسوريا، ‎عن أسلوب الطرح التقليدي المعتمد في الإعلام الغربي، أي ما يتردد باستمرار عن "غياب الأدلة القاطعة" ما دامت المصادر الغربية المباشرة -بما فيها الإعلامية- غائبة عن ساحة الحدث.

المصدر : الجزيرة

التعليقات