من أكثر ما يلفت النظر في هذا الكتاب الجديد في المكتبات الأميركية، أنه تناوب على تأليفه أب وابنته كانا من أكثر الشخصيات السياسية تأثيراً في الولايات المتحدة والعالم.

عرض/ مرح البقاعي

من أكثر ما يلفت النظر في هذا الكتاب الجديد في المكتبات الأميركية، أنه تناوب على تأليفه أب وابنته كانا من أكثر الشخصيات السياسية تأثيراً في الولايات المتحدة والعالم. فالأب هو ديك تشيني الذي خدم على أعلى المستويات الحكومية والقطاع الخاص لأكثر من أربعين عاماً.

الكتاب: الاستثناء.. لماذا يحتاج العالم إلى أميركا قويّة؟
الكاتبان: ديك تشيني وليز تشيني
الناشر: تريزهولد أيديشنز
تاريخ الإصدار: سبتمبر 2015
عدد الصفحات: 336

ومن أهم المناصب التي تبوّأها شغله لمنصب رئيس موظفي البيت الأبيض في عهد الرئيس جيرالد فورد، وانتخابه لعضوية الكونغرس ست مرات متتالية ممثلاً لولاية وايومنغ، ومنصب وزير الدفاع في عهد الرئيس جورج بوش الأب حيث أشرف على الجيش الأميركي خلال عملية عاصفة الصحراء عام 1991، وأخيراً كان نائب الرئيس جورج بوش الابن، وهو آخر منصب حكومي شغله. أما عن مناصبه في مجال الأعمال، فقد شغل منصب المدير التنفيذي لشركتي هالبيرتون وفورتشن 100 الكبيرتين.

ابنته ليز تشيني التي شاركته الكتابة، شغلت منصب نائب مساعد لوزير الخارجية في عهد الرئيس جورج بوش، كما عملت في وزارة الخارجية وفي وكالة التنمية الدولية في عهد الرئيس جورج بوش الأب. هي محامية ومتخصصة في سياسة الولايات المتحدة بالشرق الأوسط، وأسست مع والدها عام 2014 منظمة "التحالف من أجل أميركا قوية"، وهي منظمة غير ربحية مكرسة للتوعية ورصّ الصف الأميركي من أجل دعم تطوير سياسات خارجية وقوة دفاعية أكثر تأثيراً ونفوذاً للولايات المتحدة.

الكتاب
تصدّر هذا الكتاب المرتبة الأولى في قائمة نيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعاً منذ صدوره، فالكاتبان يفتحان فيه ملفاً حساساً ومؤثراً في الحياة الأميركية على المستويين الرسمي الحكومي والشعبي العام في آن. والملف يتعلق بالقوة الدفاعية الأميركية التي جعلت منها أول قوة ضاربة في العالم، وكيف اضمحلت هذه القوة بتخلي الرئيس الحالي باراك أوباما عن الدعم اللازم لتطوير وتمكين آلة الدفاع الأميركية التي تشكل الحامي الأعظم لمنظومة الأمن القومي الأميركي، وكذا الضامن الحقيقي لتفعيل السياسات الخارجية التي تتخذها الولايات المتحدة إزاء قضايا ملحّة وساخنة وعاجلة أحياناً في دول العالم، وآخرها وأخطرها الحرب على الإرهاب. 

يكشف الكتاب عن حجم الأضرار التي لحقت بموقع الولايات المتحدة ودورها في الأحداث العالمية المتلاحقة ولاسيما الساخنة منها في الشرق الأوسط، نتيجة لسياسة القيادة من الخلف التي انتهجها الرئيس أوباما، والتي ترافقت مع تقليص الميزانية الدفاعية والتخلي عن المبدأ الأساسي في الحياة السياسية الأميركية بأنها القوة الأكبر في العالم ويجب أن تبقى كذلك.

 القيادة من الحديقة الخلفية
منذ الحرب العالمية الثانية وعلى امتداد سبعين عاماً، كانت القوة الأميركية وقيادتها العسكرية حالة فريدة ومتقدمة، ولا مثيل لها في قدرتها على الدفاع عن الحرية في جميع أنحاء العالم، كما يفيد الكتاب.

وقد تناوب الرؤساء الأميركيون -من الحزبين الجمهوري والديمقراطي- الذين وصلوا إلى البيت الأبيض خلال هذه الفترة، على حراسة وحماية القوة الأميركية بمظاهرها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وكانوا أمناء على استمرار أميركا في هذا الموقع  القيادي بين دول العالم.

تناوب الرؤساء الأميركيون على حراسة وحماية القوة الأميركية بمظاهرها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وكانوا أمناء على استمرار أميركا في هذا الموقع القيادي, إلا أن أوباما جاء ليغير هذه المعادلة

غير أن الرئيس أوباما جاء ليغير هذه المعادلة متمسكاً بنهج اعتمده ومفاده "أن العالم لا يمكن أن يدار بإرادة دولة واحدة، وأن الولايات المتحدة لا تملك حلولاً لكل مشكلاته". ولم يكتفِ أوباما باتباع نهجه هذا، بل تخلى عن حلفاء أميركا كما يشير تشيني، بل واسترضى أعداءها ومد يده بالمصافحة لمن كانت أميركا تسميهم محور الشر وكانوا بالمقابل يطلقون عليها اسم الشيطان الأكبر! وهكذا يكون أوباما قد خرج عن التقليد السياسي للحزبين الجمهوري والديمقراطي معاً في نهجه الذي تعامل مع الأحداث السياسية الكبرى بعين المتفرج حيناً، والخطيب المفوّه حيناً آخر، دون الاقتراب من ميدان الفعل الحقيقي أو اجتراح الحلول على أقل تقدير.

 القوة الاستباقية كضرورة
أبرزت صحيفتا وول ستريت جورنال وواشنطن بوست العريقتين تصريحات ديك تشيني حين إطلاق الكتاب الذي قال فيه "ما لم ندرك أننا بحاجة إلى رئيس يتفهّم ويقدّر أهمية العمل الاستباقي المبكر، وكذا ضرورة احتفاظ الولايات المتحدة بقوة عسكرية متفوقة، وأهمية هذه القوة لحماية الأمن القومي الأميركي، فإننا سنبقى في حال سباق مع الزمن من أجل درء شر أعدائنا، وقد نصل متأخرين".

ويعمل تشيني وابنته ليز كفريق واحد لشرح كيف كسر أوباما لحمة الإجماع في ثوابت السياسة الخارجية للحزبين الجمهوري والديمقراطي التي مكنت البلاد من أن تسود وتتفوق في الحرب العالمية الثانية، وكسب معركة الحرب الباردة، والانتصار في العقد الأول من الحرب على الإرهاب.

وكشفت ليز الضرر الناجم عن سياسات أوباما، وأبرزت كيف أن عدم رغبته في الدفاع وحماية القوة الأميركية أدى إلى إضعاف الأمة وتقليص قدرة الرؤساء في المستقبل على الدفاع عن الولايات المتحدة.

صراع حزبين أم قوة دولة؟!
يقول تشيني في سياق وصفه للقوة الأميركية "ضمنت أميركا حق الحريات العامة والسلم الأهلي والأمن لقطاع واسع من البشرية في دولها وجغرافيتها على اختلافها، وهذا أمر لم تفعله أي دولة أخرى سوى الولايات المتحدة". ويضيف "لا يوجد أمة على الأرض تشبهنا، ولن يكون هناك من يشبهنا على المدى القريب. ومن أجل الحقيقة التاريخية نستطيع أن نقول إننا أعظم قوة خيِّرة في العالم، لم يشهدها العالم من قبل".

ليز تشيني:
الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم التي يمكنها أن تنقذ مركب السياسات العالمية إذا ما جنح وضربه موج الأحداث والحروب وأوشك على الغرق

وبما أن هذا الكتاب خطه قلمان هما من صقور الجمهوريين وعرفا بالتشدد المسيحي اليميني، وبما أن صدوره رافق مرحلة شهدت تنافسا حادا بين اليمين الجمهوري واليسار الليبرالي الديمقراطي في صراع الحزبين على كسب الانتخابات الرئاسية عام 2016 بعد خروج أوباما من البيت الأبيض، فإن الآراء الواردة فيه تتناقض وتتضارب بالترادف مع الحالة السياسية قبيل الانتخابات.

فها هو أحد القرّاء يخرج في الصحافة ليقول ما مفاده "أن معظم ما ورد في وصف أميركا ودورها الإيجابي في العالم هو عارٍ تماماً عن الصحة! فنحن اليوم أقل حرية وأقل أمنا، وأبعد ما نتصور عن السلام، وكل ما ورد في الكتاب هو من مخيلة تشيني".

غير أن تشيني الذي كان يُعتبر المرساة التي تستقر عليها سياسات آل بوش من الأب إلى الابن،  يؤكد هو وابنته في متن الكتاب أن القضية أبعد من صراعات انتخابية بين حزبين في أميركا، بل جوهر الأمر في حالة الاستقرار العالمية وكيف ستتأثر إذا ما ضعفت واشنطن وانكفأت عن ميدان الفعل في السياسات الدولية.

وتختم ليز تشيني بفكرة أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم التي يمكنها أن تنقذ مركب السياسات العالمية إذا ما جنح وضربه موج الأحداث والحروب وأوشك على الغرق، ولا يوجد إلا أميركا واحدة في الكرة الأرضية لتقوم بهذا الدور. 

المصدر : الجزيرة

التعليقات