عرض/أمل عيسى
في كتابه الذي يعج بالأمثلة على أنواع الخداع ينتقل جولديكر بين 16 فصلا ومقدمة، مستعرضا الكثير من التجارب التي تستخدم الوهم لعلاج الأمراض، مستعينا بدراسته وسنوات خبرته الطويلة في هذا المجال.

يقول الكاتب "إن تقويض الادعاءات العلمية المزيفة هو أفضل طريقة لتعلم أساسيات العلم، فالعلم يدور حول إثبات عدم صحة النظريات". ويبدأ بإعلانات نزع السموم (الديتوكس) من الجسم ويفند ادعاءاتها، ويقدم تجربة بسيطة بجهاز صناعة منزلية لكشف خدعة تلون الماء الذي يفترض أنه نتيجة سحب السموم.

ثم يقول إن الديتوكس هو منتج ثقافي يمزج بين المنطق المفيد والخيال المطبب الجامح، ويوضح أن هذا الموضوع تحول إلى نوع من الطقوس التي يستخدمها المشاهير، والتي لا تمثل خطأ في حد ذاتها ولكن الخطأ في اعتبار أنها تقوم على أساس علمي.

-العنوان: العلم الزائف
-المؤلف: بن جولديكر
-المترجم: محمد سعد طنطاوي
-الناشر: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
-عدد الصفحات: 369
-الطبعة: الأولى، 2015

ينتقد الكاتب في الفصل الثاني ما يروج له في المدارس البريطانية تحت مسمى أنشطة رياضة العقل، فعلى الرغم من أن الأطفال يمتلكون نظاما فسيولوجيا كافيا تماما لتنظيم مستويات الأكسجين وثاني أكسيد الكربون في دمائهم فإن أحدا لا يخبرهم بذلك ولكن يعلمونهم تدريبات بأسماء مختلفة للقيام بذات الوظيفة الطبيعية.

ويتساءل المؤلف: كيف سيدلك الأطفال شرايينهم السباتية من خارج القفص الصدري؟ وكيف سيفرغون طاقة كهربائية من أجسادهم بتلامس الأصابع؟ ويضيف أنه يتلقى فيضا مستمرا من رسائل الأطفال السعداء بغباء مدرسيهم.

كطبيب متخصص تخرج من جامعة أوكسفورد يفجر المؤلف قنبلة في وجه شركات مستحضرات التجميل، فيقرر في الفصل الثالث أن جميع مستحضرات التجميل متماثلة، الباهظ منها والرخيص، فغالون المرطب الذي تصنعه منزليا قد يكون أفضل من أنبوب ضئيل تشتريه بنفس التكلفة، ولكن صناعة التجميل تقوم على عرض علم زائف ودعاية محكمة قادرة على در أموال طائلة من منتجات لا قيمة لها.

ويمضي جولديكر قائلا إن المسألة برمتها أخلاقية، فالمصنعون يروجون لفكرة أن الصحة الجسدية والجمال يمكن بلوغهما بواسطة منتجاتهم الغالية وليس بممارسة الرياضة البسيطة مثلا أو بتناول الخضروات.

السعر والألوان بوابة القبول والفاعلية
في الفصل الرابع يناقش الكاتب إحدى طرق الطب البديل وهي المعالجة المثلية التي يؤكد أنها لا تختلف كثيرا عن العلاج الوهمي، والفكرة القائمة عليها منذ نشأتها ترتكز على الوهم كما يقول جولديكر، فالمرضى لا تتوافر لديهم طريقة لمعرفة ما يشعرون به من تحسن بعد تناول الحبات الكروية المسكرة، هل من العلاج المتناول أم من الحالة النفسية.

فألوان الأقراص وطريقة تعبئتها وثمنها ومعتقدات من يصفون العلاج بها كلها عوامل مهمة، وقد تكون المعالجة المثلية أرخص من تلك الدوائية ولكن ليس هناك دليل على أنها تفيد في علاج الأمراض، كما أن طريقة الترويج لها خطيرة وغير أخلاقية.

يتوقف المؤلف مع صراع بين جناحين كلاهما يدعي حماية المرضى في القارة الأفريقية، أحد الفريقين يدعم علاج الإيدز والسرطان كيميائيا، والآخر يدعي كذب الأول وأن العلاج لا بد أن يكون طبيعيا بل ويتعدى ذلك إلى الزعم بأن الفريق الأول يسمم المرضى بالعلاج بحثا عن الربح

ورغم أن جولديكر يحاول دائما توضيح أن المسكنات الباهظة الثمن هي إهدار للمال فإنه يذكر تجربة حديثة أظهرت أن تسكين الألم -عندما جرى إخبار المشاركين في التجربة بأن سعر العلاج 2.5 دولار- كان ذا فاعلية أشد منه عندما قيل لهم إن تكلفته عشرة سنتات فقط، فالناس يميلون للأخذ بالمشورة فقط عندما يدفعون مقابلها.

وينقل المؤلف في الفصل الخامس تجربة شخصية له بالعلاج الدوائي في طفولته، فالعلاج لم يكن له نصيب من النجاح في حالته ولكن عندما تغير لون الأقراص أثبتت فاعليتها في علاج التوتر، وبلون آخر نجحت في علاج الاكتئاب، فحتى العلاج الكيميائي له جانب نفسي يؤثر على فاعليته شكلا ولونا وحتى طريقة التعاطي.

مساحة تجارية تبرر الوجود
وفي الفصول السادس والسابع والثامن ينتقل الكاتب إلى من يسميهم أعضاء مهنة حديثة الابتداع وهم اختصاصيو التغذية الذين يجب عليهم خلق مساحة تجارية تبرر وجودهم كما يقول جولديكر، فيعتمدون على إضفاء الغموض والتعقيد على عملية التغذية.

ويذكر جيليان ماكبث الشخصية التلفزيونية الشهيرة ومؤلفة كتب التغذية الأفضل مبيعا وصاحبة الجوائز في التثقيف العام، ثم كالعادة يصفعنا بأنها مجرد هراء وخدعة أخرى فهي لا تحمل مؤهلا طبيا أو إكلينيكيا ومع ذلك تملأ صفحات وقنوات الإعلام وتسفه آراء الأطباء!

بل ويفضح جولديكر تجارب كلفت ملايين الجنيهات الإسترلينية وآلاف المشاركين لترويج كبسولات زيت أوميغا3 بدون أن تتبع الأسس العلمية الحقيقية رغم أن مجال بحوث الأحماض الدهنية -كما يذكر المؤلف- شهد حالات تزييف وسرية ودعاوى قضائية ونتائج سلبية تم التكتم عليها، وعرضها الإعلام على نطاق كاذب ضخم.

وبعد أن ينتهي من مسوقي الدعاية لمنتجات التجميل ورفع القدرات يتحول إلى إمبراطورية أخرى وهي المكملات الغذائية التي تقدر سوقها بخمسين مليار دولار، وأحد ألمع نجومها البريطانيين هو باترك هولفورد الذي تملأ كتبه وصوره أماكن بيع المكملات الغذائية.

في البداية تظن أن المؤلف مفتون بهولفورد بعدما قدمه كأحد أفضل العلماء، ولكن يبدو أن هولفورد ارتكب غلطة قاتلة قلبت عليه موازين جولديكر، حيث انتقد طريقة عرضه لأحد الأبحاث عن علاج الإيدز، وفوجئ باتهام هولفورد له بأنه أداة في يد الشركات الكبرى المنافسة.

وفي الفصل العاشر نرى صراعا بين جناحين كلاهما يدعي حماية المرضى في القارة الأفريقية، أحد الفريقين يدعم علاج الإيدز والسرطان كيميائيا، والآخر يدعي كذب الأول وأن العلاج لا بد أن يكون طبيعيا بل ويتعدى ذلك إلى الزعم بأن الفريق الأول يسمم المرضى بالعلاج بحثا عن الربح.

ويقرر المؤلف أن القارة السوداء جرى استغلالها على نحو مريع من الغرب بالاستعمار ثم برأس المال العالمي ثم باستغلال الأمراض والعلاجات.

أدوات الخداع
هل الطب التقليدي شر؟ بهذا السؤال يبتدئ الكاتب فصلا آخر يناقش صناعة الدواء والتي ينفق البريطانيون عليها سبعة مليارات جنيه إسترليني سنويا، في حين تبلغ قيمة الصناعة عالميا 150 مليار جنيه إسترليني.

السمة المهمة لتلك الصناعة هي المصلحة التجارية، حيث يذكر جولديكر مثالا لملايين وفيات النساء جراء مرض تشنج الحمل طوال قرن من الزمان رغم وجود العلاج البسيط بالماغينسيوم، لكن بسبب حدوث الوفيات في العالم الثالث وغياب المصلحة التجارية تأخرت براءة اختراع العلاج 96 عاما حتى تبنته منظمة الصحة العالمية.

تحدث المؤلف عن أزمة التطعيم الثلاثي التي طالت العديد من بلدان العالم، ففي بريطانيا مثلا سرت إشاعة أن هذه الجرعة الوقائية تسبب مرض التوحد لدى الأطفال، وتحول الأمر إلى امتناع الكثيرين عن تطعيم أطفالهم رغم أهمية الأمر، وتناسى الجميع دوره في القضاء على المرض في معظم البلدان المتقدمة

يقول المؤلف "باعتبارنا بشرا نمتلك قدرة فطرية على صنع شيء من لا شيء، فنرى أشكالا في السحب ووجوه أشخاص في القمر، ويقتنع المقامرون بأنهم يمتلكون حظا متواصلا"، هذا ما تستخدمه آلة الإعلام لاستغلال سوء فهم العامة للعلم، وهو نفسه ما يدفع الأذكياء لتصديق أمور غبية، فالإحصاءات الخادعة واستطلاعات الرأي المضللة تسوق المجتمع صوب ما تريده شركات الدواء والعلاجات البديلة.

في الفصول الأخيرة يتحدث الكاتب عن أدوات الخداع، من إحصاءات رديئة واستغلال للمخاوف الصحية، ويشبه الإحصاءات الرديئة بمن يحمل بندقية ويطلق آلاف الطلقات ثم يرسم دائرة التصويب بعد ذلك حول بعض الثقوب، ثم يفتخر بقدرته على الرماية.

يكشف جولديكر عن إحدى القضايا التي تبين استغلال بعض صحفيي الاستقصاء مختبرات خاصة تتميز بإعطائهم نتائج إيجابية لملوثات غير موجودة في العينات التي يقدمونها لهم، مما تسبب في العديد من المشاكل والكوارث لمستشفيات كبيرة، وكانت المفاجأة أن من يدير تلك المختبرات يحمل شهادات غير معترف بها وبالمراسلة، وأن الهالة التي أحاطته بها الصحافة هي محض أوهام، والأدهى هو عدم وجود أي أساس من الصحة لما أجراه من تحليلات سببت تلك الضجة.

ثم يتمم تلك الفصول بالحديث عن أزمة التطعيم الثلاثي التي طالت العديد من بلدان العالم، ففي بريطانيا سرت إشاعة أن هذه الجرعة الوقائية تسبب مرض التوحد لدى الأطفال، وتحول الأمر إلى امتناع الكثيرين عن تطعيم أطفالهم رغم أهمية الأمر، وتناسى الجميع دور تلك الجرعة في القضاء على المرض تماما في معظم البلدان المتقدمة.

ويضرب جولديكر مثالا على سوء الفهم الذي يؤدي إلى كوارث بما حدث في نيجيريا عندما زعم عدد من الأئمة المحليين في مقاطعة "كانو" أن تطعيم شلل الأطفال هو جزء من مؤامرة أميركية لنشر الإيدز بين المسلمين، وتلا ذلك تفشي المرض في نيجيريا، بل وتخطى الأمر وتفشى في اليمن وإندونيسيا، وأظهرت التحاليل أنه من نفس سلالة الفيروس القادم من "كانو".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك