عرض/زياد منى
عمليات حفظ الأمن العام في الدول الديمقراطية (أو سمها كما تود) ترتبط ارتباطا وثيقا بجوهر النظام القائم، لأن الأجهزة المكلفة بتلك المهام هي إحدى أدوات ممارسة السلطة، وبالتالي الهيمنة.


في الوقت نفسه تضمن دساتير الدول الديمقراطية حق مواطنيها في التظاهر كونه يمثل إحدى أدوات التأثير في الرأي العام وكسبه من أجل إحداث تغيير في سياسة الحكومة المعنية. لذلك يعد مساس السلطة الحاكمة بحق التظاهر مساسا بجوهر النظام وتعديا على مبدأ التعددية الذي هو أحد أسس العملية الديمقراطية، إضافة إلى كونه انتقاصا من حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات والمعرفة وحرية التعبير.

هذا المنطلق يشكل أرضية جدل الكاتبة بخصوص عسكرة حفظ النظام العام، وهي أستاذة مساعدة في مادة علم الاجتماع، أو السوسيولوجيا، في جامعة يورك الكندية، وصاحبة مؤلف آخر إضافة إلى كونها ناشطة في الحركة العالمية للعدل ومحاربة الفقر.

- العنوان: الأزمات والتحكم فيها - عسكرة ضبط التظاهرات
- المؤلفة: لزلي وود
- عدد الصفحات: 206
- الناشر: بلوتو برس، لندن
- الطبعة: الأولى، 2014

لخصت الكاتبة منطلقاتها النظرية، التي ربطتها بالواقع المعيش من خلال الانطلاق من تحليلات علماء الاجتماع لطبيعة الدولة الديمقراطية ووظيفتها، وربطت ذلك بتجارب التظاهرات في كل من الولايات المتحدة وكندا، وكيفية تصدي قوات حفظ النظام لها.

ولأن طبيعة الدولة الاجتماعية مرتبطة بالقوى السياسية الحاكمة والمؤثرة في القرار، نظرت إلى عمل شرطة حفظ النظام (التي تسمى أيضا شرطة مكافحة الشغب) في هذا الطور من تطور النظام الرأسمالي في عصر العولمة وفي طور هيمنة الليبرالية الجديدة، أو النيوليبرالية على مقومات الحياة.

ومن هنا ترى الكاتبة أن شرطة حفظ النظام في الدول ذات العلاقة وسياساتها مرتبطة ارتباطا وثيقا بما صار يعرف بالواحد بالمائة (1%) التي تمتلك معظم الثروات الوطنية ضد الـ(99%) المحكومين الذين لا يملكون أي ثروات. وهنا ترى الكاتبة أن عمل شرطة حفظ النظام يخدم استمرار هيمنة الأقلية على الأغلبية ويكتم أي معارضة لسياسات الطرف الأول.

الكاتبة تقدم أمثلة تطبيقية على آرائها، ومن ذلك كيفية تصدي شرطة حفظ النظام لتظاهرات المجتمع المدني ضد إحدى قمم مجموعة العشرين. وقد أوضحت بالتفصيل كيفية تصدي الشرطة للتظاهرات ومنع المتظاهرين من الوصول إلى مقر انعقاد القمة. الكاتبة بينت أن الشرطة المدججة بمختلف الأسلحة لجأت إلى أساليب عسكرية في مواجهة التظاهرات التي تقدمها أشخاص من ذوي الحاجات الخاصة ومهاجرون مهمشون، وهم ليس بإمكانهم إثارة أي شغب.

بدأت الكاتبة مؤلفها  بتفحص الحقول المختلفة للتحكم في التظاهرات وتطور أساليب الشرطة تجاهها، إضافة إلى مدى شرعية تلك الأساليب من منظور قانوني وطرق اتخاذ القرار بالخصوص

استعانت الكاتبة في بحثها بمختلف المصادر، بما فيها التقارير الداخلية ذات العلاقة، وأوضحت أن الشرطة استعانت بالمعلومات الاستخبارية المسبقة عن المتظاهرين، وكانت مسلحة بأجهزة تصوير واستعانت بمخبرين داخل التظاهرات لجمع المعلومات عن قادة التظاهرات.

في الوقت نفسه أشارت الكاتبة إلى لجوء شرطة حفظ النظام إلى استخدام القوة المفرطة بحق المتظاهرين ومن ذلك بخاخ الفلفل، وهو أمر اعترفت به تقارير الشرطة الداخلية.

ومن الأمور الأخرى التي أولتها الكاتبة اهتمامها استعانة الدولة النيوليبرالية بالمؤسسات الخاصة لحفظ النظام والتصدي للتظاهرات وخبراتها الأمنية.

بدأت الكاتبة مؤلفها (الفصل الأول) بتفحص الحقول المختلفة للتحكم في التظاهرات وتطور أساليب الشرطة تجاهها، إضافة إلى مدى شرعية تلك الأساليب من منظور قانوني وطرق اتخاذ القرار بالخصوص. هذا كله يوضح أسباب لجوء الشرطة التي تستخدمها في التصدي للتظاهرات. المقصود هنا أن طبيعة النظام هي التي في نهاية المطاف تحدد دوافع لجوء شرطة مكافحة الشغب أو شرطة حفظ النظام لهذه أو تلك من الأساليب.

المعلومات عن هذا كله استقتها الكاتبة من تحليل تقارير الشرطة وما توافر في وسائل الإعلام من معلومات أو ادعاءات ذات علاقة.

لجوء الشرطة إلى أساليب عسكرية لمواجهة التظاهرات ومحاصرتها أو قمعها فرض على الكاتبة تحليل كل حدث على حدة، تفاديا للتعميمات المضرة بالمنهج العلمي.

وخصصت الكاتبة الفصل الثاني لتوضيح أن التظاهرات المستمرة في أوربا وأميركا الشمالية جعلت الشرطة تتكيف مع التغيرات المستمرة في أسلوب التظاهر، والتصدي له. فعلى سبيل المثال تظهر التغيرات في التحكم في التظاهرات عبر وسائل مختلفة من استعمال السلاح غير الفتاك إلى الاعتقالات العشوائية والمنظمة وإقامة المتاريس في وجه التظاهرات.

تنهي الكاتبة تقصيها الاجتماعي بتأكيد القول إن الأسلوب الوحيد لتحقيق التآخي في المجتمع ومنح المواطنين حقهم في العيش بكرامة وإقامة أنظمة تكفل العدالة للجميع هو -ضمن أمور أخرى- إنهاء عسكرة حفظ النظام

أسباب انتشار أساليب شرطة حفظ النظام هذه أولتها الكاتبة الاهتمام في الفصل الثالث. وكان موضوع الفصل الرابع هو العلاقة بين الشرطة والسلطات المحلية في نشوء هذه الأساليب، بينما خصصت الفصل الخامس لاستخدام الشرطة بخاخ الفلفل ضد المتظاهرين. مسألة استعانة السلطات بمنظمات حفظ النظام الخاصة بحثتها الكاتبة في الفصل السادس.

من الأمور الأخرى التي بحثتها الكاتبة تأثير هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 في كيفية تصدي الدولة النيوليبرالية (في الولايات المتحدة الأميركية) للمعارضين، وكيف أنها وظفتها لتشديد الرقابة على المجتمع والحد من حق المواطنين في التعبير عن آرائهم.

تعرضت الكاتبة في الفصل الثامن إلى اتهامات الشرطة للمتظاهرين باستخدام العنف ضد الشرطة، وبينت أنها خالية من الحقيقة، وتعتمد على أفكار وأحكام مسبقة عن فئات المجتمع الضعيفة والمهمشة.

تصل الكاتبة إلى استنتاج أن تكتيكات شرطة حفظ النظام وإستراتيجياتها عند التصدي للتظاهرات المعادية للنظام النيوليبرالي في الولايات المتحدة الأميركية مرتبطة بجوهر الدولة، وأن كل دعوات التغيير التي تعقب التظاهرات ستظل غير مؤثرة ما لم ترتبط بالسعي لإنهاء السياسات النيوليبرالية.

تنهي الكاتبة تقصيها الاجتماعي بتأكيد القول إن الأسلوب الوحيد لتحقيق التآخي في المجتمع ومنح المواطنين حقهم في العيش بكرامة وإقامة أنظمة تكفل العدالة للجميع، -إن كان ذلك هو الهدف الحقيقي للحاكمين- هو -ضمن أمور أخرى- إنهاء عسكرة حفظ النظام، وتأسيس نظام التكافل الاجتماعي الذي يضمن تطور المجتمع من دون اللجوء إلى العنف.

تكمن أهمية الكتاب في أن الكاتبة تعاملت مع مادتها من منظور سوسيولوجي نظري، وأرفقته بتطبيقات عملية. أي أنها لم تحصر تعاملها مع الموضوع في تجليات صدام المتظاهرين مع شرطة حفظ النظام بل تجاوزت ذلك إلى جوهر المسألة، أي طبيعة الدولة ووظيفتها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك