عرض/أحمد محمود

من أدوات إسرائيل لعزل القدس عن محيطها العربي والإسلامي الترويج للعديد من المزاعم في الأوساط الفكرية والإعلامية، حول ما تزعم أنه "تاريخ يهودي" للقدس الشريف، في مخالفة واضحة لكل حقائق التاريخ التي أثبتها العلم الموضوعي المحايد، بما في ذلك الآثار الماثلة في المدينة، التي تشير إلى أصلها العربي وانتمائها الإسلامي.

ويعد هذا الكتاب "القدس الشريف في الاستشراق اليهودي"، للباحث والكاتب المغربي محمد رضوان من المحاولات الجادة للرد على هذه المزاعم.

الكتاب يقع في 139 صفحة من الحجم المتوسط، ويضم ثلاثة فصول ومقدمة وخاتمة، ويتناول فيها بشكل عام المخاطر المحدقة بالمسجد الأقصى وبالقدس الشريف، والأهمية الدينية والإنسانية للقدس لدى أتباع الديانات السماوية الثلاثة، وقضية الاستشراق بين الفكر العربي والغربي، من خلال إطلالة على نشأته في الغرب، وتأثيرات الديانة المسيحية عليه، والمكون الفكري اليهودي فيه، مع رؤية نقدية للاستشراق وتفكيك خطابه، في الفكر العربي.

-العنوان: القدس الشريف في الاستشراق اليهودي
-المؤلف: محمد رضوان
-مكان النشر: الرياض
-الناشر: "المجلة العربية"
-الطبعة: الطبعة الأولى، 2014
-عدد الصفحات 139

ويقول المؤلف في مقدمته للكتاب، إن هذه الدراسة، وهي تعرض لما تواجهه قضية القدس من محاولات لعزلها عن محيطها العربي الفلسطيني عن طريق الاحتلال والاستيطان، وطمس طابعها الإسلامي، وإنكار مكانتها الدينية عندهم، وتدعو إلى خوض معركة القدس أيضا على الجبهة العلمية والفكرية للتصدي لمزاعم وادعاءات الاستشراق اليهودي خاصة، والاستشراق الغربي المتأثر بالفكر الصهيوني عامة.

القدس قيمة ومكانة
الفصل الأول من الكتاب جاء بعنوان "القدس لدى أتباع الديانات السماوية"، وفيه يتتبع الكاتب تاريخ الوجود اليهودي في القدس، وحقيقة القدس في العقيدة اليهودية أو أرض الميعاد المزعومة، بالإضافة إلى أهميتها في الديانة المسيحية، ومكانتها في الإسلام.

ولعل أهم ما يميز هذا الفصل هو التحديد الذي قام به الكاتب لمفهوم الحرم القدسي الشريف، حيث أكد أولا أن الحرم كله مقدس عند المسلمين، وهو كلٌّ متكامل لا يتجزَّأ، وقال إن الحرم يضم بجانب المسجد الأقصى، أو المسجد القبلي ذي القبة الرصاصية، ومسجد قبة الصخرة ذي القبة المذهَّبة، حوالي 200 معلم إسلامي آخر.

وقال إن إسرائيل تتجاهل العمق التاريخي العربي والإسلامي للمدينة، حيث تتعرض لافتراءات وأكاذيب بعض المؤرخين والباحثين والمستشرقين اليهود، الذين يزعمون أن القدس لم يكن لها قيمة دينية أو مكانة رمزية عند المسلمين الأوائل، قبل الاهتمام بها ابتداء من عهد الحكم الأموي لاعتبارات سياسية، ثم بعد ذلك أثناء الحروب الصليبية.

وتعد فترة الحكم الروماني من أهم الفترات التاريخية لليهود في القدس، إذ تعرضوا أثناءها لأكثر من مرة لإنهاء وجودهم في المدينة، خصوصا بعد اعتناق الدولة الرومانية للمسيحية كديانة رسمية، في القرن الرابع الميلادي، مع تحميل المسيحيين لليهود، مسؤولية قتل السيد المسيح "عليه السلام"، وصلبه، كما في المعتقد المسيحي.

ويستند اليهود في مزاعمهم حول أحقيتهم في المدينة إلى عدد من النصوص الموجودة في كتبهم القديمة، كالتوراة والتلمود، ولكن الكاتب يُبدي تحفظا مهمّا في هذا الإطار، حيث يقول إنه حتى العهد القديم، بما في ذلك الأسفار الخمسة الأولى فيه، كُتِبت بعد فترة طويلة من وفاة سيدنا موسى "عليه السلام"، وأضاف عليها أحبار اليهود الكثير من التأثيرات التي تنسجم مع البيئة السياسية والزمنية التي كُتبت فيها التوراة.

التصدي لمزاعم الاستشراق اليهودي خاصة والاستشراق الغربي المتأثر بالفكر الصهيوني عامة ضرورة للانتصار في معركة القدس وحسم صراع الحق والباطل لصالحها

ثم ينتقل بعد ذلك إلى تناول مكانة القدس عند المسيحيين، والنقطة الزمنية الرئيسية التي يركز عليها الكاتب في هذا، هي مرحلة الحكم الروماني، ثم الحروب الصليبية، التي أبرزت الأهمية الدينية والتاريخية للقدس لدى المسيحيين، والتي تعود إلى أنها المنطقة التي شهدت دعوة السيد المسيح "عليه السلام"، وتآمر اليهود عليه لقتله، قبل أن يرفعه الله تعالى عنده وينجيه منهم.

ويشير خاصة هنا إلى دور بعض النخب العلمية والسياسية والمؤسسات الجامعية في تدعيم الجهود الفكرية والثقافية الرامية إلى إعادة كتابة تاريخ فلسطين والقدس وفق الدعاية الصهيونية ومزاعمها.

ويرد على هذه المزاعم بما أكدته نصوص القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة، من قيمة عظيمة للقدس الشريف والمسجد الأقصى، في الإسلام، مثل مفتتح سورة "الإسراء"، وكون المسجد الأقصى قبلة المسلمين الأولى، وتأكيد الرسول الكريم "صلى الله عليه وسلَّم"، قيمة بيت المقدس في صراع الحق والباطل مع بني إسرائيل إلى قيام الساعة

بين النشأة المسيحية والتأثيرات اليهودية
الفصل الثاني من الكتاب، حمل عنوان "الاستشراق بين النشأة المسيحية والتأثيرات اليهودية"، وخصصه الكاتب للحديث عن نشأة المفهوم وتطوره، ومظاهر التأثير اليهودي على الدراسات الاستشراقية، رغم أنه بالأساس خرج من رحم الحضارة الغربية المسيحية.

وبطبيعة الحال، ركز على تحليل مقولات المدرسة اليهودية في الاستشراق الغربي، والاستشراق اليهودي في فلسطين، وقضية مزاعم اليهود في القدس.

ومن خلال المحتوى الذي قدمه حول مفهوم الاستشراق، فإنه يمكن القول إنه جاء ضمن عملية أكبر، وهي عملية الاستعمار الغربي لأمتنا، والتي شملت العديد من الأدوات، ومن بينها الاستشراق والتبشير.

ويشير إلى أنه، حتى قبل ظهور هذا المصطلح في القرن الثامن عشر الميلادي رسميا، كما عرف في الموسوعة الأكاديمية الفرنسية، فإنه كان هناك اهتمام مبكر وثيق الصلة بالكنيسة وبرجال الدين المسيحي، بالدراسات الاستشراقية.

ويرصد الكاتب نقطة البدء في هذا الإطار عند هربرت دي أورلياك الذي كان أول بابا من أصل فرنسي، واهتم بالدراسات الاستشراقية في الأندلس، والتي كانت مصدر اهتمام أساسي لدى الأوروبيين باعتبار أنها كانت مفتاح دخول المسلمين إلى جنوب أوروبا، وبالتالي على مرمى حجر من قلب القارة الأوروبية والجزيرة البريطانية.

كما يشير إلى دور رجل الدين الفرنسي بطرس المكرم، الذي ظهر في القرن الثاني عشر الميلادي، وغيره ممن ظهروا في ذات الفترة التي علا فيها نجم صلاح الدين الأيوبي، في المشرق العربي، وصار من المهم دراسته كـ"ظاهرة استشراقية" في حد ذاته.

ورغم أنه ركز على جهود المستشرقين المسيحيين في هذا المجال، خصوصا البروتستانت، من أصحاب المذهب الأصولي المسيحي، فقد قرر أن المستشرقين والمؤرخين اليهود، عملوا على دراسة التراث الإسلامي، وفضائل بيت المقدس فيه، لسبب مهم، وهو العمل، من خلال الاجتزاء والتأويل الخاطئ، كما سبق القول، على إظهار ضعف اهتمام المسلمين بهذا المكان، وضعف أهميته لديهم.

نقد خطاب الاستشراق
الفصل الثالث من الكتاب كان بعنوان "نقد الاستشراق وتفكيك خطابه في الفكر العربي"، ويرصد فيه الكاتب جهود المفكرين العرب والمسلمين للتصدي لمزاعم الاستشراق ونقده وتفكيك خطابه، وفضح أهدافه وارتباطاته بالاستعمار الأوروبي والاحتلال الإسرائيلي المدعوم بقوى الهيمنة الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

قام المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد بدور كبير في نقد الاستشراق الغربي وفضح علاقته بالحركة الاستعمارية ضمن مشروع فكري كبير أثار جدلا واسعا في السياسة الفكرية والأكاديمية الغربية

ويركز في هذا الإطار على دور المفكر وعالم الاجتماع المصري الدكتور أنور عبد الملك، كنموذج للمفكرين العرب الذين تفاعلوا فكريا وأكاديميا في مجال نقد الاستشراق الأوروبي وفضح علاقته بالحركة الاستعمارية، خاصة الاستشراق الفرنسي.

كما أبرز مكانة وريادة المفكر الفلسطيني ذي الأصل المقدسي إدوارد سعيد، في نقد الاستشراق الغربي ضمن مشروع فكري كبير أثار جدلا واسعا في الأوساط السياسية والفكرية والأكاديمية الغربية.

ولقد كانت هناك ردود فعل غاضبة في الغرب، خصوصا في الولايات المتحدة، على مشروع سعيد خاصة، حيث كانت أصداؤه تصل أكثر من كتابات أنور عبد الملك، باعتبار أن سعيد كتب بالفرنسية والإنجليزية، وكان يعيش في الغرب.

ومن أبرز من تصدوا لمحاولات سعيد لتفكيك الخطاب الاستشراقي الغربي اليهودي المسيحي، تجاه القدس، كان برنارد لويس، ويشير إليه الكاتب باعتباره مدرسة كاملة أسست لأفكار تعارض كل ما فيه مصلحة عربية أو إسلامية، وقد تأثر به كبار رموز المشروع الصهيوني في فلسطين، مثل مناحم بيجن وإسحاق رابين، وكلاهما له تصريحات ومواقف يشير فيها إلى أنه لا قيمة للمشروع الصهيوني بدون القدس.

كما يشير الكاتب إلى أسماء أخرى لا تقل خطورة عن لويس في هذا الاتجاه، مثل مكسيم رودنسون، وأوليفييه روا، وفرانسوا بورجات، وغيرهم، وهؤلاء هم الذين أسسوا للصورة الذهنية الغربية السلبية عن الإسلام والمسلمين، وهم المسؤولون عن إظهار المسلمين والعرب في صورة "الإرهابيين"، استغلالا لملف السلفية الجهادية، والحروب التي تخوضها في مناطق عدة من العالم العربي والإسلامي.

وختاما.. دعا الكاتب من خلال خلاصات الدراسة إلى الاهتمام بما ينتجه الاستشراق الجديد من أفكار وأطروحات داعمة لوجهة النظر اليهودية حول القضية الفلسطينية عامة، والقدس على الخصوص كمقدمة لدحضها ورد افتراءاتها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك