عرض/بدر محمد بدر

تدور محاور هذا الكتاب "ديمقراطية الكربون.. السلطة السياسية في عصر النفط" حول أبعاد العلاقة بين النفط والسياسة، من حيث تأثيره في تطور الأنظمة السياسية بالعالم وعلاقتها بالديمقراطية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط الغنية بالنفط، حيث يدور الصراع السياسي ويحتدم في كثير من الدول.

التساؤل: هل هذه العلاقة سلبية أم إيجابية، وما مدى تأثير الدول الصناعية الكبرى التي تستهلك النفط في تشكيل العلاقة بين البترول وبناء أنظمة ديمقراطية حقيقية؟

مؤلف الكتاب هو رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأفريقيا بجامعة كولومبيا الأميركية المفكر البريطاني تيموثي ميتشل، وله عدة إصدارات عن منطقة الشرق الأوسط، منها "الديمقراطية والدولة في العالم العربي"، و"مصر في الخطاب الأميركي".

-العنوان: ديمقراطية الكربون
-المؤلف: تيموثي ميتشل
-المترجمان: بشير السباعي وشريف يونس
-الناشر: المركز القومي للترجمة، القاهرة
-عدد الصفحات: 432
-الطبعة: الأولى 2014

أنماط مذعنة
وفي المقدمة يقول المؤلف إن الكتابات الأميركية عن مشكلة الديمقراطية في الشرق الأوسط لا تقول سوى القليل عن العولمة الرأسمالية، والعمل الذي يجري القيام به لتحويل الناس إلى أن يكونوا "العمال المذعنين والمستهلكين الراغبين" المطلوبين لحل الأزمات الاقتصادية في الغرب، أو عن قوى الإمبراطورية التي تعتبر مشروعات الدمقرطة بالنسبة لها جزءا ضئيلا دبلوماسيا من جهود أوسع ترمي إلى دعم هيمنة أصابها الضعف، أو عن أدوات العنف والقمع التي تستخدمها القوى التي تمارس الاحتلال، أو التي تستخدمها الأنظمة العسكرية.

إن القيمة المحورية في المناقشات المتعلقة بالشرق الأوسط في الولايات المتحدة تتمثل في مسألة كيفية صنع "أنواع جديدة" من المواطن، ففي المناقشات بشأن الحرب في العراق، أو الإصلاح الاقتصادي، أو مستقبل فلسطين، أو الإسلام السياسي، أو العقبات التي تقف في وجه الدمقرطة، أو انتشار المعاداة للولايات المتحدة، أو انتفاضات 2011 يجد المرء اهتماما متواترا بمسألة كيفية إنتاج "نوع جديد" من الفاعل السياسي!

كيف يمكن خلق "ذوات سلطة" مجهزة بما يكفي لفرض حدود على السلطة، وباختصار تتساءل هذه المناقشات عن الكيفية التي يمكن بها بناء أشكال جديدة للسلطة (أي ديمقراطية تحت السيطرة الغربية)!

ويتحدث الفصل الأول عن البدايات الأولى للمفاهيم الديمقراطية في الغرب، والتي ظهرت قبل نحو مائتي عام مع بداية عصر الثورة الصناعية، واستخدام الفحم في إنتاج الطاقة بدلا من الخشب، إضافة إلى بداية ظهور الاستعمار الحديث، وهو ما أوجد الحاجة إلى نوع من المشاركة في الحكم والسلطة.

كانت السمة البارزة لنفط الشرق الأوسط على مدار القرن العشرين أنه كان على الدوام كثيرا جدا، وفي مواقع قليلة جدا، وربما هذا هو ما أدى إلى خضوعه لعملية "السيطرة" من جانب القوى الغربية السياسية والرأسمالية

لقد تمكن النمو السريع للحياة الصناعية من هدم أشكال قائمة من أنظمة السلطة والحكم، وساهم تركيز السكان في المدن وفي الإنتاج الصناعي كذلك في تعبئة قوى جديدة فاعلة في العملية الديمقراطية، خصوصا مع تنامي الاعتماد على الطاقة الناتجة من النفط بدلا من الفحم في بداية القرن العشرين، وزيادة الأعداد العاملة في هذا المجال.

نفط الشرق الأوسط
وفي الفصل الثاني يتناول المؤلف بدايات إنتاج النفط في منطقة الشرق الأوسط والجهود التي بذلتها الشركات الغربية، سواء المنتجة للفحم أو النفط للحد من إنتاج البترول أو عرقلة المزيد من الاكتشافات! في إطار عملية "سيطرة" غربية على الطاقة في المنطقة خصوصا، وفي العالم عموما.

لقد كانت السمة البارزة لنفط الشرق الأوسط على مدار القرن العشرين أنه كان على الدوام كثيرا جدا، وفي مواقع قليلة جدا، وربما هذا هو ما أدى إلى خضوعه لعملية "السيطرة" من جانب القوى الغربية السياسية والرأسمالية.

ويشير الفصل الثالث إلى أن العالم الصناعي الذي أنجبته الطاقة المستمدة من الفحم ثم البترول لاحقا كان عالما استعماريا، فبينما ساعد الفحم على تركيز غير عادي للإنتاج وللسكان في المواقع قرب مناجم الفحم حيث بدأ التصنيع فإن الحاجة إلى مواد غير متاحة في المناطق الصناعية كالقطن والسكر والمطاط والذهب قد شجعت على توسع الاستخراج المنجمي والمزارع الكبرى والاستيطان الاستعماري عبر مناطق من العالم غير الأوروبي.

وكان استخراج الفحم ونقله قد خلقا إمكانية سياسية أكثر ديمقراطية، لكن محاولة مد الرقابة الديمقراطية على طول طرق إنتاج ونقل هذه المواد تبين أنها أكثر صعوبة، فأخذت الديمقراطية تصبح مثلا أعلى دون أن تكون واقعا حقيقيا.

وفي الفصل الرابع يناقش المؤلف كيف أن أعباء التكلفة الاستعمارية في الفترة التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الأولى أدت إلى سيطرة إنجلترا وفرنسا على نفط العراق والسعودية وسوريا، وهو ما أدى إلى قيام حفنة من الشركات النفطية الغربية الكبرى بالسيطرة على نفط المنطقة.

ومع أن حقول النفط ومحطات الضخ وخطوط الأنابيب ومعامل التكرير في الشرق الأوسط قد أصبحت في تلك الفترة مواقع نضال سياسي مكثف فإنها لم تتح للمنخرطين فيها القوة اللازمة لإصابة منظومات الطاقة بالشلل، ولبناء نظام أكثر ديمقراطية.

ويشير الفصل الخامس إلى أن آبار البترول في منطقة الشرق الأوسط والترتيبات السياسية التي تم بناؤها بشأنه ساهمت في إتاحة الفرصة لبناء أشكال من الديمقراطية لعب فيها البترول دورا مركزيا، لقد تطورت السياسة الديمقراطية بفضل البترول بتوجه فريد نحو المستقبل، كان المستقبل بالفعل أفق نمو غير محدود.

وفي فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وفر نظام بنته أنابيب واتفاقات البترول واحتكارات القلة -التي وفرت إمداده وتسعيره- إطارا لسياسة الشرق الأوسط بعد الحرب حلت محل الحاجة إلى الانتداب والوصاية وبرامج التنمية الغربية وغيرها من روافع القوة الإمبراطورية.

حرب 73
ويتحدث الفصل السادس عن ظهور حكومات مستقلة عن النفوذ السياسي البريطاني والفرنسي في كل من العراق والجزائر وسوريا وليبيا، إضافة إلى أن كلا من إيران والسعودية قد بدأتا في إضعاف السيطرة الأجنبية على بترولهما، وهو ما سمح باستعمال البترول كأداة لأغراض سياسية أكبر ترمي إلى تغيير السيطرة عليه، أو تغيير جوانب أخرى في النظام السياسي في الشرق الأوسط.

وفي أزمة تدفقات البترول (73-1974) يمكن القول إن طرق السيطرة عليه قد بدأت تكتمل، ولا يمكن الجزم بمدى تدخل شركات البترول العملاقة في التخطيط لهذه التغيرات، سواء من خلال التنافس في ما بينها، أو بسبب صراعها مع الدول المنتجة، والأجندات المتغيرة لحكومة الولايات المتحدة آنذاك.

عصر الوفرة أوشك على النفاد، فالعالم يستعمل مخزونات البترول أسرع من قدرة من يطورونها على اكتشاف إمدادات جديدة، وبحلول عام 2008 كان مقدار البترول المتدفق من الحقول المنتجة بالفعل يتراجع بأكثر من 4% سنويا

ويتناول الفصل السابع تداعيات الأزمة -الناتجة عن إعلان ست دول نفطية عربية بعد 11 يوما من اندلاع حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 (السعودية والعراق وليبيا والكويت وقطر والإمارات، إضافة إلى إيران) تخفيض إمداد البترول بنسبة 5% وتهديدها بإضافة 5% أخرى كل شهر- التي أدت إلى أن تتوقف الولايات المتحدة عن عرقلة تسوية الصراع العربي-الإسرائيلي، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار البترول إلى عدة أضعاف في غضون أشهر قليلة، وأحدث ذلك زلزالا اقتصاديا غربيا، إضافة إلى الزلزال السياسي الناتج عن استخدامه كوسيلة ضغط.

أما الفصل الثامن والأخير فيؤكد فيه المؤلف على أن قضية البترول والديمقراطية أصبحت في العقود الأخيرة مرتبطة بالإسلام، ومنذ السبعينيات لعبت أشكال من "الإسلام السياسي" دورا متزايد الأهمية في سياسة الشرق الأوسط (محاولة السيطرة الوطنية على إنتاج وأسعار البترول) وبالتالي في الاقتصاد السياسي للبترول.

ويدعو المؤلف في خاتمة الكتاب إلى التقليل من الاعتماد على النفط، حيث إن عصر الوفرة أوشك على النفاد، فالعالم يستعمل مخزونات البترول أسرع من قدرة من يطورون حقوله لاكتشاف إمدادات جديدة، وبحلول عام 2008 كان مقدار البترول المتدفق من الحقول المنتجة بالفعل يتراجع بأكثر من 4% سنويا.

الخلاصة
والخلاصة أن الغرب يحتاج إلى بترول العرب لتشغيل مصانعه وآلياته، ولا يرحب بالديمقراطية في بلادهم إذا كانت ستؤثر سلبا في استمرار سيطرته على تدفق البترول إلى بلاده، والتحكم بشكل كبير في أسعاره، وربما هذا يفسر إلى حد ما وقوف الغرب ضد إرادة شعوب المنطقة ببناء أنظمة سياسية ديمقراطية حقيقية يمكن اختيارها ومحاسبتها وتغييرها، وكمثال: تأييده -إلى حد كبير- ما جرى من انقلاب عسكري ضد سلطة مدنية منتخبة ديمقراطيا في مصر، ودعمه الثورات المضادة في دول الربيع العربي البترولية (ليبيا واليمن كمثال).

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك