عرض/مركز الإعلام العربي
مع اندلاع التوترات والاضطرابات الاجتماعية في بعض دول العالم، لأسباب تتعلق بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعوب، عاد الحديث عن قضية الرفاه الاجتماعي ودور الدول في تقديم الرعاية الاجتماعية لشعوبها، إلى الأدبيات الغربية.

والرعاية الاجتماعية هي نظام متخصص في قيادة وتوجيه عملية التغيُّر الاجتماعي، وهي وفق المتخصصين، نظام لإحداث تغيير واسع النطاق وشامل.

وتهدف الرعاية الاجتماعية إلى تأمين مستوى مناسب من الحياة لكافة أفراد المجتمع، وهي -أيضا- وسيلة أساسية لتحقيق التوازن والاستقرار الاجتماعي، ولكن من خلال منظور حركي.

-العنوان: دولة الرعاية الاجتماعية في القرن العشرين.. تجارب الأمم المتقدمة في تكريم الإنسان
-المؤلف: جون ديكسون، روبرت شيريل، وآخرون
-ترجمة: سارة الذيب
-الناشر: المؤسسة العربية للأبحاث والنشر، بيروت
-عدد الصفحات: 335
-الطبعة: الأولى، 2014
ويتحدد محتوى نظام الرعاية الاجتماعية في عدة نماذج أو أنساق للتدخل من جانب الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، وهي: تحليل وتخطيط الرعاية الاجتماعية، وبرامج الأمان الاقتصادي، والخدمات الاجتماعية، والإدارة في الرعاية الاجتماعية، والعمل الاجتماعي.

وبين أيدينا كتاب بعنوان "دولة الرعاية الاجتماعية في القرن العشرين.. تجارب الأمم المتقدمة في تكريم الإنسان" يتناول هذه المسألة في تسعة فصول من خلال نماذج لتجارب مؤسسات الرعاية الاجتماعية في ثماني دول، ست منها دول متقدمة اقتصاديّا، وهي: أستراليا وكندا وفرنسا والسويد والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، ودولتان ناميتان وهما: البرازيل وزيمبابوي.

ويقدم الكاتب هذه التجارب من أجل تأكيد حقيقة مهمة مفادها أن الرعاية الاجتماعية هي أحد أهم أشكال تقدم الدولة، كما يتناول في هذا الإطار، كخلفية تاريخية ومفاهيمية، تطور قضية الرعاية الاجتماعية ومؤسساتها، في العالم، خلال القرن العشرين.

ويرصد الكاتب التطورات والمسارات التي اتخذتها سياسات الرعاية الاجتماعية في هذه الدول الثماني، في مدى زمنيٍّ يمتد من تسعينيات القرن الـ19 وحتى تسعينيات القرن العشرين، والتحولات التي أدت إليها مجموعة من العوامل في كل بلد منها، إلى تغير سياسات الرعاية الاجتماعية، بما في ذلك تبدل الحكومات، وخصوصا في البلدان الديمقراطية، حيث تشكل عملية تغيُّر الحكومات، من حكومات يمين إلى يسار ووسط، أو العكس، عاملا بالغ الأهمية في تحديد صيرورات السياسات الاقتصادية والاجتماعية العامة.

ففي الدول الديمقراطية التي تملك بنية مجتمعية وسياسية متقدمة، تشكل برامج الأحزاب بوصلة سياسات الحكومات ما بعد الانتخابات، وتختلف نظرة ووسائل تعاطي برامج الأحزاب اليمينية عن اليسارية والاجتماعية، فيما يتعلق بمسألة الرفاه الاجتماعي والرعاية الاجتماعية، حيث تكون الأحزاب اليسارية أكثر اهتماما بهذه الأمور من اليمينية التي تهتم في برامجها الاقتصادية بالأمور المتعلقة بالإصلاحات الضريبية.

وبالرغم من تبايُن الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لكلٍّ من هذه النماذج التي تناولها الكاتب، تبقى حقيقة وجود قواسم عديدة مشتركة بين تجاربها جميعا فيما يتعلق بقضية الرعاية الاجتماعية.

فعلى مستوى الفئات المستهدفة، فإن هناك شرائح عدة تكون موضوعة على قائمة الأولويات في هذا الإطار، وهي العمال، والشرائح الأقل قدرة وتمكينا في المجتمع، مثل النساء والأطفال، وخصوصا الأمهات من النساء، والأيتام من الأطفال، بجانب كبار السن بطبيعة الحال.

الرعاية الاجتماعية إطار شامل لمختلف فئات المجتمع، ولا يتوقف عند فئة دون غيرها، لأن هدفها هو النهوض بالمجتمع ككل، وتحقيق الحد الأدنى من مستوى المعيشة الذي يضمن الكرامة الإنسانية لمختلف فئات المجتمع
ولكن ثمَّة ملاحظة مهمة في هذا الإطار، وهي أن الرعاية الاجتماعية إطار شامل لمختلف فئات المجتمع، ولا يتوقف عند فئة دون غيرها، لأن هدف الرعاية الاجتماعية هو النهوض بالمجتمع ككل، وتحقيق الحد الأدنى من مستوى المعيشة الذي يضمن الكرامة الإنسانية لمختلف فئات المجتمع، أما الفئات السابقة، فهي الفئات الأكثر أولوية أو استحقاقا للرعاية الاجتماعية.

وتتنوع الأدوات التي يتم التعامل بها في سبيل تحقيق الرعاية الاجتماعية المثلى، بتنوُّع الفئة المستهدفة، فهناك المعاشات، وهي لكبار السن، وكذلك للأمهات والمعاقين، وهناك معاشات البطالة، وهناك التأمين الصحي الذي قد يكون لعموم المجتمع ككل، أو للفئات المعوزة، وفق طبيعة المنظومة التي تتبناها الدولة المعنية في مجال الرعاية الاجتماعية.

وبناء على ما تقدم، وبالرغم من غلبة الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لسياسات الرعاية الاجتماعية، فإنها تبقى في جانب كبير منها ذات طابع سياسي.

وقد اتضح ذلك في واقع الأمر، في أجلى صوره، في الفترات الأولى لتطبيق التجربة الرأسمالية في البلدان الغربية المتقدمة.

ففي البداية، أدت سياسات الرأسمالية المتوحشة غير المنضبطة بأي ضابط اجتماعي، إلى العديد من الاضطرابات الاجتماعية، والتي قادتها فئة العمال، وانضمت إليها الفئات المعوزة اقتصاديّا واجتماعيّا.

وكانت هذه الاضطرابات بمظاهرها وأسبابها، مادة شديدة الأهمية ألهمت عددا كبيرا من الأدباء، مثل "تشارلز ديكنز"، وعلماء الاجتماع، مثل "هربرت جورج ويلز"، للتعبير عنها، وتحليلها، في محاولة للوصول إلى أسبابها.

وكانت كذلك مصدر إلهام للعديد من الأحزاب الاشتراكية، التي ظهرت في أوروبا، بعد انتشار الشيوعية الماركسية اللينينية، وبدأت هذه الأحزاب، وكان نموذجها الأبرز، حزب العمال في بريطانيا، في كسب أرضية جماهيرية كبيرة، وشعبية استمدتها من الجماهير المظلومة.

وبالتالي، قادت هذه التحولات المجتمعية التي تترتب في الغالب على التحولات الاقتصادية، كقانون مهم من قوانين العمران البشري، إلى تحولات سياسية مهمة، حيث سعت الأحزاب والقوى المحافظة والرأسماليون، إلى تدارك الموقف، فظهرت الرأسمالية الاجتماعية، وصارت سياسات الرعاية الاجتماعية والرفاه الاجتماعي، على رأس أولويات وبرامج الأحزاب والحكومات التي تفرزها.

ومن خلال الخريطة الزمنية التي رسمها الكاتب لتطور سياسات الرعاية الاجتماعية والرفاه الاجتماعي في التجارب التي أوردها، وخصوصا في بلدان الغرب والدول المتقدمة اقتصاديّا واجتماعيّا، تبين أن هذا الأمر تكرر بشكل أو بآخر، وخصوصا في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا.

وهي الدول بدأت فيها التجربة الرأسمالية الصناعية مبكرا عن غيرها، أما البلدان التي بدأت تجربتها متأخرة عنها، مثل السويد وكندا، فإنها بدأت من حيث انتهت هذه البلدان، وتعلمت من الدروس التي مرت بها، ولذلك فإنها بدأت منذ البداية بإقرار سياسة متكاملة للرفاه الاجتماعي.

ولا تختلف التجربة كثيرا في بلدان العالم الثالث، سواء الآخذة في النمو منها، مثل البرازيل، أو الأقل نموّا، مثل زيمبابوي وإن كان الجانب التطبيقي تعوزه الكثير من الأمور لاستكمال الإطار المتكامل الذي يضمن تحقيق الحد الأدنى من مستويات التمكين الاجتماعي والمعيشة الكريمة للفئات الأكثر فقرا واحتياجا.

وتلفت تجربتا زيمبابوي والبرازيل النظر -على تباين المستوى السياسي والمجتمعي بين البلدَيْن- إلى حقيقة شديدة الأهمية، وهي أن المقومات الاقتصادية والأحوال الاقتصادية لأي مجتمع، هي العامل الأكبر لنجاح أو فشل سياسات الرعاية الاجتماعية في هذا البلد.
هناك عوامل حاكمة تلعب دورا مهما في تحسين أو تراجع مستوى الرفاه الاجتماعي والعدالة الاجتماعية في أي مجتمع، ومن أهم هذه العوامل: الخصخصة واللا مركزية والحروب
 
فعندما يكون البلد فقيرا في موارده الاقتصادية، وفقيرا في حجم اقتصاده، فإنه يعجز عن توفير الخدمات الاجتماعية الأهم لمواطنيه، بما في ذلك الخدمات العامة، مثل الصحة والتعليم والمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي، وغير ذلك.

وكلما ازداد تخلف المجتمع سياسيّا، فإنه يعجز عن تطوير سياسات اقتصادية وتنموية أكثر شمولية، تجعل لديه إمكانات أكثر للنهوض بالمجتمع، وتحقيق الرفاهية المطلوبة.

ومن خلال تقييم التجارب التي ذكرها الكاتب، فإن هناك عوامل حاكمة تلعب دورها في تحسين مستوى الرفاه الاجتماعي والعدالة الاجتماعية من عدمه في أي مجتمع.

ومن أهم هذه العوامل، الخصخصة واللامركزية، حيث إن كلتَيْهما يعني تخلي الدولة عن جانب من أدوارها لصالح القطاع الخاص، في الخصخصة، والحكومات المحلية عند تطبيق نظام اللامركزية.

والدولة هي- بطبيعة الحال- الطرف الذي يقوم بتطبيق سياسات العدالة والرعاية الاجتماعية، لأن الأخيرة تتضمن توزيع الثروة والعوائد الاقتصادية بشكل ما، على المجتمع، وزيادة مخصصات على حساب مخصصات، وهو ما لا يمكن تركه للأفراد بدون ضوابط، بالإضافة إلى أن الرعاية الاجتماعية جزء من سياسات الاقتصاد الكلي، وهي مناط الدولة بالأساس.

العامل الآخر الذي يضعف من سياسات الرعاية الاجتماعية، هي الحروب، حيث إن الحرب تجعل الدولة أكثر ميلا إلى توظيف الموارد الاقتصادية لصالح المجهود الحربي، وحتى لو تبنت الدولة سياسات رعاية اجتماعية بشكل أو بآخر، فإنها تكون في غالبية الأحوال موجهة إلى الفئات الأكثر تضررا من الحرب، مثل المعاقين والمصابين والمُهجَّرين من السكان المدنيين من جبهات الحروب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك