عرض/شرين يونس

تقدم مؤلفة الكتاب رؤيتها لإيجاد سبل لكسر الجدار الذي يفصل الشعوب الأفريقية عن العدالة والثراء والسلام والاحترام، وهي الرؤية التي بلورتها في سنوات عملها التي تزيد على ثلاثين عاما، سواء من خلال خبرتها في العمل بحركة الحزام الأخضر، أو خدمتها بالحكومة الكينية ومشاركتها في العديد من الجهود الدولية لمساعدة أفريقيا وحماية البيئة.

وترى المؤلفة أن التحديات التي تواجه أفريقيا لا تنبع من السياسات الوطنية والدولية فحسب -على أهميتها- بل هي أخلاقية وروحية وثقافية، ونفسية من حيث طبيعتها.

وينقسم كتاب "أفريقيا والتحدي" إلى خمسة أقسام: الوجه المعاصر والخلفية الثقافية والتاريخية للتحديات، والبيئة الاقتصادية والسياسية والدولية لهذه التحديات وأبعادها، وتحدي القيادة والحكم الرشيد، والعلاقة المركبة وذات الإشكالية بين الهوية العرقية والدولة القومية في أفريقيا الحديثة، ومحورية البيئة لتحديات التنمية في أفريقيا والحلول لها، بالإضافة إلى فصل أخير حول التحديات التي تواجه الأفارقة كأفراد في الداخل والخارج.

إرث الويلات
من بين المآسي الكبرى التي تعرضت لها أفريقيا ما بعد الاستعمار وثوق الشعوب الأفريقية بقادتها، وافتقارها إلى القيادة ذات المبادئ والأخلاق.

-العنوان: أفريقيا والتحدي
-المؤلف: وانغاري ماثاي
-المترجم: أشرف محمد كيلاني
-الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت
-الطبعة: الأولي،2014

وتشير الكاتبة إلى عدد من العوامل التي توضح السبب وراء استمرار العجز الملاحظ في القيادة لدى القارة، من ضمنها إرث الاستعمار، والحرب الباردة، وهياكل الحكم بعد الاستعمار، والتدمير الثقافي.

فعلى مدى خمسة قرون ظل العالم الخارجي يصدر صورة سلبية للأفارقة عن أنفسهم، موصوفة بالتخلف والبدائية، ولم يحدث إلا في وقت قريب نسبيا فقط أن أخذ عمل علماء الآثار والمؤرخين يحل ببطء محل التصورات الأوروبية المسبقة.

وتبرر الكاتبة هذا الضعف من قبل المجتمعات الأفريقية أمام القوى الأوروبية، بجشع القيادة الأفريقية ومردود تجارة الرقيق، وإغراء منتجات الثورة الصناعية، والتقدم في الطب الغربي، إضافة إلى قوة البندقية التي كانت وسيلة لإرهاب الأهالي.

ورغم مقاومة الكثير من الأمم الأفريقية للتدخل والاستحواذ الأجنبي، فإن النظم القانونية والاقتصادية التي فرضتها القوى الإمبريالية كان لها أكبر سلطة على أبناء البلاد التي جرى إخضاعها على مستوى العالم.

كما كان للاطلاع على الإنجيل دوره، والذي أنتج -مهما كان حسن نية المبشرين- مركب نقص ثقافي عميق بين المهتدين الأفارقة، إضافة إلى سطو البندقية، وأيضا سحر المنتجات الحديثة كالملابس القطنية والصابون والملح والسكر، والحجارة والإسمنت، والأدوات المنزلية، وكانت جميعها رموزا فعالة للصورة الذاتية للدخلاء وسطوتهم، وجرى تقبلها كعلامات للحداثة وعراقة الأصل والنجاح.

وتواصلت عملية المحو الثقافي بعد الاستقلال مع استمرار الانقسام بين النخب الأفريقية الجديدة والشعوب التي تحكمها في الاتساع، واحتفظت الكثير من الدول الأفريقية الجديدة بالعديد من مقومات الحكم الاستعماري التي استخدمها قادتها مثلما فعل المستعمرون لتحقيق الغايات نفسها.

الكرسي ثلاثي الأرجل
في محاولة لشرح فلسفتها، تشير المؤلفة إلى ما أسمته بالكرسي الأفريقي ثلاثي الأرجل، والذي يتكون من مقعد وثلاث أرجل، تمثل الرجل الأولى الحيز الديمقراطي، حيث تحترم الحقوق، وترمز الرجل الثانية إلى الإدارة المستدامة والمسؤولة عن الموارد الطبيعية، بينما ترمز الرجل الثالثة إلى ما تسميه ثقافات السلام والتي تتخذ شكل النزاهة والاحترام والحنو والصفح والتعويض والعدالة.

ومن المهم الإقرار بأنه عندما يكون واحد أو أكثر من الأعمدة الثلاثة غائبا، فقد لا يتعرض المال للتبديد فقط أو يكون له تأثير مؤقت فحسب، بل قد يسهم أيضا في عدم الاستقرار المتواصل لذلك المجتمع.

وتؤكد الباحثة أنه من دون مشاركة المواطن والمجتمع المدني النشط، يكون مستقبل التنمية المستدامة العادلة قاتما.

تشير الكاتبة إلى عدد من العوامل التي تقف وراء استمرار العجز الملاحظ في القيادة لدى القارة من ضمنها إرث الاستعمار، والحرب الباردة، وهياكل الحكم بعد الاستعمار، والتدمير الثقافي

تنتقل المؤلفة للحديث عن المساعدات ومتلازمة التبعية، ذاكرة أن الافتقار إلى التدابير الوقائية والتوعية بشأن الملاريا والأمراض الأخرى هو مثال للمشكلات المحورية الثلاث في تقديم مساعدات التنمية، والتي تتمثل في: أولا، غالبا ما لا تكون الحكومات الأفريقية والأفراد أنفسهم شركاء نشيطين في التنمية. ثانيا، إمكانية استحضار المساعدات لثقافة التبعية. وأخيرا، استمرار عقلية الأزمة التي تؤكد أن النتائج المباشرة أفضل من الوقاية طويلة الأجل.

وترى المؤلفة أنه إذا لم يدرك الشعب أنه من المتوقع منه تمكين نفسه بعد رحيل المانحين، فلن يتخذ الخطوات المناسبة، لأنه لن يدرك قيمة المساعدات التي قدمت له، وبالتالي لا بد من تحديد أهداف وأولويات للتنمية.

من ناحية أخرى، تتحدث الباحثة عن إخفاق الحكومات الأفريقية في تنويع اقتصاداتها، حيث لا تزال تعتمد اقتصاداتها في معظمها على إنتاج السلع مثل البترول والمعادن، وبيع المحاصيل كالقهوة والشاي وقصب السكر والجوز.

وترى المؤلفة أن إحدى طرق تقديم المساعدة من قبل أصدقاء أفريقيا تتمثل في إتاحة التعليم في مجالات العلوم والتكنولوجيا في البلدان الأفريقية، مع المساعدات الفنية المطلوبة، وزيادة قدرات الشباب الأفريقي وتشجيع الإبداع، ونقل التكنولوجيا مع إعطاء الأولوية للتكنولوجيا الخضراء، لإعادة تقويم الاختلال في توازن النظام التجاري الدولي لصالح أفريقيا.

كما إن إحدى السبل المتاحة أمام أفريقيا للحصول على اتفاق أفضل في منظمة التجارة العالمية أو ميادين العمل الأخرى هي ترابطها معا كقارة أو في أقاليم.

إدارة الآلة الاجتماعية
تتطرق المؤلفة إلى ما اعتبرته أكبر مشكلة غير معترف بها في أفريقيا اليوم وهي عدم التمكين، سواء بسبب الافتقار إلى الثقة بالنفس أو اللامبالاة أو الخوف أو العجز، حيث يبدو من السهل ترك حياة المرء في أيدي طرف ثالث، فتصبح متلازمة التبعية في النهاية عنق زجاجة حقيقيا للتنمية.

وعندما يصبح الفساد مع الابتزاز والسرقة الأكثر اعتيادا، تحدث الآلة الاجتماعية صريرا حتى تتوقف، وتصبح هناك ضرورة لتدابير ملموسة يمكن للحكومة اتخاذها لإحداث ثورة مطلوبة في الأخلاق.

من تلك التدابير التي تقترحها المؤلفة إدراك الأفارقة أن الأمر لم يكن على هذا السوء دائما، وأن أجدادهم اتصفوا بالأمانة والنزاهة والعدالة، وبالإيمان بقدراتهم على صياغة المستقبل، إضافة إلى إعطاء الأولوية لتعليم الأطفال، وتضمين قيم العمل الجاد والأمانة والنزاهة والمسؤولية كجزء في المنهج الدراسي، إضافة إلى تقوية دور المجتمع المدني في مساءلة الحكومة عن احتياجات الشعب، والتواصل مع الشعب عندما تتبنى الحكومة سياسات نافعة.

وهناك تحد تواجهه أجزاء كثيرة من أفريقيا من حيث ثقافتها، هو إعادة اكتشاف تراثها الثقافي، واستخدامه لإعادة ارتباطها بالماضي والمساعدة في توجيه تنميتها السياسية والروحية والاقتصادية والاجتماعية.

وتشير المؤلفة إلى مجهودات بدأت أخيرا بالإقرار بالأوجه المتعددة للثقافة في أفريقيا ودورها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتوصل خبراء البيئة والمؤسسات الدولية إلى دور محورية الثقافة في حماية التنوع البيولوجي.

وما يجب على الأفارقة تنفيذه قدر استطاعتهم هو استرداد تعاطفهم مع ماضيهم الذي لن يكون سهلا، وأن يستغني الأفارقة عما يطلق عليه ثقافة النسيان التي أحاطت بأفريقيا منذ الاستعمار.

أزمة الهوية الوطنية
لم يفهم معظم الأفارقة أو يرتبطوا بالدول القومية التي أنشئت لهم من قبل القوى الاستعمارية، وفهموا وارتبطوا وظلوا مرتبطين بالحدود الطبيعية والنفسية لدولهم المجهرية، وكانت النتيجة نوعا من الفصام السياسي على نحو أضر بالدولة الكبيرة الأوسع.

تقترح المؤلفة وقف استنزاف العقول الأفريقية، من خلال العمل على تحسين نوعية الحياة والإدارة في أفريقيا، وتعميق وتعزيز العلاقات مع الذين يغادرون أفريقيا وتوفير أنظمة ومؤسسات لدعم الأفارقة خارج القارة

وفى تاريخ أفريقيا الحديث ربما لم تبذل أي محاولة حقيقية لخلق ثقافة وطنية شاملة، مستمدة من ثراء الدول المجهرية داخل الحدود الوطنية، عدا ما حدث بجنوب أفريقيا بعد التمييز العنصري.

وترى الباحثة أن الأحزاب السياسية يجب أن تتشكل حول مجموعة من المبادئ والقيم بدلا من الجنس أو العرق أو عبادة الفرد المتركزة على أحد القادة، ومن الضروري أن يتبنى مواطنو أفريقيا وقادتهم إحياء ثقافات ولغات وقيم دولهم المجهرية، واستخلاص أفضل ما فيها لخلق هوية وطنية، لتكون الدول القومية ممثلة لتنوع شعوبها المتميزة وإنجازاتها على نحو أشمل.

وعلى القادة السياسيين الأفارقة تكريس الوقت والطاقة والموارد لضمان الحرية الشاملة والأمن والتوزيع العادل للأصول، وتشجيع النخب على الحديث باللغات الأم.

التنمية والبيئة
تؤكد المؤلفة أنه إذا كنا جادين بشأن توليد ثقافات للسلام في أفريقيا، فلا بد أن تكون حماية البيئة وإعادة تأهيلها أولوية، مع ضرورة إنهاء بعض الممارسات الخاطئة، كالزراعات الأحادية ووقف مسيرة التصحر، وإنقاذ الغابات، وتطبيق البصمة البيئية.

وتشير إلى عدم إمكانية المقايضة بين البيئة والتنمية، وضرورة وجود توازن جيد بين الاثنين، مؤكدة أن الحكومات الأفريقية لم تقم بإعطاء الأولوية للقطاع البيئي من حيث تخصيص ميزانية له أو جعله نقطة محورية للنقاش البرلماني أو وضع السياسات.

وأخيرا تضع المؤلفة عددا من الأساليب لتمكين الأشخاص العاديين، منها ضرورة الإبقاء على الأسر الأفريقية سليمة، وإعادة الرجل الأفريقي الذي هاجر للبحث عن عمل إلى أسرته، ووقف استنزاف العقول الأفريقية من خلال العمل على تحسين نوعية الحياة والإدارة في أفريقيا، وتعميق وتعزيز العلاقات مع الذين يغادرون أفريقيا وتوفير أنظمة ومؤسسات لدعم الأفارقة خارج القارة لتمكينهم من التكيف مع بيئتهم الجديدة بنجاح، وتقديم المزيد من التيسيرات للأفارقة العائدين لإقامة المشاريع أو ممارسة تطبيق ما تعلموه خارج وطنهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك