عرض/مرح البقاعي

توثّق جوليا أنغوين -المراسلة السابقة لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية- في كتابها "أمّة قيد التفتيش" الصادر في فبراير/شباط 2014 وهو الأكثر مبيعا مؤخرا في الأسواق الأميركية، توثّق للآلية التي تتبعها الشركات الكبرى والحكومات من أجل جمع المعلومات الشخصية التي يستعملها الأفراد على الإنترنت، وكيفية استخدامها، ومدى التأثير السيئ لهذا الانتهاك على حياتهم.

واستندت أنغوين في التأكيد على ذلك بحوادث حقيقية منها على سبيل المثال اكتشاف أحد الأميركيين العرب واسمه ياسر عفيفي أن هواتفه وإيميلاته وحتى سيارته مراقبة من قبل المخابرات الفدرالية (إف بي آي) والسبب هو تعليق مسيء نشره أحد أصدقائه على صفحته الشخصية على حساب ريديت للتواصل الاجتماعي.

إن نظرة معمّقة لمعرفة من يراقبك، وما هي المعلومات التي من المتوقع أن تُجمع عنك من خلال شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والبطاقات والهواتف الذكية، وما هي الجهات أو الأشخاص الذين يقومون بجمع هذه المعلومات، إن نظرة من هذه الزاوية ستؤكد لك تماما أنك قيد التفتيش الإلكتروني باستمرار.

-العنوان: أمّة قيد التفتيش
-المؤلفة: جوليا أنغوين
-الناشر: تايمز
-عدد الصفحات: 304
-الطبعة: فبراير/شباط 2014

فالإعلانات التي تظهر على شاشة الكمبيوتر حين نتصفح مواقع بعينها  وهي غالبا متوالية من الإعلانات التجارية تلاحقك خلال التجول في فضاء الإنترنت بين موقع وآخر، وتستمر في ملاحقتك دون هوادة، وكذا هواتفنا الذكية وسياراتنا التي تحدّد من خلال خدمة الجي بي إس موقعنا الجغرافي بدقة متناهية والمسار الذي نتحرك فيه ووجهتنا التالية، وهي بإمكانها أيضا أن تبحث لنا عن المحلات التجارية والمطاعم ومحطات البنزين الموجودة من حولنا في البقعة الجغرافية التي نتحرك فيها في الوقت نفسه الذي تتيح للآخرين تتبعنا ومعرفة أين نحن تماما.

حتى أن الحكومة الفدرالية في الولايات المتحدة قامت مؤخرا بعملية ضخمة للمراقبة وجمع المعلومات والبيانات الشخصية عبر الإنترنت وهواتفنا المحمولة.

تكتب أنغوين تقاريرها المتضمنة في كتاب "أمة قيد التفتيش" من الخطوط الأمامية لاقتصاد الرقابة في الولايات المتحدة، وتقدّم لنا -كصحفية تخطّ التفاصيل في كتابها من أرض الواقع- رؤية مثيرة للقلق والتحفّظ حول كيفية قيام الحكومات والشركات الخاصة، وحتى المجرمين، باستخدام التكنولوجيا لاقتحام خصوصيتنا وجمع أكبر كمية من البيانات والمعلومات عن الأشخاص المستهدفين أو غير المستهدفين بشكل جمعي وعشوائي في معظم الأحيان.

وترى أنغوين أنه في عالم يمكن مراقبتنا ومعرفة ما نقوم به حتى خلف جدران منازلنا وغرفنا الخاصة بحيث لم نعد نستطيع أن نخفي أي سر لا نريد مشاركة الآخرين به، وحيث يمكن أيضا لقراصنة الإنترنت انتحال شخصيتنا والسيطرة على حساباتنا الإلكترونية والمصرفية بما قد ينتهي بنا أحيانا في مخافر الشرطة دون أن يكون لنا يد في أي اختراق للقانون أو جرم ارتكبناه، في هذا العالم الرقمي الجديد ترى أنغوين أن الخطر الأكبر الذي تمثله حالة المراقبة العولمية التي نعيشها هو أن نبدأ بامتصاص هذه الحالة والتعامل معها على أنها واقع لا بد منه بحيث تؤثر بشكل مباشر على سلوكنا الشخصي، فنبدأ برقابة ذاتية على أفكارنا وكلماتنا وحواراتنا عبر الإنترنت ووسائل الاتصال الإلكترونية والفضائية حتى نصل إلى مرحلة فقداننا للحرية التي تميزنا كأفراد مستقلين.

وتشاركنا أنغوين تجربتها الشخصية في حماية معلوماتها وبياناتها من التعرّض للجمع من جهات بعينها، أو القرصنة والسرقة من مجرمي الفضاء الإلكتروني، فتفيد أنه من ضمن الإجراءات الوقائية التي اتخذتها كانت امتناعها عن استعمال محرك البحث غوغل أو حملها لهاتف نقال من نوع بورنرز وهو من فئة الهواتف التي تستعمل لمرة واحدة ولا تخزّن المعلومات والبيانات الشخصية.

اكتشف أحد الأميركيين العرب واسمه ياسر عفيفي أن هواتفه وإيميلاته وحتى سيارته مراقبة من قبل المخابرات الفدرالية، السبب هو تعليق مسيء نشره أحد أصدقائه على صفحته الشخصية على حساب ريديت للتواصل الاجتماعي

اختراق الخصوصية
في شهر فبراير/شباط من العام 2014 أطلقت شركة غوغل في أسواق الولايات المتحدة حصرا، وبعدد محدود جدا وسعر مرتفع، نظارات غوغل الإلكترونية التي شكّلت في حينها خبرا تقدّم أخبار الاقتصاد والتكنولوجيا في العالم. تحتوي نظارات غوغل على كاميرا وميكروفون، وتتصل بالإنترنت بتقنية "واي فاي" أو "بلوتوث"، وتتيح لمن يرتديها قراءة البريد الإلكتروني، ومتابعة شبكات التواصل الاجتماعي، وتصفح الإنترنت دون الحاجة إلى شاشة كمبيوتر.

وتتميز بوجود لوحة تعمل باللمس على جانبها تسمح للمستخدم بتصفح القوائم والخيارات، فضلا عن إمكانية التحكم بالوظائف عبر الأوامر الصوتية وحركات الرأس. لكن من الصادم أن مسألة الخصوصية وأمن المعلومات قد أثيرت على نطاق واسع حال إطلاق هذه النظارات في الأسواق الأميركية.

وقد بدأت إثارة موضوع الخصوصية في عقر دار غوغل المنتج الحصري لهذه النظارات، حتى أن الشركة منعت موظفيها من ارتداء النظارات الذكية خلال اجتماعاتها، فللنظارات القدرة على التصوير وتسجيل الصوت وحتى إرسال ما يتم تصويره مباشرة إلى أية جهة في العالم.

تقرّ أنغوين في سياق كتابها أنه مما يُخشى حقا أننا نقوم بخلق إطار واسع ومقونن لنظم السيطرة الشمولية.

وتشير إلى أن النظم الآلية لجمع البيانات وتحليلها، جنبا إلى جنب مع قوانين الخصوصية التي عفا عليها الزمن ولم تتطور بسرعة تطور التكنولوجيا وعالم المعلوماتية، قد تؤدي في بعض الحالات إلى أن أبرياء يمكن أن ينتهي الأمر بهم على قائمة المطلوبين أو الممنوعين من السفر إذا أشار برنامج التعرف على الوجوه للقبض على حاملي الهويات المزورة إلى عدم تطابق مواصفات الوجه مع الصورة على الهوية، وأن أي التباس أو عدم تطابق للمعلومات يحدث في هذا الشأن يمكن أن يحيل المواطن البريء إلى موقع الاتهام ويصبح بحاجة لإثبات براءته من تهمة لم يقم بها.

ففي مدينة ماساتشوستس تخضع رخص قيادة السيارات لبرنامج رقمي للتعرف على الوجه ومدى تطابق ملامحه مع الهوية، وإذا أشار البرنامج إلى عدم تطابق يمكن أن يحيل صاحب الهوية المشكوك بها إلى قائمة الممنوعين من السفر وغالبا لا يتم شطب الاسم إذا كان هناك أي التباس إلا من خلال إجراءات معقدة وطويلة تحيل حياة المواطن أحيانا إلى كابوس حقيقي ريثما يستعيد حقه في التجوّل والسفر لا سيما جوا وعبر الحدود الدولية.

هذا الكتاب هو دراسة موضوعية تستلهم الواقع العصري والمعاش اليومي وتبرز كم يفتقر عالم الرأسمالية الرقمية إلى نقد راديكالي لمنظومته، بتقنياتها وإجراءاتها المعتمدة

والأمر ما زال موقع جدل كبير فيما إذا كانت هذه المنهجية المتبعة في جمع البيانات قادرة على حماية المواطنين وتحقيق الأمن والسلامة العامة. فواقع الأمر يثبت أن وكالة الاستخبارات الأميركية لم تتمكن من جمع معلومات كافية عن عدد من العمليات الإرهابية قبل حدوثها على الرغم من اتساع نطاق آلة جمع البيانات والمعلومات.

تخلص أنغوين إلى أن الاقتصاد العولمي بنسخته الرقمية أصبح بحاجة ماسة إلى تشريعات تحمي الخصوصية وقادرة على كبح جماح تجاوزات اقتصاد المعلومات. وهي حاليا تعتبر قاصرة عن حماية حقوق من هم أقل ثقافة تكنولوجية وكذلك أولئك الذين يقعون ضحية لجهات تقوم بجمع بياناتهم الشخصية وتستعملها في نطاق يخرق خصوصيتهم وحقوقهم كمواطنين ويعرضهم أحيانا لمساءلات قانونية دونما تجاوزات ارتكبوها.

كتاب "أمة قيد التفتيش" هو دراسة موضوعية تستلهم الواقع العصري والمعاش اليومي وتبرز كم يفتقر عالم الرأسمالية الرقمية إلى نقد راديكالي لمنظومته، بتقنياتها وإجراءاتها المعتمدة، والتي بحاجة إلى تطوير يواكب سرعة انتشار المعلومات في المكان والزمان الفضائي، في الوقت الذي تتعرّض فيه الخصوصية الفردية للاختراق والتداول المغرض من بعض الجهات الحكومية والشركات الاحتكارية الكبرى واللاعبين الأقوى والأقدر في هذا العالم الافتراضي الموازي للعالم الأرضي للقرن الحادي والعشرين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك