عرض/حسين عبد العزيز
يقدم هذا الكتاب اتجاهات الرأي العام العربي نحو الديمقراطية: تحليل نتائج الدراسة الميدانية، عرضا وتحليلا لنتائج المسح الاجتماعي للاتجاهات السائدة في المجتمع العربي حول الديمقراطية، الذي قام به مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع مؤسسات عربية أخرى، ومقارنتها بنتائج دراسات ومسوح مماثلة جرت سابقا لقياس مدى التحولات التي يشهدها المجتمع العربي تجاه الديمقراطية.

المفهوم والمكونات
تكشف نتائج المسح حول الديمقراطية أن المفاهيم والقيم الديمقراطية التي أصبحت مكونا رئيسيا في الفكر العربي هي أيضا ذات قبول وانتشار على مستوى الثقافة الشعبية من خلال قوة الاتجاهات المعبرة عنها بين أفراد العينة التي شملت الأقطار العربية.

يؤكد المؤلف أن نتائج الاستطلاع عكست العديد من البيانات المهمة التي يمكن أن تكون أداة أساسية في أي نقاش حول الديمقراطية، ومن أهم هذه النتائج أن أكثرية المواطنين العرب (90% من المستجوبين) قادرون على تقديم تعريف لمفهوم الديمقراطية تعريفا ذا مضمون ومحتوى.

-العنوان: اتجاهات الرأي العام العربي نحو الديمقراطية
-المؤلف : يوسف محمد جمعة الصواني
-الناشر : مركز دراسات الوحدة العربية
-الصفحات : 222
-الطبعة: الأولى، 2014

كانت أكثرية المواطنين في العينة المستطلعة تركز على تعريفات في إطار الثلاثية المعتمدة على حرية الرأي والحريات السياسية والمدنية وتطبيق مبدأ المواطنة، أما في ما يتعلق بتعريفات المستجوبين للديمقراطية المشتقة من شكل النظام السياسي، فأفاد 12-30% بأن تعريف الديمقراطية يرتكز على تعريفين مثل تداول السلطة وأن يحكم الشعب بنفسه، أو فصل السلطات وتوازنها في إطار المساءلة والمراقبة.

وإضافة إلى تعريف الديمقراطية بناء على النموذجين السابقين، أظهرت النتائج أن لدى المواطنين العرب تعريفات متعددة للديمقراطية معتمدة على أساس سوسيولوجي واقتصادي مثل العدالة الاجتماعية والاقتصادية، كما تضمنت إجابات المستجوبين تعريفا رابعا لكنه الأقل من ناحية عدد الإجابات وهي تعريف الديمقراطية بتحقيق الأمان والاستقرار.

تنبع أهمية هذا المسح من ناحيتين:
ـ مدى مطابقة نتائج المسح هذا للمسوحات السابقة بما يحدد درجة الوثوقية والثبات في الاتجاهات، الأمر الذي يسمح بالتعميم.

ـ تعطي نتائج المسوح "الإمبريقية" مصداقية ودعما للأطروحات المتعلقة بالديمقراطية في الثقافة العربية ضمن سياق تاريخي وفكري، بينما يجري تحليل الاتجاهات نحو القيم والمثل الديمقراطية ضمن السياق الذي نمت وتطورت فيه مقاربة الفكر العربي المعاصر للديمقراطية.

مقدمات الاحتجاج والثورة
إن وصف وتحليل السياقات العربية التي تم إجراء المسح في ظلها، يقدم فهما للدلالات التي تكتسيها قوة الاتجاهات الديمقراطية في الرأي العام العربي، لذلك فإن قوة تلك الاتجاهات قبل اندلاع الاحتجاجات تعطي مؤشرات واضحة على الأوضاع العربية عام 2010 على صعيد علاقة الدولة بمواطنيها والحريات والحقوق.

لقد تم تطوير مقياس رقمي من 1 إلى 10، حيث يعني 1 أن البلد غير ديمقراطي على الإطلاق، ويعني 10 أن البلد ديمقراطي إلى أبعد الحدود، وتم استخدام هذا المقياس على مرحلتين: حيث سئل المستجيب بداية حول مستوى الديمقراطية في بلده دون أن يقدم له تعريف لمفهوم الديمقراطية، بينما تم سؤاله لاحقا عن تقييمه مستوى الديمقراطية في بلده على المقياس الرقمي نفسه، وقد أظهرت النتائج أن مستوى الديمقراطية يراوح حول منتصف المقياس الرقمي، بحيث لم تكن الفروقات بين المستجيبين جوهرية.
يؤكد المؤلف أن الرأي العام يعكس مستوى الإحباط العربي من أداء الحكومات التي تغطي تسلطها بمسوح ديمقراطية، كما يؤكد أن الإصلاحات الشكلية التي أجرتها بعض النظم العربية لم تكن كافية بالنسبة للرأي العام العربي

يؤكد المؤلف أن الرأي العام يعكس مستوى الإحباط العربي من أداء الحكومات التي تغطي تسلطها بمسوح ديمقراطية، كما يؤكد أن الإصلاحات الشكلية التي أجرتها بعض النظم العربية لم تكن كافية بالنسبة للرأي العام العربي.

ومن أجل تعميق أكبر لتقييم مستجوبي الأقطار العربية التي جرى فيها المسح لمستوى الديمقراطية في بلدانهم، فقد تضمن الاستطلاع أدوات للتعرف على المدى الذي وصل إليه ضمان الحريات، وقد أظهرت نتائج المسح أن أكثرية الرأي العام تشعر بتدني مستوى ضمان الحريات السياسية والمدنية، بل إن درجة ضمان الحريات المتضمنة لنشاطات معارضة للحكومات هو أقل من مستوى ضمان حريات سياسية ومدنية أخرى مثل تأسيس منظمات مجتمع مدني أو الانتخاب.

وتعكس النتائج أن الرأي العام في مصر واليمن وفلسطين هو الذي عبر أكثر من غيره بأن الحريات السياسية والمدنية هي حريات غير مضمونة، كما بينت النتائج تقييما سلبيا للمجالس التمثيلية سواء على صعيد صناعة السياسات العامة أو على صعيد التواصل مع المواطنين، وتشير النتائج إلى أن المشاركة في الانتخابات النيابية في مصر والجزائر والمغرب والانتخابات البلدية في السعودية هي مشاركة ضعيفة.

إن حقيقة كون تلك المجالس لا تقوم بدورها التمثيلي يتكرس من خلال توافق 40-70% من المستجوبين على أن الانتخابات التي جرت قبل تنفيذ الاستطلاع كانت غير نزيهة، واستنادا إلى مجمل نتائج الاستطلاع يتبين أن الرأي العام العربي كان في عام 2010 فقد الصلة تماما في مؤسسات الحكم القائمة.

نحو إطار تفسيري
إن القراءة المتفحصة للنتائج المختلفة التي أسفر عنها مسح اتجاهات الرأي العام العربي نحو الديمقراطية تؤكد انتشار مفاهيم وقيم الديمقراطية وما يتصل بها من نظم وممارسات وحقوق في أوساط الرأي العام، وهذه الظاهرة تخالف الانطباعات والأطروحات السائدة عن تناقض الثقافة العربية مع الديمقراطية، وأن العربي ليس ديمقراطيا بحكم تكوينه الثقافي وتطوره التاريخي.

ولذلك، فإن وجود الديكتاتورية ورسوخها عربيا لا يفسر بمعيارية تلصق العجز بالثقافة العربية والدين الإسلامي، بل إن استمرار ورسوخ الديكتاتورية يمكن تفسيره ببنى وهياكل السيطرة والتوجيه التي قامت عليها وأنتجتها مجددا النظم الديكتاتورية ذاتها، إضافة إلى الدعم الخارجي للطبقات الحاكمة وتحالفاتها المصلحية، فالمواطن العربي خاضع لتلك البنى ومخرجاتها اليومية.

لقد أنتج الفكر العربي إسهامات سدت ما كان يوصف بالعجز المعرفي تجاه الديمقراطية، لكن إلى أي مدى يمكن القول إن ما حدث على مستوى النخب قد وجد له تمثلات مباشرة بين العامة وفي المستوى الشعبي من الثقافة السياسية العربية؟ الإجابة عن ذلك ترتبط بالدراسات الميدانية للتعرف على تأثيرات الأفكار في سياقاتها وبيئتها الاجتماعية، وما يمكن لمسوح واستطلاعات الرأي العام أن تقدمه في هذا الشأن له أهمية لا يمكن تجاهلها، كونها تقدم مؤشرات صادقة في التعبير عن مضامين الثقافة في مستوياتها الشعبية، ومن ثم التأثير في الرأي العام.

يتوقع أن ينجح الفكر العربي في جعل إسهاماته بشأن الديمقراطية ومسائل الحكم والحقوق والحريات تنفذ في المجال العام بيسر واتساع غير مسبوقين، وبالتالي تصبح مكونا أساسيا يسهم في تشكيل المعتقدات السائدة

وبناء على ذلك، يتوقع أن ينجح الفكر العربي في جعل إسهاماته في شأن الديمقراطية ومسائل الحكم والحقوق والحريات تنفذ في المجال العام بيسر واتساع غير مسبوقين، وبالتالي تصبح مكونا أساسيا يسهم في تشكيل المعتقدات السائدة.

المتغير الديمغرافي
يحتل الشباب (15/29 سنة) ما يربو على ثلث سكان الوطن العربي، وهذا يعني أن الشباب يمثلون كتلة هائلة لا يمكن تجاهلها في ظل واقعهم الاقتصادي والاجتماعي، وما يواجهونه من مظاهر إقصاء متنوعة، الأمر الذي يجعلهم في مقدمة الرفض والمطالبة بالتغيير والاندفاع نحوه وتبني الأفكار الداعية له وفي مقدمتها مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولقد بينت عدة استطلاعات للرأي جرت سابقا أن جزءا من الشباب مهتم بمشكلة البطالة والحصول على فرصة عمل، في حين اهتم جزء آخر بضرورة الحصول على مستوى تعليمي مرتفع، ناهيك عن اهتمام الشباب بالمشاركة في الحياة السياسية.

هذا الاهتمام في الحيز العام عبر عنه الشباب من خلال وسائل الاتصال الحديثة لإقامة شبكات تواصل واتصال وأنماط مشاركة جديدة، ولقد ارتبطت هذه التطورات مع الانتشار الكثيف للقيم الديمقراطية على مستوى العالم، الأمر الذي أثر في الشباب العربي ودفعه إلى تنظيم المظاهرات والاعتصامات ومختلف فعاليات الاحتجاج التي تراكمت حتى كسرت حاجز الخوف.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك