عرض/زياد منى

موضوع الموضة، أو البدعة أو الزي، هو صناعة هائلة تغطي مختلف أنحاء الكرة الأرضية، وتتجاوز الحدود والعوائق الطبقية والإثنية وغيرها، مما يجعل سلطتها، وسلطة من يسمك بها، تكاد تكون غير محدودة، وفي الوقت نفسه غير مرئية.

هذه السلطة يرى البعض أنها اضطهاد، أو الاضطهاد الأكثر فعالية لأنه القادر على إقناع أتباعه بحب ورغبة سلطته. فمن منا لم يسمع بملوك الموضة مثل فرزاتشي ومارني وكارل لاغرفلد وأتش آند إم وجان بول غورتيه وغيرهم.

الموضة، حسب الكاتبة، نتاج اجتماعي، ومن دون النظر إليها على هذا النحو، فإن المرء يقع في فخ ألغازها. لذلك فإن النقطة الرئيسية خلف كتابة هذا المؤلف هي فك ألغاز صناعة الموضة وفكرها أو أيديولوجيتها.

الموضة -وفق الكاتبة- هي أيضا أسلوب لباس مجموعات بشرية ومظهرها. ومن هذا المنطلق يرى البعض أن الموضة ابتكار أوروبي محض، وأن ما يلبسه غير الأوروبيين ليس موضة أو زيا، وإنما ملابس لا أكثر.

-العنوان: الحياكة.. كتاب الموضة المناهض للرأسمالية
-المؤلفة: طنسي هسكنز
-الناشر: بلوتوبرس، لندن
-الطبعة: الأولى، 2014
-عدد الصفحات: 264


ترفض المؤلفة ذلك لأسباب عديدة ذكرتها في صفحات الكتاب، ويمكن تلخيصها في تعريفها السابق ذكره، فهي ترى أن أي نظرة للموضة غير تلك تجرد شعوب "العالم الثالث" أو المستعمرات السابقة من تاريخها وماضيها الثري.

الكاتبة تنظر إلى الموضة كونها صناعة رأسمالية من زوايا مختلفة تؤكد نظرتها، ومن ذلك استغلال عمل الأطفال في دول "العالم الثالث"، من تونس ونيجيريا إلى تايلندا، إضافة إلى استغلال اليد العاملة الرخيصة في الصين.

فعلى سبيل المثال، فإن شركة أتش آند إم تنتج سلعها في تونس، إضافة إلى دول أخرى في "العالم الثالث"، أما في باريس فإن محافل عرض الأزياء ما هي إلا منصات بيع بضائع مرتفعة الثمن بما لا يُقاس مقارنة بالكلفة الفعلية.
 
الموضة أو الأزياء أو البدع، سمها كما تود، هي في الوقت نفسه عمل ووسيط فني، دوما وفق كلمات الكاتبة. والنظرة النقدية للموضة ضرورية لأن أي وسيط فني من دون منصة نقدية ليس صحيا.

الكاتبة تشدد على أنها لم تكتب الكتاب للنقد فقط لأنها تؤمن بأن الأزياء مبدعة وجميلة، وعكس ذلك في الوقت نفسه. هي تشدد على جمالية الأزياء الناتجة عن صناعة الموضة، وأنها أخاذة حقا. وهي أيضا، في الوقت نفسه، وسيط فني مبدع ويتطلب مهارات كثيرة. ومن هذا المنظور فإنه إلى جانب كل كلمة نقدية في هذا المؤلف، تقول الكاتبة، ثمة عمل إبداعي خلاق. في الوقت نفسه فهي تتساءل عن سبب عدم تمكن صناع هذه الملابس من ارتدائها!

تقول الكاتبة إنها كتبت المؤلٌف من منظور معادٍ للرأسمالية لأنه ليس في مقدرتها فصل الأمور الواردة فيه عن بعضها. هي غير قادرة على الكتابة عن تأثير الأزياء أو الموضة في البيئة من دون التطرق إلى المعامل التي تؤوي العمال الذين يصنعونها، وهذا غير ممكن على نحو صحيح من دون البحث في طريقة معاملة البشر الذين يعملون في تلك المعامل، وهذا بدوره غير ممكن دون الحديث عن العنصرية، الذي يقود بالضرورة إلى الحديث عن التغرب والاستهلاك، وبالتالي احتكار هذه الصناعة وملكيتها وملكية العلامات (الماركات) العالمية الأكثر شهرة. هي تشدد على أن هذا الترابط قانوني لأننا لا نعيش في مجال واحد.

الموضة هي نتاج اجتماعي، ودون النظر إليها على هذا النحو فإن المرء يقع في فخ ألغازها. لذلك فإن النقطة الرئيسية خلف هذا الكتاب هي فك ألغاز صناعة الموضة وفكرها أو أيديولوجيتها
تنظر الكاتبة أيضا إلى صناعة الموضة ضمن تناولها النقدي للسياسات النيوليبرالية أو الليبرالية الجديدة التي أطلقها كل من مارغريت ثاتشر ورونالد ريغان، وهي تعارضها لأنها تعني -من منظورها- تآكل قيمة الأجور والمعاشات وتحرض عمال بلاد ما على بعضهم بعضا من خلال دفعهم للتسابق نحو الهاوية الاقتصادية والانحدار الاجتماعي، وبالتالي فإنها تدفع الأفراد إلى حضن الاقتراض.

والليبرالية الجديدة مرتبطة على نحو وثيق بالعولمة التي تعني، على نحو مبطن، السماح للشركات العملاقة بتأسيس معاملها التي تنتج النفايات السامة في دول تغيب فيها قوانين وتشريعات لحماية البيئة، وفي الوقت نفسه تسمح لتلك الشركات بتحصيل أقصى درجات الربح من دون دفع ضرائب تذكر، إضافة إلى حرمان الجماعات الأفقر من التعليم والرعاية الصحية وما إلى ذلك من المكاسب الاجتماعية.

العلاقة بين الليبرالية الجديدة والعولمة والأزياء أو الموضة تظهر على نحو واضح في الأزمة التي لحقت بهذه الصناعة بالارتباط مع الأزمة المالية الخانقة التي هزت الدول الرأسمالية قرب نهايات العقد الماضي.

هذه الأفكار والرؤى الأساس ترد في صفحات الكتاب المقسم إلى عشرة فصول.

الفصل الأول يتناول بالبحث الملكية الحصرية أو الاحتكارية لعلامات (ماركات) الموضة العالمية، وتاريخية الموضة وتأثير الأزمات الاقتصادية في صناعة الموضة.
تنظر الكاتبة إلى صناعة الموضة ضمن تناولها النقدي لليبرالية الجديدة التي تعني في نظرها تآكل الأجور والمعاشات ودفع العمال للتسابق نحو الهاوية الاقتصادية والانحدار الاجتماعي
الفصل الثاني يبحث في الطبيعة الاحتكارية للوسائط الإعلامية التي ترافق الموضة، إضافة إلى تأثير الإنترنت، كونها وسيطا إعلاميا، في انتشار الموضة.

الفصل الثالث خصصته الكاتبة للحديث في مقولات استهلاكية معروفة مثل "الزبون هو الملك"، وأن المستهلك سبب مشاكل صناعة الأزياء.

الفصل الرابع مخصص للحديث عن الأشخاص الذين يصنعون الموضة. والفصل الخامس يتناول بالنقد المشاكل البيئية المرتبطة بصناعة الموضة.

الفصل السادس يتناول بالتحليل العلاقة بين الموضة من جهة وشكل الجسد ومشاكل الأكل وحقوق النساء.

الفصل السابع خصصته الكاتب للإجابة عن السؤال عن ما إذا كانت الموضة عنصرية، مع شرح الأسباب التي دعتها لتقديم الإجابة.

الفصول من الثامن إلى العاشر مخصصة للحديث عن محاولات تغيير منظومة الموضة.

ختاما تشدد الكاتبة على أن صناعة الموضة يجب النظر إليها كجزء من الرأسمالية، التي هي بدورها منظومة اقتصادية لها بداية، وبالتالية نهاية.

ويبقى هدف المؤلفة من وراء الكتاب هو الإمساك بخيط النسيج وشده لكشف المنظومة التي تقف خلف الملابس التي نرتديها، وتترك للقارئ إمكانية سحب الخيط على نحو كامل لإظهار تلك المنظومة ومن ثم إعادة حياكتها لتعطي شيئا جميلا حقا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك