عرض/ زياد منى
أي كاتب أو باحث في قضية العرب الأولى والأساس: القضية الفلسطينية، يحتاج دوما، ضمن أمور أخرى، إلى متابعة تطورات المشهد الفلسطيني خارج الأرض المحتلة وداخلها.

وهذه الدراسة المقتضبة عن الأحزاب الفلسطينية/العربية في فلسطين المحتلة تأتي لتملأ فراغا في المكتبة، من منظور أنه تعنى بعرض سريع، لكن دقيق، للأحزاب والتجمعات السياسية الفلسطينية العربية فيها.

الباحثون الذين أعدوا هذه الدراسة الثمينة قسموا الكتاب إلى أربعة أجزاء تتناول مختلف التنظيمات السياسية التي شهدتها الساحة الفلسطينية (في إسرائيل)، وتركيب كل منها ونشاطها وامتداداتها التنظيمية.

في التمهيد عرض الكُتَّاب الأوضاع الحزبية السياسية في فلسطين حتى عام 1948 إضافة إلى الأوضاع السكانية الفلسطينية بعد التطهير العرقي الذي نفذته الحركة الصهيونية بحق أهل البلاد.

-العنوان: الأحزاب العربية في فلسطين المحتلة 1948
-إعداد: قسم الأرشيف والمعلومات - بيروت.
-الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.
-مكان النشر: بيروت
-تاريخ النشر: 2014
-عدد الصفحات: 72

ونوه الباحثون في هذا التمهيد إلى المشكلات والمعوقات التي حالت دون نشوء أحزاب قومية فلسطينية/عربية في الوطن المحتل.

بعد ذلك ينتقل الكتّاب إلى عرض الخريطة السياسية للأحزاب الفلسطينية/العربية خصوصا بعد هزيمة عام 1967 وسقوط بقية الوطن الفلسطيني (وفق خريطة الاحتلال/الانتداب البريطاني) تحت الاحتلال الصهيوني/الإسرائيلي.

هنا يوضح البحاثة أسباب عدم قيام أحزاب قومية عربية في "إسرائيل" حتى عام 1966، واضطرار كثير من المناضلين الفلسطينيين للانخراط في نشاطات أحزاب إسرائيلية ومنها الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح).

الجزء الأول استعرض فيه الباحثون الخريطة السياسية للأحزاب العربية بعد اغتصاب الحركة الصهيونية فلسطين عام 1948، مع أن بعضها شكّل امتدادا لما كان قائما قبل ذلك التاريخ. وهنا نقرأ عن مختلف التنظيمات السياسية الفلسطينية التي نشأت قبل ولادة الأحزاب القومية العربية، بصرف النظر عن برامجها السياسية والتنظيمية، وهي:

- الجبهة الشعبية العربية (1958).
- حركة الأرض (1958).
- حركة أبناء البلد (1972).
- الحركة الإسلامية (1973).
- الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (1977).
- الحزب الديمقراطي العربي (1988).
- التجمع الوطني الديمقراطي (1995).
- الحركة العربية للتغيير (1996).

الجزء الثاني خصصه الكُتَّاب للحديث عن دور الأحزاب العربية في الحياة السياسية والعامة الإسرائيلية. وقد عمل المساهمون على مقاربة الموضوع تناول تأثير هذه الأحزاب في قوانين الحكومات الإسرائيلية وسياساتها، مع أنها شبه معدومة، دوما وفق الكِتاب.

يعرض الكتاب نشاطات الحركة الإسلامية في فلسطين غير السياسية ومنها حماية المسجد الأقصى والاهتمام بالأوقاف ومكافحة "الأسرلة". كما يتوقف عند مواقف الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، إضافة إلى الحركة العربية للتغيير

كما يعرض الكتاب مشاركة مختلف هذه الأحزاب والحركات السياسية في الانتخابات التمثيلية أو النيابية، وعدم ذلك. ويثري البحاثة هذا القسم بجدول يحوي أسماء النواب الفلسطينيين العرب الذين انتخبوا في مختلف دورات الكنيست عن الأحزاب والقوائم العربية منذ العام 1949 إلى العام 2013، لكن هذه القائمة تضم أيضا أسماء نواب خاضوا الانتخابات ضمن قوائم غير عربية وإنما إسرائيلية، ونعني تحديدا قوائم حزب راكاح. كما يعرض هذا الجزء عدد الأصوات التي نالتها الأحزاب العربية في السنوات الأخيرة.

المفيد في الكتاب عرض الباحثين مشاركة الأحزاب القومية الفلسطينية/العربية في الانتخابات البلدية، حيث استعرضوا أيضا مختلف أنواع الحكم المحلي من بلديات ومجالس محلية وغيرهما. ومن الجداول العديدة المفيدة في الكتاب واحد مخصص لمعدلات التصويت في الانتخابات المحلية العامة والعربية.

في الجزء الثالث من الكتاب يجري استعراض مواقف مختلف الأحزاب الفلسطينية/العربية من التسوية السلمية، ومنها موقف الحركة الإسلامية بجناحيها الشمالي والجنوبي.

هذا القسم من الجزء الثالث ينال عناية أكبر من غيره حيث يعنى بنشاطات الحركة الإسلامية في فلسطين غير السياسية ومنها حماية المسجد الأقصى والاهتمام بالأوقاف ومكافحة "الأسرلة". كما يلتفت هذا الجزء إلى مواقف الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، إضافة إلى الحركة العربية للتغيير.

الجزء الرابع والأخير خصصه البحاثة لعرض الموقف الإسرائيلي من الأحزاب الفلسطينية/العربية ومختلف الأدوات والأذرع التي تستخدمها السلطات الإسرائيلية لمحاصرة أي نشاط قومي عربي ومن ثم القضاء عليه.

ويسجل الكِتاب الأدوات الرسمية الإسرائيلية في هذا المجال ومنها القانون الأساس وقوانين الأحزاب وقوانين المجالس الإقليمية وقوانين موجهة إلى أعضاء كنيست فلسطينيين، وفي مقدمة ذلك القانون الذي اشتهر باسم قانون عزمي بشارة، الذي اتهمته السلطات الإسرائيلية بتقديم معلومات أمنية عن إسرائيل لحزب الله مما اضطره لمغادرة فلسطين المحتلة.

يشير الكتاب إلى أكثر من خمسين قانونا شرعته الدولة الصهيونية ضد الفلسطينيين الذين لم يهجروا من موطنهم في عام 1948، لكنه لا يغفل ذكر المعوقات الذاتية التي تواجه بلورة حركة قومية عربية فلسطينية معادية للصهيونية في داخل إسرائيل

ويضاف إلى هذا كله مجموعة قوانين أخرى منها قوانين الطوارئ وقوانين منع الإرهاب وأنظمة حالة الطوارئ وقوانين تمويل الجمعيات وقانون حماية قِيَم دولة إسرائيل.

ختاما يستعرض الكتاب مختلف المعوقات التي تنال من مقدرة الفلسطينيين الممثلين في مختلف الأحزاب القومية على مواجهة النظم والقوانين والتشريعات الإسرائيلية التي تهدف إلى مسح الهوية القومية العربية للفلسطينيين، حيث لا تعترف بهم إلا باعتبارهم تجمعات دينية طائفية (مسلم ومسيحي ودرزي)، مما يسهل، من منظورها، عملية مسح التاريخ العربي والعروبي لهذه البلاد القائم منذ ألفي عام.

ويشير الكتاب إلى أكثر من خمسين قانونا شرعته الدولة الصهيونية ضد الفلسطينيين الذين لم يهجروا من موطنهم في عام 1948. لكنه لا يغفل ذكر المعوقات الذاتية التي تواجه بلورة حركة قومية عربية/فلسطينية معادية للصهيونية في داخل إسرائيل، ومنها على سبيل المثال الولاءات العائلية والعشائرية، ولا ننسى الدينية الطائفية، إضافة إلى الخلافات بين مختلف التنظيمات التي هي عادة ما تكون منبثقة عن سابقاتها.

مع ذلك فقد تمكنت الأحزاب العربية من تطوير عملها وتأطيره إلى حد ما في نشاطات مشتركة في خدمة القضية الفلسطينية والحقوق الوطنية/القومية فيها. ولا شك أن نمو النشاط القومي العربي، الذي أسسه عزمي بشارة عبر التجمع، يعد الخطوة الأهم في هذا المجال حيث إن ولادته شكلت المرة الأولى التي يمكن فيها للمواطن الفلسطيني داخل إسرائيل من تعريف نفسه قوميا واختيار ممثليه على أسس قومية وليس فكرية أو عَقدية.

حسنا فعل مركز الزيتونة بنشر هذا البحث المهم الذي ننظر إليه، أو لنقل: نأمل أن يكون فاتحة أعمال مشابهة أكثر تفصيلا في مختلف أقسامه، ومنح كل طرف في الحياة السياسية الفلسطينية في داخل فلسطين المحتلة قسما من الكتاب يتناسب مع حجمه الفعلي على الأرض وتأثيره في الساحة الفلسطينية المحلية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك