عرض/ زياد منى

قد يسأل سائل: ألم يصدر ما يكفي عن فلسطين وحرب فلسطين؟ هل ثمة أمر في القضية لم يشبع بحثا وتحليلا؟ الإجابة: بكل تأكيد، لا. ما كتب عن القضية الفلسطينية وحرب عام 1948 لا يكشف إلى الآن إلا جزءا من الحقيقة.

فالقسم الأكبر من وثائق القوى المشاركة -الإقليمية والدولية- لا تزال ممنوعة من النشر، وما نعرفه عن تلك الحرب لا يتعدى بعض الأخبار التي نشرتها أنظمة سايكس بيكو الشرق أوسطية، التي شاركت، بدرجة وبأخرى، في صنع مأساة فلسطين وطرد شعبها وتسليم وطنه للحركة الصهيونية.

يضاف إلى ذلك مجموعة مذكرات نشرها بعض القادة الميدانيين المشاركين في تلك الحرب، ومنها الكتاب الحالي الذي يحوي ذكريات القائد العسكري الفريق الأول الركن صالح صائب الجبوري، قائد القوات العراقية في ما يسمى (حرب فلسطين)، والتي أُطلِقُ عليها الاسم الصريح حرب تقاسم فلسطين.

-العنوان: محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية
-المؤلف: صالح صائب الجبوري
-الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت 2014
-عدد الصفحات: 654

هذا الكتاب نشره الفريق صالح الجبوري في عام 1970 في بيروت، وبادر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة القطرية إلى إعادة طبعه، وصدر في وقت مناسب يصادف الذكرى السادسة والستين لاغتصاب فلسطين عام 1948.

لقد نشر العديد من القادة الميدانيين العرب مذكراتهم عن تلك الحرب، وبينوا على نحو جلي طبيعتها التآمرية وخضوعها لسياسات أنظمة سايكس بيكو الشرق أوسطية، ودولة إسرائيل إحداها، حيث كانت نتائجها متفقا على خطوطها العريضة مسبقا.

هذا طبعا لا يمس وفاء المشاركين الشرفاء، من جنود وقيادات، من الجيوش النظامية وغير النظامية، ومنهم كاتب هذه المذكرات الذي أهدها "إلى شعب فلسطين الجريح.. وإلى أرواح جميع الشهداء على أرض فلسطين.. وإلى أبناء جميع الجيوش العربية وقوات المناضلين الذين ساهموا في حرب فلسطين".

يضم الكتاب 34 فصلا إضافة إلى ملحق يحوي مجموعة وثائق ذات علاقة.

الكاتب بدأ مؤلفه بعدة فصول خصصها للحديث في تاريخية القضية الفلسطينية، وتضم، وفق قراءتنا خمسة فصول هي: "نظرة في القضية الفلسطينية"، و"نبذة مختصرة عن تاريخ القضية الفلسطينية ومقدماتها"، و"العهود والمواثيق البريطانية للعرب ونكثها"، و"فلسطين تحت الانتداب البريطاني"، وأخيرا "القضية الفلسطينية خلال الحرب العالمية الثانية".

قِسم الكتاب الأكثر أهمية يكمن في السرد التاريخي للأحداث التي عايشها الكاتب بصفته العسكرية، حيث يسرد نقاش الاجتماعات التي عقدتها قيادات سياسية وعسكرية عربية استعدادا لمعركة [تقاسم] فلسطين، وخص بالذكر اجتماع أنشاص في مصر في عام 1946 ومن ثم اجتماع مجلس الجامعة العربية ببلودان السورية في شهر يونيو/حزيران 1946.

الكاتب سجل ملاحظاته وقتها بالقول "أصبح واضحا أن الدول العربية على تفاوت عظيم في قبول مبدأ التضحية لإنقاذ فلسطين.. وتختلف في حقيقة موقفها من القضية ودرجة استعدادها لتحمل الخسارة وتقبل التضحية.. وكان محور الخلاف العلاقات السياسية والاقتصادية بينهم وبين بريطانيا وأميركا، وهما سند الصهيونية الأكبر". هذه كلمات بليغة تلخص الرسالة الرئيسة للمذكرات وحقيقة ما سمي كذبا "حرب فلسطين".

قِسم الكتاب الأكثر أهمية يكمن في السرد التاريخي للأحداث التي عايشها الكاتب بصفته العسكرية، حيث يسرد نقاش الاجتماعات التي عقدتها قيادات سياسية وعسكرية عربية استعدادا لمعركة [تقاسم] فلسطين

يواصل الكاتب سرده التاريخي الموثق لينتقل من بعد إلى اجتماعات اللجنة العسكرية العربية الدائمة في أيلول/سبتمر 1947 واجتماعات رؤساء هيئة الأركان. يخص الكاتب، بحكم موقعه ومنصبه، المشاركة العراقية بأكثر التفاصيل دقة، حيث يسجل في الفصل التاسع وقائع الاجتماعات العسكرية السياسية في قصر الرحاب بالعراق ومن ثم اجتماعات أخرى في عمّان والقاهرة.

الفصل العاشر يبدأ بتثبيت "موقع الجيش العراقي العام" قبل اندلاع الحرب ومن ذلك على سبيل الذكر "قوة الجيش العراقي"، و"الأمن الداخلي العراقي"، و"مشكلة النقل بين العراق وفلسطين" وغير ذلك من الأمور ذات الصلة.

الكاتب يتابع في الفصول الكثيرة اللاحقة (الفصول: 11-21) تفاصيل حرب تقاسم فلسطين، ومن ذلك انسحاب القوات البريطانية من أكثر أقسامها قبل الموعد المقرر وتركه للقوات الصهيونية، وكذلك انسحاب القوات الأردنية من فلسطين، إضافة إلى تفاصيل بعض المعارك ومنها معركة جنين، إضافة إلى مشاركة قيادات عسكرية ميدانية في تآمر قيادات سياسية (عدم انصياع القيادات لأوامر القيادة العامة).

كما يتعرض الكتاب بالتفاصيل المهمة إلى أحداث رئيسة في تلك الحرب، ومنها الهدنتان الأولى والثانية وتسليم الجيش الأردني منطقتي اللد والرملة للحركة الصهيونية، بما قاده للحديث في "حقيقة القيادة الأردنية ونواياها".

الكتاب في فصوله الكثيرة وملحقه يحوي تفاصيل ومحتوى وثائق كثيرة عن الأحداث الدرامية التي كان الغبار ينقشع عنها في فلسطين.

المهم في كثير من تلك الوثائق أنها لم تنشر من قبل ولا تزال حبيسة أدراج الوزارات العربية المعنية أو محفوظات الجامعة العربية، ولا تكمن أهميتها فقط في إسهامها في كشف بعض حقائق تلك الحرب/المؤامرة، وإنما أيضا في أنها تساعد المؤرخ الباحث في القضية الفلسطينية، بمختلف تشعباتها المحلية والإقليمية والدولية، في إعادة صياغة مسارها وتفاصيلها، على نحو علمي بما يسهم في معرفة تفاصيل التآمر على فلسطين، قدر الإمكان.

الكتاب في فصوله الكثيرة وملحقه يحوي تفاصيل ووثائق كثيرة عن الأحداث الدرامية التي كان الغبار ينقشع عنها في فلسطين

الكاتب أثرى مؤلفه بفصول إضافية ذات صلة بالصراع العربي الإسرائيلي، ومن ذلك العدوان الثلاثي على مصر ومساعدة العراق للأردن في عام 1956 وحرب يونيو/حزيران 1967 وفصل خاص عن المقاومة الفلسطينية الناشئة عند صدور الكتاب.

أما الملحق فضم مجموعة من نصوص الرسائل التي أرسلها بعض الحكام العرب إلى الإدارة الأميركية، إضافة إلى تقرير اللجنة العسكرية الدائمة إلى الهيئة العامة لجامعة الدول العربية وكتاب القائد العام لقوات فلسطين إلى رئيس لجنة فلسطين، وتواريخ حركات الوحدات والتشكيلات من بغداد إلى شرق الأردن وفلسطين. كما ضم الملحق بعض التفاصيل التي تداولتها وسائل إعلام/تضليل عربية بالعلاقة مع دور الكاتب والجيش العراقي في حرب فلسطين.

خير ما ننهي به هذا العرض قول الكاتب في مقدمته "إن بعض العرب علقوا آمالهم على دعوة الحل السلمي التي هي بوجهها الآخر وسيلة لتخديرهم.. بأمل أن يعيد إليهم الأراضي المغتصبة عام 1967.. لكنـ[ـه] سوف لن يتحقق ما لم يعدّ له العرب، كل العرب، العدة التي تحققه".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك