عرض/أحمد التلاوي
يسلط هذا الكتاب الضوء على التحولات الحاصلة في البنية الثقافية على مستوى العالم، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتشكل العالم الجديد الذي تلاها، في منتصف عقد الأربعينيات الماضية، وحتى نهاية الحرب الباردة في العام 1989.

ويرصد الكاتب ذلك من خلال ما قال إنها النماذج الثقافية الرئيسية التي كانت سائدة في العالم في ذلك الوقت، وهي الثقافة الغربية الرأسمالية، وتمثل العالم الأول بالنسبة له، والثقافة الشيوعية الماركسية، التي قال إنها ثقافة العالم الثاني، وأخيرا ثقافة العالم الثالث، الذي كان في ذلك الحين خارجا من مرحلة الاستعمار.

ويتكون الكتاب من ثلاثة أجزاء، وهي عبارة عن مناقشة لعدد من الأوراق العلمية، التي تناولت التحولات الثقافية المحورية التي شهدها العالم في النصف قرن الأخير.

-العنوان: الثقافة في عصر العوالم الثلاثة
-المؤلف: مايكل دينينج
-ترجمة: أسامة الغزولي
-الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 401 الكويت
-عدد الصفحات 351
-الطبعة: الأولى، 2013

وحسب المترجم، وهو أسامة محمد الغزولي، رئيس المؤسسة العربية للهجرة وحوار الثقافات بالقاهرة، يعد هذا الكتاب مكونا أساسيا في تصور المواطن الأميركي لنفسه ولبلاده ولدورها في العالم، وخلاصة هذا أن الديمقراطية ليست بالضرورة "فكرة رأسمالية"، وليست بالضرورة "صيغة أميركية" في الحكم.

تنويعات ثقافية
وفي مستهل كتابه، يشرح المؤلف مسيرته الفكرية، التي طبعت عليها مدرسة اليسار الأميركي، وبدأت في العام 1954، وهو في الرابعة عشرة من عمره، عندما بدأ نشاطه في مجال العمل التطوعي، في صفوف الحركة الديمقراطية الاجتماعية في إطار "اللجنة التنظيمية للاشتراكيين الديمقراطيين".

وفي هذا الإطار، يواصل المؤلف رصد الثقافة الأميركية من حيث تركها في كتابه الذي ألفه في وقت سابق، وحمل عنوان "الجبهة الثقافية: نضالات الثقافة الأميركية في القرن العشرين"، ولكن الموضوع فرض عليه تجاوز النطاق الأميركي ليطل على الثقافة العالمية، ويشير إشارات ولو خاطفة إلى مبدعين عرب، مثل الروائي نجيب محفوظ والمخرج السينمائي يوسف شاهين.

كذلك من بين النماذج التي عرضها الكاتب الدراسات التي أجريت على البيئات الثقافية في البلدان الآسيوية، بين ما أسماه بـ"الحداثيات البديلة" في "الدول النامية القمعية" في شرق آسيا، والثقافة الذاتية للأخوة الآسيوية، التي ظهرت في أوساط الصينيين في الشتات.

ويقول الكاتب إن الحفاظ على الهوية الثقافية أو الذاتية الثقافية المجتمعية، من أهم معالم ومحطات نضالات المجتمعات، ويرى أن لذلك بعدا أخلاقيا، حيث إن الأخلاق جزء أو مكون مهم من المنظومة الثقافية، والنموذج الأساسي الذي قدمه أو درسه الكاتب في هذا الإطار، دراسة للباحثة الماليزية آيهو أونج، التي أجرتها في نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي، حول الدلالات المتناقضة لحالات اللمس أو التحرش غير الصريح عند الشابات الماليزيات المشتغلات في أحد المصانع.

كما يدرس قضية مهمة لدى الغربيين، فيما يتعلق بدراساتهم لقضية الهوية الثقافية لأوروبا، وهي قضية "أقلمة أوروبا" وفيها الكثير من الدراسات التي تمارس شكلا من أشكال النقد الذاتي للواقع الثقافي والفكري القائم في أوروبا.

الحفاظ على الهوية الثقافية أو الذاتية الثقافية المجتمعية من أهم معالم ومحطات نضالات المجتمعات، ويرى أن لذلك بعدا أخلاقيا، حيث إن الأخلاق جزء مهم من المنظومة الثقافية
ويطرح كذلك قضية أخرى، وهي قضية العلاقة بين المُكوِّن الوطني أو الشعبي لدى أصحاب الثقافات المختلفة، والثقافات الأخرى التي يكتسبونها في الشتات، وبشكل عام يقول الكاتب إنه لا توجد قطيعة بين كلا المُكوِّنَيْن، وقد ينتج عنها ثقافات هجينة، كما هو الحال، كما ضربنا سابقا، في المكسيك وبعض بلدان أميركا اللاتينية.

وتأثرا بخلفياته اليسارية، يشير الكاتب إلى تأثيرات الثقافة الماركسية على بعض الثقافات الفرعية في العوالم الثلاثة التي يرصد الكاتب تفاعلاتها الثقافية، فيشير إلى أن هناك ما يُسمى -على سبيل المثال- بـ"الماركسية الهندية".

ثقافة كونية؟!
وفي هذا السياق، يناقش الكتاب قضية شديدة الأهمية عند الحديث عن الثقافات الإنسانية بين الخصوصية والعولمة في وقتنا الراهن، وهي: هل يمكن تكوين ثقافة كونية، في عصر العوالم الثلاثة.

ويؤكد حقيقة مهمة مفادها أن العوالم الثقافية الثلاثة التي يرسم معالمها، هي مصادر الثقافة الكونية، وتحمل سماتها، وأن الثقافة الكونية هي، ببساطة، التسويق الدولي للسلع الثقافية من جانب صانعي الثقافة المتجاورة أو القوميات التي استحوذت على المشاعات الثقافية، وعلى المجال العام.

ويقول إن الثقافة الكونية أيضا تعني تلك الفضاءات والخبرات غير المؤقلمة أو التي لا تنتمي إلى إقليم بعينه، وتأخذ صورا مجتمعية تراها فيها مراكز التسوق، أو المطارات، أو الفنادق السياحية، أو حتى في منتجات الحاسب والبرمجيات ومفردات الإنفوميديا الأخرى، أو ما يعرف في عصرنا الراهن بأدوات القوة الناعمة.

ويصك الكاتب مصطلحا جديدا، وهو ثقافة المدينة العولمية، ويقول إن أصل هذه الظاهرة -كما أشرنا إلى تأثره بفكره اليساري في كتابه هذا- هي ثقافة البروليتاريا، أو الطبقات العاملة، والتي تمتد هنا وهناك في مختلف أركان المجتمع، وتخلق طابعا خاصا للمدينة أو المجتمع الذي تقيم فيه.

ويناقش دينينغ في هذا الإطار، بعض التفاسير المحكمة للعولمة بوصفها سياقا زمنيا ومجتمعيا وثقافيا، وتعد بمثابة نقلة تاريخية للمجتمعات والثقافات الإنسانية.

ويقول إن العولمة كمصطلح ليست نهاية التاريخ، بل نهاية للحظة تاريخية معينة، ونهاية لعصر العوالم الثلاثة، والمناظرة الدائرة حول العولمة هي، إلى حد كبير، مناظرة حول مغزى ذلك النصف قرن القصير الذي ظهرت فيه، مع محاولات للإجابة حول سؤال، هل العولمة تؤصل بالفعل للتأسيس لثقافة كونية واحدة أم لا.

كما يتناول الحركات الاجتماعية في عصر العوالم الثلاثة بين الحركات المناهضة للعولمة في زماننا، والحركات الاجتماعية في عصر العوالم الثلاثة، والتي بدأت في الظهور، في كل المجالات الجغرافية والبشرية التي وضعها الكاتب نصب عينيه، وهي الثقافة الغربية والثقافة الشرقية، وثقافة بلدان العالم الثالث.

ويعود في هذا الإطار إلى نقطة زمنية مهمة، وهي الحركات الشبابية والثورات الثقافية التي بدأت في اجتياح العالم منذ العام 1968، وشملت الدوائر الأنثروبولوجية الثلاث التي يدرسها، وذلك من أجل فهم الحركات الاجتماعية الحالية.

ويقول إن أصل فكرة هذه الحركات الاحتجاجية ذات طابع مجتمعي، يميل إلى التفكير وفق المدرسة اليسارية وأصحاب المذهب الاشتراكي، من ذوي التفكير المجتمعي.

الاشتغال على الثقافة
ويقول الكاتب إنه قد وقعت نقلة حادة في دلالة مفهوم الثقافة، بحلول منتصف القرن العشرين، مع تطوير جيل جديد من المثقفين الراديكاليين لسياسة ثقافية جديدة وتأسيسهم لمجموعة من نظريات التحليل الاجتماعي للثقافة.
العولمة كمصطلح ليست نهاية التاريخ بل نهاية لحظة تاريخية معينة ونهاية لعصر العوالم الثلاثة ومحاولة لتأسيس ثقافة كونية واحدة

وفي هذا الإطار، يستكشف قضية تغيُّر معنى الثقافة في عصر العوالم الثلاثة، ويوجز النظريات الثقافية الرئيسية التي تنبع من اليسار الجديد، تلك النظريات المرتكزة إلى السوق، والنظريات المرتكزة إلى الدولة والنظريات المرتكزة إلى مفهوم معرفة الذات، باعتبار أن هذه هي السمة المميزة لثقافة كل عالم من العوالم الثلاثة.

ويؤكد أن سنوات حكم الرئيس الأميركي رونالد ريغان أدت إلى تأثيرات بالغة على أفكار اليسار داخل المجتمع الأميركي، والمجتمعات الغربية بصورة عامة، كانت بمثابة "النهاية الحاسمة للآمال السياسية لليسار الجديد في الولايات المتحدة والغرب، حيث شهدت نظريات اليسار الجديد الكثير من التحولات في تلك الفترة".

وهنا يتناول الكتاب قضية تقليدية في مثل هذه الدراسات، وهي "الأمركة" ومظاهرها في مختلف الفضاءات الثقافية الثلاث، الغرب والشرق والعالم الثالث، أو ما أطلق عليه مصطلح الـ"أمركات".

ويقول الكاتب إنه قد وجد الاهتمام المكثف بالثقافة الأميركية في العقود التالية للحرب العالمية الثانية تعبيرا عنه في حقل أكاديمي جديد هو "الدراسات الأميركية"، والذي نشأ عن مزج غريب بين ما يُعرف بشيوعية الجبهة الشعبية، وفكرة معاداة الشيوعية نفسها في الولايات المتحدة، إبَّان الحرب الباردة.

وبعد تتبع نسب الدراسات الأميركية تأتي قراءة للشخصية مثلت غالبا المرجعية المكرسة للأفكار الاستثنائية الأميركية والديمقراطية الأميركية، مثل كتاب "الديمقراطية في أميركا" لأليكسيس دي توكفيل، المكتوب في ثلاثينيات القرن التاسع عشر.

ويختم الكاتب مؤلفه بعرض بعض المنتج الفكري الخاص به، الذي تولد عن مشاركته في الجهود التي حفزتها جلسات الإعداد التي نظمها حزب العمل الأميركي في التسعينيات من القرن الماضي، لخلق تحالف بين الحركة العمالية والكتاب والفنانين في المؤسسات الأكاديمية.

ويعيد النظر في تاريخ العلاقات بين العمل والثقافة في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، ملمحا إلى أن الحكاية التي تم تجويدها بالتكرار، وتدور حول العداء بين الطبقة العاملة واليسار الجديد، طغت على بعض العناصر الباهرة في جبهة ثقافية قامت في عصر العوالم الثلاثة!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك