عرض/وليد الزبيدي
إن الاجابة على سؤال بهذا الحجم (ما المعرفة؟) قد تكون صعبة وسهلة في وقت واحد، لأن لفظة المعرفة بحد ذاتها واسعة ومتشعبة وليس من السهل الإلمام بجميع جوانبها وتشعباتها.

كما أن البحث في جوهر المعرفة وعوالمها والطواف في ثناياها ومفهومها -كما فعل دنكان بريتشارد مؤلف هذا الكتاب- ليس بالأمر المستحيل، وهذا ما يمكن أن يلمسه بوضوح قارئ الكتاب، الذي قسّمه المؤلف إلى ثلاثة أجزاء تشتمل على العديد من الفصول.

قبل الولوج في صلب موضوعه يناقش الكاتب ما يسميها بعض المسائل التمهيدية، من خلال البحث في أنماط المعرفة، منوها إلى أنه على المرء أن يفكر مليا في كل الأشياء التي يعرفها حاليا أو على الأقل تلك التي يتصور أنه يعرفها، منها أن الأرض كروية، وباريس عاصمة فرنسا، وأنك تعرف على سبيل المثال أن كل الأشخاص العزاب هم غير متزوجين، وأن "العراب" فيلم رائع.

-العنوان: ما المعرفة؟
-المؤلف: دنكان بريتشارد
-المترجم: مصطفى ناصر
-عدد الصفحات:300

-
سنة الصدور: 2013
-الناشر: عالم المعرفة الكويتية

ثم سرعان ما ينتقل الكاتب إلى فقرة أخرى، يحاول فيها الانتقال من البساطة والسلاسة في طرح موضوعه إلى ما يمكن أن نسميه ببدء العصف الفكري، وحشد القارئ لدخول مواجهة معرفية حقيقية، فبعد عدة أسطر من المدخل، يطرح تساؤلا مهما، يقول، ولكن ما الشيء المشترك في كل حالات المعرفة هذه؟ ويتوجه للقارئ بصورة حادة ومباشرة، طالبا منه التفكير مرة أخرى في الأمثلة التي طرحها.

نظرية المعرفة
في الصفحات الأولى من كتابه وبعد أن يطرح مجموعة أسئلة عامة وبسيطة، يؤكد أن قارئ الكتاب حين يصل إلى نهايته ينبغي أن يصبح قادرا على أن يعدّ نفسه مطلعا عن كثب على موضوع "الإبستمولوجيا" أو ما يعرف بنظرية المعرفة.

يقسّم بريتشارد المعرفة إلى نوعين قبل شروعه في دراستها بالتفصيل، هما المعرفة الافتراضية ومعرفة القدرة، وبينما يقول إن المعرفة الافتراضية تتعلق بـ"افتراض" معين، أي أن الافتراض هو ما تخبرنا به جملة معينة وتؤكد أو تثبت أنه شيء موجود ومتحقق في الواقع، كما ذكرنا بعض الأمثلة عن العرّاب وغيرها.

ومع أن محور الكتاب يناقش هذا النوع من المعرفة يتوقف الكاتب عند نوع آخر من المعرفة، هو معرفة "القدرة"، أو معرفة الطريقة التي تمارس بها فعالية أو نشاطا معينا، مثلا ممارسة السباحة وركوب الدراجة وغير ذلك، وعلى سبيل المثال فإن معرفة النمل طريق سيره يدخل ضمن معرفة القدرة، لكن المعرفة الافتراضية تستلزم مسبقا وجود نوع من القدرات الفكرية المتطورة نسبيا التي يمتلكها بنو البشر.

يعتمد المؤلف أسلوب طرح الأسئلة، ليضع القارئ لفصول كتابه أمام مسؤولية المشاركة في فهم الموضوع المطروح ومن ثم التفاعل معه، وهو أسلوب يتوخى فيه البحث في جميع الزوايا انطلاقا من اللبنة الأولى للفكرة وصولا إلى بنيتها وصورتها النهائية، فنجده في بحثه عن قيمة المعرفة، يتساءل بالقول، من الأسئلة التي نادرا جدا تطرح في الإبستمولوجيا، سؤال يتعلق بجانب ربما كان من أكثر الجوانب أهمية ضمن هذا الحقل الفلسفي، ذلك السؤال هو ترى لماذا نهتم بما إذا كنا نمتلك معرفة أم لا؟ وهذا يقود القارئ إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ يتعلق الأمر بمسألة "قيمة المعرفة".

قد يرى البعض أن قيمة المعرفة تتحدد في المجال أو الأفق الذي يحتاجه شخصيا أو ضمن جماعة أو فئة عاملة في محيط معين، في حين تجد الحقول والفئات الأخرى ذات القيمة أو ربما أكثر للمعرفة، فتكون القيمة الجمعية للمعرفة أكثر شمولا وأوسع أفقا، مما يمنح حقولها أهمية استثنائية في مجمل أوجه الحياة وتداخلاتها وتشعباتها.

إذا كانت المعرفة تقدم حلولا للكثير من المشاكل والمعضلات، فإنها في نهاية المطاف تمثل علاجات جاهزة لأمراض الجهل والأمية، مما يفتح النوافذ أمام المعرفة لطرق الكثير من الأبواب وفي مختلف الأزمنة وفي جميع بقاع المعمورة

وإذا كانت المعرفة تقدم الحلول للكثير من المشاكل والمعضلات، فإنها في نهاية المطاف تمثل علاجات جاهزة لأمراض الجهل والأمية، مما يفتح النوافذ أمام المعرفة لطرق الكثير من الأبواب في المجتمعات وفي مختلف الأزمنة وفي جميع بقاع المعمورة.

ويرى المؤلف أن من الوسائل التي تساعد على فهم قيمة المعرفة أن يلاحظ المرء أن بإمكانه "معرفة" الشيء الحقيقي فقط، وأن شرط الحقيقة في اعتقادات الإنسان يبدو حقا شيئا ذا قيمة، وإذا عرفنا أن الحقيقة في الاعتقاد ذات قيمة، وأن المعرفة تتطلب وجود الحقيقة، عندئذ ربما نكون قد قطعنا على الأقل نصف الطريق للإجابة عن السؤال المطروح عن السبب في اعتبار المعرفة ذات قيمة.

تعريف المعرفة
في تعريفه "للمعرفة" يطلق المؤلف جملة تثير الحماس لدى القارئ لتعرف طبيعة التعريف الذي يراه للمعرفة، يقول، الشيء المؤكد أن معايير المعرفة بعيدة حقا عن الوضوح، وهذا يستدعي التشكك في فكرة أن بإمكاننا تحديد مثل هذه المعايير من دون الرجوع إلى حالات واقعية للمعرفة.

يرى أن المعيار في هذه المسألة يمثل مشكلة، إذ لا بد أن تعترض أي شخص يرغب في أن يعطي تعريفا للمعرفة-أو يحاول الإجابة عن سؤال "ما المعرفة" مشكلة على الفور، تتمثل في النقطة التي يمكن أن يبدأ منها أو كيف له أن يبدأ.

وعن معايير المعرفة، يقول بريتشارد، إذا كانت المعرفة من ناحية مفهومها معقدة للغاية حقا، فكيف يحدث أننا نستطيع تحديد حالات للمعرفة بشكل صحيح مع أننا نفتقر إلى استيعاب مسبق لماهية تلك المعايير؟

ينتقل المؤلف من تعريف المعرفة وقيمة المعرفة إلى تركيبة المعرفة مفردا لذلك أحد فصول كتابه، ومخاطبا القارئ بقوله، لتأخذ أي اعتقاد تتمسك به، أي تكون واثقا بأن حقيقة ذلك الاعتقاد شيء لا غبار عليه مثل ثقتك بأي شيء آخر تعتقده، على سبيل المثال اعتقادك بأن الأرض تدور في فلك حول الشمس وليس عكس ذلك، إذا كنت واثقا من هذا الأمر فمن البدهي أنك تعد ذلك الاعتقاد حقيقيا وينبغي على أي إنسان أن يتمسك به، بمعنى آخر هو اعتقاد مبرر.

ويجيب المؤلف في هذا الفصل عن سؤال محوري يطرحه، هو، اطرح على نفسك السؤال التالي، ما الذي يبرر هذا الاعتقاد؟

ما يميز هذا الكتاب إبحار مؤلفه وطوافه في عالم المعرفة الذي يجمع الكثير من البحار والشواطئ والأنهر في مسار واحد، محاولا -وقد نجح- أن يضع الأسس الصلبة لكل من يريد الإبحار في هذه العوالم الغنية

في تناوله للعقلانية يبدأ المؤلف من أمر بديهي يتعلق بامتداح الناس العقلانيين، وعلى عكس ذلك انتقاد الآخرين لافتقارهم إلى العقلانية، ونظرا لاهتمامه بدراسة نظرية المعرفة فإنه يهتم بنوع محدد من أنواع العقلانية، التي تعرف بـ"العقلانية المعرفية" وهو يؤمن بأن هذا النمط من العقلانية فقط هو الذي له أهمية قدر تعلق الأمر بنظرية المعرفة، وببساطة فإن العقلانية المعرفية هي نوع من العقلانية التي تركز على الهدف من الاعتقاد الحقيقي.

في فصل بعنوان "مهارات وقدرات" يناقش الكاتب موضوعية الموثوقية، ويرى أن القدرات التي يتمتع بها الإنسان، مثل النظر، هي قدرات إدراكية، وحين تعمل بالصورة المناسبة وفي البيئة التي تناسبها على الأقل فهي تتيح لك الوثوق بها لاكتساب اعتقادات حقيقية عن العالم الذي حولك.

يخصص فصول الجزء الثاني من كتابه لمناقشة مصادر المعرفة وفي مقدمتها مسألة الإدراك الحسي، ويقول بهذا الصدد، تتمثل المشكلة المهمة التي تواجه تجربتنا غير المباشرة في أننا نجعل معرفتنا عن العالم التي نكتسبها عن طريق الإدراك الحسي تستند إلى عملية استدلال وذلك يهدد بعزلنا كليا عن العالم.

وفي بحثه بموضوع البديهة والاستدلال يرى أن هناك فرقا شاسعا في الفلسفة بين البديهة والمعرفة التجريبية، هذا الاختلاف بين المفهومين يتعلق بما إذا كانت المعرفة المطروحة للنقاش يتم التوصل إليها بمعزل عن تقصي واختبار العالم من خلال التجربة وهو "ما يعرف بالبحث التجريبي".

إن ما يميز هذا الكتاب إبحار مؤلفه وطوافه في عالم المعرفة الذي يجمع الكثير من البحار والشواطئ والأنهر في مسار واحد، محاولا -وقد نجح في محاولته- أن يضع الأسس الصلبة لكل من يريد الإبحار في هذه العوالم الغنية بكل أنواع العلوم والثقافة.

وبدلا من أن يبدأ الطواف عفويا أو عشوائيا، سعى المؤلف بجد في وضع اللبنات الرئيسية لكل من يبغي الطواف بأمان وبعيدا من التشتت والضبابية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك