إعداد/شيرين يونس

تعرض الاقتصاد المصري طوال أربعة عقود ماضية لعملية استنزاف وتخريب ممنهجة ومنظمة، تباينت فيها المصالح الخاصة للقائمين على الحكم والإدارة وحلفائهم في الداخل والخارج، عن المصلحة الوطنية المصرية العليا بالمعنى والمفهوم الإستراتيجي للكلمة.

وقد تعرضت قطاعات الاقتصاد السلعي في مصر طوال الأربعين عاما الماضية إلى تغيرات ضارة، جعلت الدولة المصرية ككل تحت ضغوط القوى الخارجية وامتداداتها المحلية من طبقة رجال المال والأعمال.

واستعرض الكاتب بعض نتائج تلك السياسات الخاطئة، كزيادة العجز في الميزان التجاري وتعاظم فاتورة وارداتنا من المواد الغذائية لتتجاوز 25 مليار دولار عام 2010، وكذلك استحواذ القطاع الخاص عام 2010 على ما يزيد على 350 مليار جنيه بما يشكل أكثر من 60% من التسهيلات الائتمانية الممنوحة من البنوك كافة، إضافة إلى إهدار ما يقارب ثمانين مليار جنيه، ذهبت إلى جيوب وحسابات عدد محدود من كبار المقاولين ورجال الحكم والإدارة والمكاتب الاستشارية القريبة من الحكم والإدارة.

-العنوان: مأزق الاقتصاد المصري وكيفية الخروج منه
-المؤلف: عبد الخالق فاروق
-عدد الصفحات: 232
-دار النشر: دار الثقافة الجديدة
-الطبعة: الأولي، 2013

وانتقل الباحث للحديث عن السياسات المالية والنقدية وأسواق المال، التي انتهجها نظام مبارك، مثل التلاعب في أسعار الصرف، ونظم الاقتراض المصرفي، وتغيرات سعر الفائدة، ونظم الاستيراد والتمويل عبر ما يسمى "كمبيالات" التحصيل، وطريقة الإقراض بالنقد الأجنبي، وحسابات المراسلين بالبنوك، والإقراض بدون ضمانات كافية.

إضافة إلى التركيز على رفع معدلات النمو بمعزل عن اتباع سياسات توزيع الدخل وعائدات النمو بين الوحدات الاقتصادية المختلفة، وفي معزل عن سد منابع الفساد المالي والإداري.

وتحدث المؤلف عما جري من تلاعب في الموازنة العامة ونمط الأولويات، مثل إنشاء حسابات خاصة وصناديق خارج الموازنة العامة للدولة، واستحداث ما سمي ببند الاعتماد الإجمالي أو الاحتياطات العامة، أو ما تضمنته الموازنة العامة بما يسمى "التأشيرات العامة" التي استخدمت جميعا لوضع مبالغ مالية طائلة دون مراقبة الأجهزة الرقابية.

إضافة إلى تزايد الدين العام المحلي، الذي تجاوز في نهاية حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك 888 مليار جنيه، ومعدل خدمته تزيد على 76 مليار جنيه، بخلاف الدين الخارجي الذي تجاوز حوالي 33 مليار دولار، فضلا عن الديون على بعض الهيئات الاقتصادية مثل هيئة البترول والتي تزيد بدورها على ثلاثة مليارات دولار.

وهناك أيضا التلاعب في سعر الصرف لمصالح فئات معينة، إضافة إلى التدخل في سياسات الإقراض المصرفي، والتي أدت إلى زيادة حجم الأموال المهربة من مصر إلى خارجها، وأيضا التلاعب في إدارة قطاعي النفط والغاز، والذي أضاع على مصر وشعبها منذ عام 2002 ما بين ثلاثة وخمسة مليارات دولار سنويا ذهبت إلى شركائهم الأجانب والمحليين.

ويتطرق الكاتب إلى بيع الشركات والممتلكات العامة وبرنامج الخصخصة، وإهدار ما يربو على 150 مليار جنيه، نتيجة التقييم البخس لقيمة هذه الشركات -بحسب التقديرات- إضافة إلى ما أدت إليه الخصخصة من التضحية بكوادر فنية وعُمّالية تحولت إلى رصيد إضافي للبطالة في المجتمع.

أكذوبة الدعم
يرى المؤلف أن الحكومة المصرية -ومسؤوليها- تتعامل مع مسألة الاعتمادات المالية المخصصة لدعم أسعار بعض السلع والخدمات وفوائد بعض أنواع القروض، من زاوية واحدة وهي حجم هذه الاعتمادات ونصيب الفرد منها.

يتطرق الكاتب لبيع الشركات والممتلكات العامة وبرنامج الخصخصة، وإهدار ما يربو على 150 مليار جنيه، نتيجة التقييم البخس لقيمة هذه الشركات، فضلا عن تحول الكثير من الكوادر الفنية إلى البطالة نتيجة الخصخصة

ويرفض الباحث هذا التعامل بالتحليل الاقتصادي والاجتماعي للظاهرة، مشيرا إلى أن إهمال قطاعات الإنتاج السلعي أدى إلى اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، إضافة إلى أن تعديل أسعار صرف الجنيه المصري نتيجة الاندفاع السياسي للاندماج في الاقتصاد الرأسمالي الدولي أدى إلى رفع قيمة فاتورة الواردات.

في الوقت ذاته، نفى الباحث العلاقة السببية بين التزايد السكاني وزيادة الاعتمادات المالية لدعم السلع والخدمات، حيث إن معدل التزايد السكاني الذي يبلغ سنويا حوالي 2.3% إلى 2.5% خلال الفترة نفسها، يعني تضاعف عدد السكان خلال الفترة نفسها لمرة واحدة.

ومع ذلك يؤكد المؤلف تضاؤل الاعتمادات المالية المخصصة لدعم الأسعار في قيمتها الحقيقية عاما بعد آخر لأسباب منها: التضخم وارتفاع الأسعار المستمر، والانخفاض المستمر للقدرة الشرائية للجنيه المصري، والانخفاض في القيمة المطلقة لاعتمادات الدعم وخفض تكاليف المعيشة عاما بعد آخر.
ودعا الكاتب إلى ضرورة استبعاد مفهوم الدعم غير المباشر، الذي يعبر عن دعم دفتري أو حسابي، وليس عن دعم فعلي كما يؤكد المفهوم الحكومي الرسمي.

ويلفت الباحث النظر للتطور اللافت في مخصصات الدعم الواردة في الموازنة العامة للدولة في مصر بدءا من عام 2005/2006، حيث استجد ما يسمى دعم المشتقات البترولية، والذي بلغت قيمته بموازنة 2011/2012 حوالي 95 مليار جنيه.

كما تزايد دعم فوائد القروض الميسرة ومخصصات دعم المصدرين من رجال الأعمال، مقابل تضاؤل المخصصات المالية لدعم المزارعين لخفض مستلزمات التشغيل الزراعي.

ويقترح المؤلف أربعة مكونات لبرنامج تصحيحي في منظومة الدعم هي: إعادة هيكلة قطاع البترول والطاقة، وإعادة هيكلة منظومة إنتاج وتوزيع الخبز المصري، وإعادة النظر في التركيب المحصولي والدورة الزراعية، وإعادة هيكلة الموازنة العامة للدولة.

الأجور والمرتبات
يعدد المؤلف سلبيات نظام الأجور والمرتبات السائدة في القطاع الحكومي المصري، ومنها عدم استناد سياسات الأجور والمرتبات إلى سياسة شاملة ومتكاملة، وعدم مراعاة تكاليف المعيشة وتطوراتها، والتغيرات العميقة التي طرأت على هيكل وبنيان الاقتصاد المصري وتأثير آليات السوق.

إضافة إلى عدم ملاحقة تلك السياسة للتغيرات الجذرية في الاقتصاد والمجتمع المصري، واتسامها بعدم العدالة والتشوه بين قطاعات وروافد القطاع الحكومي والمحليات، وتدميرها عناصر التحفيز ومبدأ الثواب والعقاب في العمل الإداري، وتوسيعها الفروق النسبية بين الحد الأدنى للمرتب أو الدخل الوظيفي.

ويرى الكاتب أن بناء نظام متوازن وعادل للأجور يحتاج إلى توافر عناصر أربعة متكاملة ومتلازمة يتفرع عنها عشرات العوامل الإضافية، وهي: مراعاة الحد الأدنى الإنساني للأجر وملحقاته، ومراعاة هياكل الأسعار المحلية ومستوى المعيشة والسيطرة على العوامل المؤثرة في تلك الهياكل السعرية، ودورة الإنتاج والتشغيل، والتمثيل النقابي الحر والمفاوض الجماعي محل الثقة.

وفي ما يتعلق بسياسات وإجراءات السيطرة على الأسعار، اقترح الباحث البدء فورا بمراجعة قوانين حماية المنافسة ومنع الاحتكار، وتعزيز دور جمعيات حماية المستهلك، وإلغاء كل القوانين التي تسمح للوزير والسلطة المختصة بالتدخل في سير الإجراءات أو الدعوى العمومية أو وقفها أو التصالح مع المخالفين، وضرورة عودة وتفعيل النص الخاص بالتسعير الإجباري، وضرورة نزول الدولة وأجهزتها ولو لفترة مؤقتة إلى سوق التوزيع، وكذلك عودة دور الحكومة الإنتاجي من خلال وقف برنامج الخصخصة.

الصناديق الخاصة
خروجا على المبادئ التي تتأسس عليها ميزانيات الدول الحديثة، والتي من أبرزها مبدأ وحدة الميزانية وشمولها كافة الموارد وأوجه الإنفاق، جاء اختراع ما سمي الحسابات الخاصة، أو الصناديق الخاصة في النظام المالي المصري.

وقدّر الباحث مجموع ما خسرته الخزانة العامة نتيجة هذه الحسابات والصناديق الخاصة، بما يتراوح ما بين 150 و200 مليار جنيه على أقل تقدير، وقدرت بعض المصادر عدد هذه الحسابات والصناديق بحوالي ثمانية إلى عشرة آلاف صندوق وحساب خاص.

يقدم الباحث رؤيته لبرنامج رئاسي يرتكز على محاور أساسية، منها إصلاح شامل لمنظومة وفلسفة العمل الاقتصادي، وإعادة هيكلة السياسة المالية وتنظيم الموازنة العامة والقطاع المالي والمصرفي

واستعرض الكاتب المخاطر المالية والاقتصادية للصناديق والحسابات الخاصة، ومنها أنها تشكل شبكة فساد مروعة من كبار المسؤولين بالدولة، وأنها تخلق تيارات مالية خارج نطاق السياسات المالية الرسمية، وأنها تخلق حالة من عدم اليقين في المستقبل وفي الجدارة الأخلاقية لمؤسساتنا، وأنها تؤثر على مستوى معيشة المواطنين عبر فرضها رسوما وما يشبه الضرائب خارج نطاق القانون، وتأثيرها السلبي على إيرادات الموازنة العامة للدول.

من ناحية أخرى، يؤكد الباحث أن الفساد في مصر ليس قدرا إلهيا، لكنه نتاج مجموعة من السياسات والتشريعات وأساليب العمل الإداري الخاطئة، وبيئة غير مناسبة لعمل نظيف وشفاف، بالإضافة إلى ضعف مقنن لأجهزة الرقابة والتفتيش.

واستعرض الكاتب ركائز ودعائم مواجهة الدولة الفاسدة، وهي ترسيخ مبدأ نزاهة وشفافية النظام الانتخابي على كافة المستويات، ومراجعة المنظومة القانونية الاقتصادية، وضمان استقلالية السلطة القضائية، وإصدار قانون محاكمة الرئيس والوزراء، وإلغاء الصناديق والحسابات الخاصة، وإعادة هيكلة الموازنة العامة للدولة والسياسة المالية، وإعادة تنظيم وهيكلة الجهاز الإداري للدولة.

ويؤكد الكاتب أنه بتحليل أرقام موازنة العام المالي 2012/2013، يكشف أن الأداء النمطي المعتاد لمن يديرون سياستنا المالية والاقتصادية ظل وكأننا لم نقم بثورة تطالب بتصحيح تلك السياسات الشاذة.

حيث لم تتغير تلك العقلية المالية والاقتصادية في طريقة مواجهة العجز والفجوة التمويلية الكبيرة، واستمرار عدم العدالة في توزيع المخصصات المالية للجهات الحكومية، وأخيرا استمرار ما يمكن تسميته "الضرائب السعرية"، والبقاء على تحميل الفقراء وكاسبي الأجور والمرتبات عبء الحصول على هذه الإيرادات.

ويقدم الباحث رؤيته لبرنامج رئاسي مقترح لسياسات التغيير الاقتصادي والمالي، يرتكز على محاور أساسية، منها إصلاح شامل لمنظومة وفلسفة العمل الاقتصادي، وإعادة هيكلة السياسة المالية وتنظيم الموازنة العامة والقطاع المالي والمصرفي، والمحور الأخير تبيان آليات تفكيك دولة الفساد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك