عرض/عدنان أبو عامر
يعتبر هذا الكتاب الأول باللغة العبرية الذي ينشغل فيما بات يعرف "الدبلوماسية الجماهيرية"، وموقعها في الصراعات الدائرة بين إسرائيل والمنظمات المسلحة، من خلال استعراض كافة أشكال المواجهات الإعلامية والدعائية المرافقة للحروب العسكرية التي يتخللها نزيف دماء كبير، في ضوء أن الحرب على الرأي العام تحول في السنوات الأخيرة إلى ساحة ليست أقل من المعارك الدامية على الأقل بالنسبة للجيش الإسرائيلي.

- العنوان: حرب الإعلام
- تأليف: نحمان شاي
- عدد الصفحات: 422
- الناشر: يديعوت أحرونوت
- الطبعة: الأولى/ 2013

ويرى المؤلف عضو الكنيست الإسرائيلي "نحمان شاي"، أن مسوغ إصدار الكتاب يأتي لأن معركة كسب القلوب والعقول في السنوات الأخيرة باتت حملة متعددة الأوجه في إسرائيل، خاصة في ضوء أن المنظمات المسلحة التي تخوض حربا معها تلجأ لهذه المعركة للتأثير على معنويات صنع القرار الإسرائيلي.

ويسعى الكتاب لتحديد مسارات فريدة من نوعها في إسرائيل لخوض هذه المعركة من خلال الاستعانة بنماذجها المتقدمة في دول أخرى خاضت صراعات مماثلة، من خلال الكشف عن قرار الحكومة الإسرائيلية تشكيل طاقم عمل وطني في مكتب رئيس الوزراء، مهمته بالدرجة الأولى تنسيق عمل جميع وكالات العلاقات العامة في إسرائيل لتقديم معلومات موثوقة وموحدة ومتناسقة، على طريق التقدم نحو نظام لا مركزي للدبلوماسية العامة.

معركة الوعي
يتضمن الكتاب في فصوله انتقادات حادة لصناع القرار في إسرائيل، وتحديدا في وزارة الخارجية ومكتب الإعلام الحكومي، اللذين أظهرا مرات عديدة في العقد الأخير نقاط ضعف إسرائيل أمام الفلسطينيين، لأنهما لم يواكبا التطور الذي حصل في الحروب الكلاسيكية، وأبقيا اهتمامهما في الساحة الدبلوماسية العامة في أدنى مستوياتها.

ولذلك يصل إلى استنتاجات قاسية تجيب على السؤال الذي أرق إسرائيل كثيرا في السنوات الأخيرة: لماذا فشلت مرارا في حملاتها الإعلامية الدبلوماسية رغم النتائج الإيجابية للحملات العسكرية؟

ويتناول الكتاب الأحداث الكبرى التي عكست ما أسماها "الحرب على الوعي"، بين إسرائيل والفلسطينيين، من خلال عدة نماذج تمثلت أبرزها في حادثة استشهاد الطفل محمد الدرة عام 2000 الذي فجر انتفاضة الأقصى، وحادثة سفينة "مرمرة" أمام شواطئ غزة أواسط عام 2010، وتسبب بقطيعة في العلاقات مع تركيا.

يسعى الكتاب لتحديد مسارات فريدة من نوعها في إسرائيل لخوض معركة كسب العقول من خلال الاستعانة بنماذجها المتقدمة في دول أخرى خاضت صراعات مماثلة
ويضيف: الكتاب يصل إلى توصية لرجال السياسة وجنرالات الجيش في إسرائيل مفادها أن المنتصر في الحروب خلال السنوات الأخيرة هو من نجح في الجمع بين التحركات العسكرية الميدانية على الأرض، وبين الماراثون المتواصل للدبلوماسيين ووسائل الإعلام، لأننا بتنا نشهد عهدا جديدا للدبلوماسية الإعلامية، عبر جميع وسائلها التقليدية، والابتكارية من خلال الشبكات الاجتماعية.

ويرى المؤلف أن إسرائيل تمتلك جيشا قويا جدا من الجيوش الأولى في العالم، لكنها تعجز في مواجهة حرب الكاميرا والصورة، وكذا حصل في حرب غزة الأخيرة، بتنفيذ جرعة ثقيلة من الغارات الجوية على حركة حماس، لكنها في المقابل حققت انتصارا بواسطة صواريخها التي أطلقت في المرة الأولى تجاه مدينتي تل أبيب والقدس، لأننا بدونا مجتمعا متفككا خائفا مذعورا.

ويصل الكتاب إلى مقارنة جديدة من نوعها بين "القوة الناعمة أمام القوة الصلبة"، الأولى انتصر فيها الفلسطينيون والعرب، من خلال النضال الدبلوماسي، والعوامل القانونية والاقتصادية، والذهاب للمحاكم الدولية، والمقاطعة الرائدة لإسرائيل، والانتقال للأمم المتحدة، بدلا من تفجير الحافلات في إسرائيل، وإثارة العداء ضدهم، فيما حققت إسرائيل في استخدام القوة الصلبة نجاحات باهرة، لكن العالم والمجتمع الدولي اليوم يمنح أفضلية للطرف الأول، لأن الطرف الثاني لم يستطع تسويغ وشرعنة خطواته العنيفة ضده.

مع العلم أن الحروب في الساحة الدبلوماسية والإعلامية لا تحتاج للكثير من الموارد، ولذلك تحتاج إسرائيل لإنشاء حملة إعلامية للدبلوماسية العامة، تخضع لنائب رئيس مجلس الوزراء، مقترحا إنشاء إذاعة إسرائيلية باللغتين العربية والإنجليزية موجهة للمنطقة العربية، على غرار قناة الجزيرة القطرية، التي استطاعت ترويج الرواية العربية الفلسطينية بصورة منقطعة النظير.

كما يقترح "شاي" من خلال هذه الدبلوماسية الإعلامية الاستعانة بآلاف الأفراد المنتشرين في عدد كبير من دول العالم، من اليهود وغير اليهود المؤيدين لإسرائيل، لنقل المعلومات في أي ركن من أركان العالم، وعدم الاكتفاء بما تمليه عليه السلطة والأجهزة الأمنية من معطيات، وضرورة انتهاج هذه الدبلوماسية الإعلامية مبادئ أساسية في حديثها، وتغطيتها للصراع مع الفلسطينيين والعرب.

ومن أهمها: اللمسة الإنسانية، والاعتراف بوجود فروق ثقافية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كي يجد الغربيون أنفسهم قريبين من الإسرائيليين، نظرا لاشتراكهم في الثقافة نفسها معهم، والتقاليد والقيم.

تبرير الهجمات
وأشار الكاتب إلى أن ما تبذله الحكومة الإسرائيلية بمختلف وزاراتها من جهود حثيثة على المستوى الإعلامي تحقيقا لأهدافها السياسية لا يجد طريقه للنجاح، رغم وجود سلسلة من الإدارات المتخصصة في وزارة الخارجية التي تعتبر بكاملها جهازا إعلاميا متكامل النشاطات، بل هي ركيزة الإعلام الإسرائيلي الخارجي، الموجه لدول وشعوب العالم الخارجي.

وتحقيقا لهذا الغرض، ينظم الإعلام الحكومي بمختلف أقسامه المحاضرات والاجتماعات العامة في طول إسرائيل وعرضها، ويصدر عددا كبيرا من المنشورات تزيد عن المائة منشور خلال عام واحد، يوزع منها مئات الآلاف من النسخ داخليا وخارجيا، مستذكرا العبارة الشهيرة لـ"ديفد بن غوريون" أول رئيس حكومة إسرائيلية أن مهمة وزارة الخارجية أن تبرر وتفسر للعالم المغزى الكامن وراء عمليات الجيش الإسرائيلي.

يرى المؤلف أن إسرائيل تمتلك جيشا من أقوى جيوش العالم، لكنها تعجز عن مواجهة حرب الكاميرا والصورة، وهذا ما حصل في حرب غزة الأخيرة
واقترح "شاي" جملة من النشاطات الإعلامية والدبلوماسية لتفادي الإخفاق الذي تواجهه إسرائيل، من قبيل: الاتفاق مع كبرى الصحف العالمية على إصدار ملاحق خاصة عن إسرائيل، وتنظيم مقابلات صحفية حول المناسبات اليهودية، مثل حرب 1948، وحرب 1967، والمجازر النازية ضد اليهود في أوروبا، ونشرها على أوسع نطاق، وإصدار نشرات إعلامية بلغات متعددة حول الأحداث المحلية والعالمية، وموقف إسرائيل منها.

إلى جانب تنظيم جولات وزيارات ميدانية في شتى المدن والتجمعات السكنية، ومرافقة وفود أجنبية، لا سيما اصطحاب هذه الوفود إلى أماكن العمليات الفدائية، وسقوط الصواريخ، وإقامة علاقات وثيقة مع شبكات التلفزة الأجنبية، والاتفاق معها لتزويدها بالأفلام الوثائقية الخاصة بإسرائيل، واستقدام المفكرين والإعلاميين العالميين لإسرائيل لإلقاء محاضرات وندوات تخدم الأهداف العامة للدولة.

ويوجه "شاي" ذو الخبرة الطويلة في الإعلام الإسرائيلي، بشقيه المدني والعسكري، جملة من الملاحظات والتوصيات لدوائر الدبلوماسية الإعلامية الإسرائيلية من أهمها: التعامل مع الصحفيين والإعلاميين بصورة مهنية تكسبهم احترام وسائل الإعلام الأجنبية، واستغلال طاقات اليهود الذين هاجروا من أوروبا الشرقية والغربية ممن يمتلكون خبرة صحفية راقية، نقلوا هذه الخبرة والتجربة ووظفوها في دوائر الإعلام الحكومية.

وطالب الحكومة الإسرائيلية باستقطاب كوادر إعلامية متنفذة في جميع بلدان العالم، وخاصة أميركا وأوروبا، للعمل ضمن هذه الدوائر، والتعاقد مع شركات كبرى تعمل في مجال الدعاية وكسب الرأي العام، بجانب تسفير إعلاميين وصحفيين يهود إلى الخارج، لتبادل الآراء والخبرات بين الداخل والخارج عن طريق الدورات التدريبية، وتبادل المعلومات، وتصدير التقنيات.

ويستغرب الكتاب من عدم قيام الإعلام الإسرائيلي هذه الأيام باستخدام أدوات وأساليب دأب على استخدامها في بداية تاريخ الدولة، وطالب بإعادة توظيفها للانتصار في معركة الرأي العام على الفلسطينيين والعرب من قبيل، استضافة عدد كبير من الأجانب من مختلف الجنسيات كل عام، سواء بصفتهم الشخصية أو الرسمية، ويدعون فرديا أو ضمن مجموعة متميزة، سواء لحضور مناسبة تحتفل بها إسرائيل، أو بدون مناسبة.

ويسجل المؤلف ملاحظة امتاز بها أهم ضيوف إسرائيل من الإعلاميين والدبلوماسيين الأجانب أن دعوتهم تمت نتيجة دراسة واختيار، فإما كانوا رجال سياسة، أو في مراكز السلطة، أو قادة عسكريين أو نقابيين أو فنانين، رجالا ونساء، شبابا وطلابا، المهم أن يتوفر فيهم من المؤهلات ما يجعلهم، إن لم يكونوا اليوم فغدا، أشخاصا مرموقين، وذوي مكانة ونفوذ في بلادهم.

طالب المؤلف الحكومة الإسرائيلية باستقطاب كوادر إعلامية متنفذة في جميع بلدان العالم، وخاصة أميركا وأوروبا، والتعاقد مع شركات كبرى تعمل في مجال الدعاية وكسب الرأي العام
خبرة عسكرية
مؤلف الكتاب "شاي" (67 عاما) عضو الكنيست الحالي، ويعتبر من موظفي إسرائيل القدامى من ذوي الخبرة وقدامى المحاربين في مجال الدعاية الإسرائيلية، وقد انخرط في عدة مناصب بمجال الاتصالات والعلاقات العامة في إسرائيل والخارج، بما في ذلك المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي خلال حرب الخليج الأولى عام 1991، ورئيسا لدائرة العلاقات العامة في الجيش مع بداية الانتفاضة الثانية عام 2000.

كما خدم "شاي" في سلك الجيش والدبلوماسية الإسرائيلية لمدة أربعين سنة، حيث عمل مراسلا عسكريا، ومستشارا إعلاميا، ومتحدثا باسم السفارة الإسرائيلية في واشنطن، ومدير إذاعة الجيش الإسرائيلي.

وحظي الكتاب بإشادات عديدة من أوساط مختلفة في إسرائيل، حيث وصفه البروفيسور "إيتان غلبوع"، من جامعة "بار إيلان" بأنه لا بديل عنه أمام أي سياسي، صحفي، رجل أعمال، باحث عادي.

وقال عنه "رون بروسور" السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة، إنه يحدد معالم عمليات التخطيط للدبلوماسية العامة وصنع القرار.

واعتبر المراسل العسكري "أمير أورن" أنه كنز ثمين، لأنه يقدم خارطة طريق مبتكرة وليست تقليدية للدبلوماسية الإعلامية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك