زياد منى
يوفر هذا الكتاب عرضا للأفكار الرئيسة التي تدعو للوحدة الإسلامية منذ إعلان مصطفى كمال أتاتورك انتهاء الخلافة الإسلامية عام 1924، والانتقال إلى الدولة الوطنية/القومية.

فكرة الوحدة الإسلامية في دولة الخلافة الموحدة تبنتها شخصيات ومنظمات وأحزاب إسلامية عديدة يستعرضها الكتاب.

- العنوان: الخلافة الحتمية، تاريخ النضال من أجل الوحدة الإسلامية العالمية
- تأليف: رضا بانكهرست
- عدد الصفحات: 280
- الناشر: هرست كمبني، لندن، المملكة المتحدة
- الطبعة: الأولى، 2013

رشيد رضا وعلي عبد الرازق وحسن البنا وتقي الدين النبهاني وسيد قطب وأبو الأعلى المودودي وأسامة بن لادن وعبد الله عزام من الشخصيات التي يعرض الكاتب أفكارها بخصوص الأمة والخلافة الإسلامية، وبالتالي تطور الفكرة والتباينات فيها من شخصية لأخرى ومن حزب وتنظيم لآخر، ومنها حزب التحرير وجماعة الإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة و"المرابطون".

كما يعرض لبرامج العديد من أحزاب "الإسلام السياسي" في بعض الدول ومنها حزب النهضة في تونس.

سنعود إلى عرض بعض النقاط التي نراها رئيسة بعد ذكر مكونات الكتاب فصلا بعد فصل.

الفصل الأول: تأويل الأفكار، وفيه يقوم المؤلف بتحليل السياسات الإسلامية من خلال "نماذج مفروضة" وفق تعبير الكاتب.

الفصل الثاني: نهاية عصر الخلافة بين الرفض والإصلاح والإحياء.

الفصل الثالث: الوحدة العالمية من خلال الدولة الوطنية - حسن البنا والإخوان المسلمين والسلطة تحت الاحتلال.

الفصل الرابع: الخلافة كونها فعل تحرر/تحرير، حزب التحرير في مرحلة ما بعد العهد الاستعماري.

الفصل الخامس: إلهام من الماضي - أسامة بن لادن والقاعدة، خطاب المقاومة.

الفصل السادس: ما وراء الشرق الأوسط - شبه الجزيرة الهندية والمنافي والمسلمون الجدد.

الفصل السابع: أهداف مشتركة وطرائق متنوعة.

الفصل الثامن: نهاية التاريخ.

ننتقل الآن إلى عرض مكثف للأفكار الأساس الواردة في الفصول.

الفصل الأول، يمثل مقدمة المؤلف لهذه الدراسة المستفيضة عن تاريخ الحركات الإسلامية الساعية لإقامة دولة الخلافة، بطريقة أو بأخرى.

الفصول من الثاني إلى الرابع، خصصها المؤلف للحديث عن الحركات الإسلامية الرئيسية التي وضعت إقامة دولة الخلافة هدفا لها.

يرى الإخوان أن الطريق لإعادة الخلافة يكون بالانتخابات، أما التنظيم الجهادي فمن خلال العمل المسلح، وحزب التحرير فيسعى لتحقيقه من أعلى إلى أسفل

من الحركات التي استعرضها المؤلف تنظيم القاعدة والإخوان المسلمون وحزب التحرير إضافة إلى تنظيمات أخرى، ومنها تحريك-ي-خلافة في شبه الجزيرة الهندية والمرابطون.

ومن المعلوم أن الأولى نشطت في الهند المستعمَرة وكسبت دعم شخصيات وقوى هندية هندوسية مثل المهاتما غاندي وحزب المؤتمر، على أرضية موقفها المعادي للاستعمار البريطاني.

أما المرابطون فهي حركة أسسها الكاتب المسرحي البريطاني إيان دلاس الذي اعتنق الإسلام عام 1967 على يد إمام جامع القرويين في المغرب، واتخذ من عبد القادر الصوفي اسما جديدا، واستحال من بعد ذلك مؤلف الكتب الإسلامية والصوفية على نحو خاص.

ومن الأفكار التي يحللها المؤلف في هذه الفصول تلك العائدة لشخصيات بارزة في فكر الإسلام السياسي ومنهم حسن البنا وسيد قطب وتقي الدين النبهاني وأسامة بن لادن، إضافة إلى شخصيات أقل تأثيرا مثل الهندي أبو الأعلى المودودي ورشيد رضا والباكستاني أسرار أحمد مؤسس تنظيم-ي-إسلامي وناشط في الجماعة الإسلامية في بلاده.

هذه الفصول تبحث في كيفية تحقيق هدف الخلافة. فالإخوان المسلمون، دوما وفق كلمات المؤلف، يرون أن الطريق يمر من أسفل إلى أعلى، أي من خلال الانتخابات.

حزب التحرير بدوره يسعى لتحقيق هدفه من أعلى إلى أسفل. أما التنظيم الجهادي، الرجعي، أيضا وفق كلمات المؤلف، فيسعى إلى تحقيق هدف الخلافة الإسلامية من خلال العمل المسلح.

تركيز المؤلف على هذه الحركات الثلاث مفيد من حيث إنها جميعا كسبت أرضيات واسعة خلال الحراكات الشعبية التي شهدتها ساحات عربية منذ نهايات عام 2010.

من الأمور الأخرى المثيرة للانتباه في هذا الفصل: كيف أن الحركات الشعبية في بعض الدول العربية دفعت تنظيمات إسلامية غير سياسية إلى الانخراط في العمل السياسي، ومن ذلك حزب النور في مصر.

رضا بانكهرست أول بريطاني مسلم يبحث هذا الموضوع من منظور إسلامي، متخصص في العلوم السياسية والتاريخ والحركات الإسلامية، ونال شهادة الدكتوراه عن دراسته هذه من "لندن سكول أُف إيكمنكس" الشهيرة.

المهم أن المؤلف لا يكتفي بعرض الأفكار وتاريخها، إضافة إلى تطور الحركات وأسلوب عملها، بل إنه مارس نقدا لمختلف الحركات الإسلامية، سلبا وإيجابا. والأمر ذاته ينطبق على مؤسسي تلك الحركات وأسلوب عملهم ومنهجياتهم، مقدما في الوقت نفسه ما رآه من أسباب إخفاقاتهم.

الكاتب سجل صراحة أنه استثنى الإسلام الشيعي من دراسته بسبب ارتباطه بفكرة المهدي المنتظر المرتبط قدومه بإرادة إلهية، ما جعل هذا خارج نطاق أبحاثه عن إقامة الخلافة التي تتم بنشاط أرضي.

المؤلف يتعامل مع أسلوب عمل كل من الاتجاهات الإسلامية آنفة الذكر، ليس من خلال النظرة الأوروبية لمسألة الديمقراطية وإنما من خلال النصوص الفقهية ذات العلاقة، ما منح نظرته استقلالية عن أعمال المستشرقين، وجعل منها رائدة في مجالها.

هذا لا يعني أنه لم يرجع إلى تلك الأعمال، بل إنه ذكر بعض المؤلفات والأفكار الرئيسة فيها عن مادته، وقدرها، حيثما وجب.

يختم الكاتب مؤلفه بخاتمة مهمة يشير فيها، ضمن أمور أخرى، إلى ما رآه مسببات الحراكات الشعبية التي شهدتها ساحات عربية منذ نهاية عام 2010، وهي تضم احتلال فلسطين (لكنه لا يذكر حدودها وهل يعني أراضي فلسطين "الانتداب" المحتلة عام 1967 أو كل أراضي فلسطين الانتداب)إضافة إلى ما وصفه باضطهاد المسلمين في كشمير وفي القوقاز.

كما يذكر الأسباب الاجتماعية ومنها انتشار الفقر في معظم ديار الإسلام، رغم ثرائها بالموارد الطبيعية، وخضوع حكومات دول إسلامية لإملاءات أجنبية، ويذكر منها جمهوريات مثل الباكستان ومصر التي يصفها بأنها شبه ديمقراطية، والملكيات مثل الأردن والمغرب.

الكتاب مرجع مفيد ما منحه موقعا مهما بالمكتبة المتخصصة، مع أن بعض ناقدي المؤلف رأوا أنه قدم رؤى منحازة بعض الأحيان بسبب ما قيل عن انتمائه لحزب التحرير

الكاتب رأى أن هذه الشكاوى تنال من الأمة، رغم انتقال كل الدول الإسلامية إلى الدولة الوطنية. وإزاء إخفاق الدول الوطنية في حل المشاكل التي تواجه السكان في كافة تلك الدول، أو لنقل معظمها، نرى أن الناس انتقلوا للبحث في مخارج أخرى ومنها فكرة الخلافة. هذا كله وفق رأي الكاتب.

من الأمور الأخرى الجديرة بالذكر في هذا العرض مناقشته أفكار بعض المستشرقين المتخصصين بالمادة ومنهم الفرنسيان أولفر روي وفرانسوا بورغا، وذلك وفق ما وردت في مؤلفاتهم، وهو يعطيهم حقهم حيثما رأى أنهم أصابوا وينتقدهم حيثما أخطأوا، كما رأى.

الكاتب تعرض في خاتمة الكتاب إلى التمايز بين رؤى الاتجاهات الرئيسة بخصوص كيفية الوصول إلى الخلافة، ورأى أن هذا يعكس تعددية وليس خلافات، مع تجنبه الحديث عن الصراع المسلح الذي اندلع بين بعضها، وربما يعود سبب ذلك إلى أن الكتاب نشر قبيل ذلك.

لكنه أخفق في توقع تحول الاختلاف وتباين الاجتهاد إلى صراع مسلح. كما أن المؤلف أخفق في توقع الانقسام في حزب العدالة والتنمية التركي الذي هو رائد الحركات الإسلامية المعاصرة المنتصرة في المنطقة.

في الوقت نفسه، ومع أن الكاتب تعرض لتطورات الأمور في اليمن عقب اندلاع الحراك الشعبي هناك، إلا أنه أخفق أيضا هنا عندما تجاهل أن الحركات المشاركة ستتجاوز مطلبها الرئيس وهو إنهاء عهد إدارة الرئيس علي عبد الله صالح لتنتهي إلى تقاسم اليمن وتقسيمه إلى ولايات. الأمر ذاته الذي أخفق الكاتب في توقعه في مآل ليبيا المحزن!

الكتاب مرجع مهم ومفيد خاصة لدارسي المادة، والمؤلف قدم وجهات نظره في مختلف المسائل ذات الصلة، ما منح كتابه موقعا مهما في المكتبة المتخصصة، مع أن بعض ناقديه من أهل الاختصاص رأوا أنه قدم رؤى منحازة ومجتزئة في بعض الأحيان بسبب ما قيل عن انتمائه لحزب التحرير.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك