عرض/زياد منى
تكمن أهمية هذا الكتاب في تناوله بالبحث العلمي المنسق، الذي يعتمد على وثائق رسمية تعود إلى الأمم المتحدة وغيرها من المرجعيات، مسألة لم يتم التطرق إليها من قبل على هذا النحو المفصل.

الكاتب، وهو متخصص بتاريخ الإقليم، نشر عدة كتب ومقالات عن القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني، لكنه حاز أيضا على جوائز مؤسسات يهودية أميركية على كتابه الأحدث الذي صدر عام 2010 "مطالب الملكية اليهودية في البلاد العربية"! أما النسخة الإنجليزية الأصلية فقد صدرت عام 2003، وعرضنا هذا يخص النسخة العربية.

- العنوان: سجلات السلب، أملاك اللاجئين الفلسطينيين والصراع العربي الإسرائيلي
- تأليف: مايكل فيشباخ
- ترجمة: سميح حمود
- عدد الصفحات: 580
- الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت.
- الطبعة: الأولى/ 2013

الكاتب سجل في المقدمة أن دراسته تتناول مسألة واحدة شكلت إحدى الجوانب الجوهرية غير المعالجة الخاصة بالصراع وهي مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. والدراسة تتناول بالبحث المعمق هذا الجانب من خلال التركيز على أملاك الفلسطينيين التي استولت عليها إسرائيل وكيفية وضعها في سياق الصراع العربي الإسرائيلي.

نبدأ عرضنا هذا بتأكيد قول الكاتب، الذي اعتمد الوثائق الرسمية للأمم المتحدة مرجعا عن الأملاك الفلسطينية في الوطن الفلسطيني، إن "اليهود" ملكوا قبل عام 1948 أقل من 7% من أراضي فلسطين.

نذكر هذا لنواجه مجددا حملة من يمكن وصفهم بالعرب الصهاينة، أو المتصهينين، القديمة/المتجددة، التي لا تتوقف عن لوم الضحية وتكرار جاهل للادعاء الصهيوني القائل إن الفلسطينيين باعوا بلادهم.

للتذكر مجددا حتى المؤرخون الصهاينة، ولا نقول إن المؤلف أحدهم، لا يدعون أن الفلسطينيين باعوا وطنهم، وأن من ادعى غير ذلك لم يقدم أي وثائق تدعم اتهامه.

الكاتب قسم عمله إلى سبعة فصول، تلت المقدمة، يتناول كل منها جانبا من موضوع البحث، أثراها بجداول تفصيلية كثيرة وردت ضمن سياق العمل وأخرى وضعها في ملاحق ذات علاقة.

من هذا المنطلق لابد من التشديد على أن الكاتب يتناول مسألة الملكية تناولا أكاديميا، وفي بعض الأحيان بالضرورة تناولا مضللا (ولربما غير مقصود)، ينعكس في مصطلحات محددة يوظفها في سياق الدراسة ومنها على سبيل المثال لا الذكر "النزوح" و"اللاجئون" و"الأبعاد الإنسانية لمسألة أملاك اللاجئين".. ووقوعها في شرك أبعاد الصراع.. إلخ.

هذه مصطلحات تتجاهل طبيعة الصهيونية وكونها فكرا رجعيا قياميا عنصريا، وأن الكيان الصهيوني الذي أنجبته وأنشأته على أرض فلسطين (الانتداب) بالضرورة عنصري وعدواني، يستمد غذاءه وجوده وتسويغه من الأساطير والخرافات التي عفا عليها الزمن.

هذه نقاط جوهرية لا يمكن لأي باحث، مهما كان محايدا، إلا أن يلتزم بقواعد الخطاب العلمي عند الكتابة في تاريخ فلسطين المعاصر والصراع العربي الصهيوني.

هذه مقدمة حيوية نرى أنها تفيد القارئ الذي قد ينظر إلى المسألة أكاديميا، كما أراد المؤلف، ونذكّر بتأليفه كتابا عن أملاك اليهود! في البلاد العربية.

يبحث الكتاب في مسألة تعويض الفلسطينيين عن أملاكهم في وطنهم ويركز على مسائل من قبيل مساحة وقيمة الأراضي الخاصة التي ملكوها قبل طردهم من وطنهم
هذا الكتاب يبحث أيضا في مسألة تعويض الفلسطينيين المهجرين من وطنهم عن أملاكهم في وطنهم وهي قضية بحد ذاتها، ويركز بالتالي على مسائل من قبيل مساحة الأراضي الخاصة التي ملكها الفلسطينيون قبل طردهم من وطنهم، إضافة إلى قيمتها وأسباب عدم الاستجابة لمطالبهم رغم الاعتراف الواسع بحقهم في التعويض.

كما يعرض الكاتب دور الولايات المتحدة في تهميش دور منظمة الأمم المتحدة بالخصوص، وأسباب إخراج قضية الأملاك الفلسطينية من النقاش بعد عقدين من النكبة، وغير ذلك من النقاط.

الكاتب اتبع منهجية التسلسل الزمني في بحث مسألة الأملاك الفلسطينية الخاصة في الوطن المحتل، أي تطور هذا الجانب على الصعيدين الإقليمي والدولي، وارتباطها بالسياق الدبلوماسي الأوسع للصراع العربي الإسرائيلي وما يتضمنه من تفرعات طبيعية أو مصطنعة.

الكتاب المرجع في مادته، ضم الفصول الرئيسية الآتية، التي حوت كل منها تفرعات مهمة:

1) نزوح اللاجئين الفلسطينيين والسياسات الإسرائيلية حيال الأملاك المصادرة: حيث يعرض الكاتب هنا ما أسماه "نزوح الفلسطينيين" في عامي 1947 و1948، واستيلاء الكيان الصهيوني على أملاكهم، مع تفصيل الآلية القانونية التي وضعتها الحركة الصهيونية لمصادرتها، إضافة إلى توطين المهاجرين اليهود فيها.

2) النشاط المبكر للجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة بشأن قضية اللاجئين: الكاتب عرض في هذا الفصل الحديث عن أملاك الفلسطينيين خلال الأعوام الأولى من النكبة على نحو تفصيلي.

ومن الأمور التي عرضها نشاطات ما سميت لجنة التوفيق التي أنشأتها الأمم المتحدة وتقاريرها بالخصوص وأسباب إخفاقها في تحقيق أي تقدم في عملها.

3) السياسات الإسرائيلية المبكرة تجاه مسألة اللاجئين: خصص الكاتب هذا الفصل للحديث في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين الضحايا التطهير العرقي الذي مارسته الحركة الصهيونية بحقهم، على نحو مخطط وممنهج، في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، وربطها بمطالب مضادة مثل تعويض اليهود عن أملاكهم في البلاد العربية والتعويضات الألمانية.. إلخ.

4) سياسات عربية ودولية مبكرة تجاه مسألة الأملاك: يعرض الكاتب في هذا الفصل التحرك الدولي بشأن مسألة الأملاك الفلسطينية والتقديرات المختلفة لقيمتها. كما يعرض الكاتب كيف دفع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 -الذي أطلق الباحث عليه الوصف المضلل "حرب السويس"- نحو تهميش مسألة الممتلكات الفلسطينية ومسألة التعويض عنها.

5) البرنامج الفني للجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة: يكشف هذا الفصل للمرة الأولى قيمة الممتلكات الفلسطينية بأكبر دقة ممكنة، دوما وفق كلمات الكاتب، كما ترد في تحقيقات الأمم المتحدة التي أنجزتها بين عامي 1952 و1964، والتي بقيت غير معلنة قبل صدورها في هذا الكتاب.

6) متابعة البرنامج الفني: هذا الفصل يعرض نشاطات بعض اللجان والبعثات المرتبطة بمسألة الأملاك الفلسطينية في الوطن المحتل، ومنها بعثة جونسون التابعة للجنة التوفيق وتلاشيها.

7) مسألة أملاك اللاجئين بعد عام 1967: الكاتب بحث في هذا الفصل تأثر مسألة الأملاك الفلسطينية في فلسطين بسياق الصراع العربي الإسرائيلي والسلام البارد بين أنظمة سايكس بيكو جميعها.

إن الأملاك الفلسطينية الخاصة في فلسطين مهمة جدا، لكن فقط ضمن السياق الوطني العام. فلسطين لم تكن يوما أرض استثمار أموال محايدة وإنما هي وطن، وأموال العالم كله لا تعوض عن وطن
من الأمور الواجب أخذها في الاعتبار عند تقويم هذا العمل اعتماد الكاتب على المصادر الأولية الموزعة في ست دول، ومنها الأرشيف الصهيوني المركزي والأرشيف الإسرائيلي وكلاهما في فلسطين المحتلة، ومكتب السجلات البريطانية العامة ومحفوظات الأمم المتحدة وغير ذلك.

هذا الكتاب مرجع أساسي، وربما الوحيد، المتوفر ضمن غلافين، عن قضية الأملاك الفلسطينية الخاصة في الوطن المغتصب، وبعض أسرار محاولات حثيثة أميركية غربية لإنهاء القضية، وأن يتم التركيز عليها ضمن سياق مختلف وليس ضمن الإطار السياسي.

هذا يقودنا إلى مسألة إشكالية رئيسية نعدها مأخذا رئيسيا، لكن ليس وحيدا، على الكتاب. فإضافة إلى ملاحظاتنا السابقة على المصطلحات التي وظفها الكاتب، والتي نعدها منحازة في "حياديتها" اللغوية، فإننا نشدد على أمر بديهي لكل الفلسطينيين ولكل عربي وأممي منحاز لقضايا الحرية ومحاربة الاستعمار وتصفيته هو وكل آثاره السياسية والعسكرية والفكرية والاجتماعية، هو أن الأملاك الفلسطينية الخاصة في فلسطين ليست مسألة مادية حتى يتم الخلاف على قيمتها، ولا هي فقط مسألة ممتلكات نهبها الغزاة.

إن الأملاك الفلسطينية الخاصة في فلسطين مهمة جدا، لكن فقط ضمن السياق الوطني العام. فلسطين لم تكن يوما أرض استثمار أموال محايدة وإنما هي وطن، واغتصاب الحركة الصهيونية لفلسطين عمل استعماري.

لذا نشدد القول: أموال العالم كله لا تعوض عن وطن، بكل أبعاد المصطلح النفسية والاجتماعية والوطنية والاقتصادية والقومية وغيرها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك