عرض/أحمد التلاوي

شَغلتْ قضية الحرب الكثير من الفلاسفة والمفكرين، قبل أن تشغل القادة السياسيين والعسكريين، باعتبارها ظاهرة إنسانية في الأساس، قبل أن تكون عمليات عسكرية على الأرض، يُستخدم فيها السلاح المادي، بالمعنى القريب للكلمة.

- العنوان: الإنسان والدولة والحرب.. تحليل نظري
- تأليف: كينيث ن. والتز
- عدد الصفحات: 350
- الناشر: مشروع "كلمة" للترجمة- هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة
- الطبعة: الأولى/ 2013

فالحرب هي السياسة بأدوات أخرى، والسياسة هي -في أبسط معانيها- إدارة شؤون الجماعات الإنسانية، والعلاقات فيما بينها، ولذلك ترتبط ظاهرة الحرب لدى الفلاسفة والمفكرين بالإنسان، وبالتالي بعلم الاجتماع أكثر ما ترتبط بعلوم الإستراتيجية.

وبين أيدينا كتاب بعنوان "الإنسان والدولة والحرب.. تحليل نظري" للباحث والمفكر الأميركي كينيث ن. والتز، يناقش النظريات والفرضيات المختلفة التي طرحتها كتب السياسة والفكر المختلفة عن الحرب وأسبابها.

ويؤكد المؤلف في كتابه -الذي جاء في ثمانية فصول- رسالة رئيسية، وهي أن الهدف الرئيسي من فهم الحرب وأسبابها وعواملها، هو السعي إلى تحقيق السلام.

يبدأ الكتاب بفصل تقديمي، يشرح فيه فكرته هذه، ثم يتناول في فصول الكتاب الأخرى، مواطن وأسباب الحرب، وهي: الفرد، والدولة، ومنظومة الدول التي تَعُمّها الفوضى.

كما يعالج فكرة الحرب من خلال تصور الفلسفة السياسية والنظرية السياسية، مع مجموعة من الأمثلة والشواهد التاريخية التي توضح دور كل من الفرد والدولة (أو المجتمع)، والمنظومة الدولية في ظاهرة الحرب، والعلاقة المتبادلة بين كل هذه الأركان الثلاثة.

ومؤلف الكتاب هو الكاتب والمفكر الأميركي كينيث ن. والتز، وأحد أشهر دارسي العلاقات الدولية في زمننا الراهن، ويُعتبر أحد مؤسسي المدرسة الواقعية الجديدة، أو الواقعية البنيوية، في نظرية العلاقات الدولية.

يعالج الكتاب فكرة الحرب من خلال تصور الفلسفة السياسية والنظرية السياسية، مع مجموعة من الأمثلة والشواهد التاريخية التي توضح دور كل من الفرد والدولة في ظاهرة الحرب
ويعمل والتز عضو هيئة تدريس في جامعة كاليفورنيا/ بيركلي، وفي جامعة كولومبيا، وهو رئيس سابق لجمعية العلوم السياسية الأميركية، وله العديد من المؤلفات ويُعتبر هذا الكتاب واحدا من أهمها، بالإضافة إلى كتاب له بعنوان "نظرية السياسة الدولية" صدر عام 1979.

الأنانية والعدوانية الفردية
التصور الأول، وهو الخاص بدور الفرد في صناعة الحرب، يقول عنه الكاتب -ويشترك في ذلك مع عدد من المفكرين والفلاسفة الآخرين- إنه يعود إلى طبيعة الإنسان الفرد، الأنانية والعدوانية، ويعتبر ذلك مصدرا لمآسي البشرية، وعلى رأسها الحرب بطبيعة الحال.

ولذلك، فإنه يذهب إلى أن الحل الأفضل لهذا التصوُّر عن الحرب -دور الفرد فيها- يكون من خلال النهضة بالإنسان، وتنويره، وهي نفس الآراء التي نادى بها عدد من كبار المفكرين الإصلاحيين عبر التاريخ، وإن مال الكاتب -بطبيعة الانتماء- إلى المفكرين المسيحيين، وخصوصا البروتوستانت، مثل مارتن لوثر، والقديس أوغستين، وسبينوزا.

المجتمع (الذي مثله هنا بالدولة أو كأحد أركانها)، بدوره لا ينفصل عن تصوُّر الكاتب لدور الفرد في الحرب كأحد أكبر مآسي البشرية، فيقول إن الإنسان يولد محايدا، ولكنه يصبح بعد ذلك في تفكيره وسلوكه نتاجا لمجتمعه.

والرابط الذي وضعه الكاتب بين المجتمع والدولة، هو ذاته الرابط الذي وضعه من قبل بين الفرد والمجتمع، حيث إن الأخير لا يمكن فصله بدوره عن الكيان السياسي، وهو الدولة، كما لا يمكن فصله عن الفرد الذي هو أبرز عناصره.

فالدولة أو الكيان السياسي الصالح يجعل الناس صالحين، وكذلك الكيان الفاسد يجعلهم فاسدين، ولذلك يقول المؤلف إن التنظيم أو الإطار الداخلي للدولة، قد يكون بدوره سببا للحرب أو للسلم.

وثمة قضية سياسية معاصرة مهمة يناقشها الكاتب، وهي مقولة ترددها الكثير من الأنظمة الحاكمة في البلدان الديمقراطية في عالمنا اليوم، وهي أن "السلام أنبل أسباب الحرب"، حيث تبرر بعض هذه الأنظمة قيامها بشن حروب خارجية على دول ومجتمعات أخرى بحجة محاربة الفاشية والدكتاتورية وإحلال السلام.
الدولة أو الكيان السياسي الصالح يجعل الناس صالحين، وكذلك الكيان الفاسد يجعلهم فاسدين، ولذلك فإن التنظيم أو الإطار الداخلي للدولة، قد يكون بدوره سببا للحرب أو للسلم
فهو يحذر هنا من مخاطر ما وصفه بـ"النزعة التدخلية"، التي تنبعث من رؤية ذاتية لدى أصحاب هذه الأنظمة ومفكريها، تقول بأن الديمقراطيات تمثل الشكل الوحيد للدولة المسالمة، وهو الأمر الغريب، حيث إن هذه المقولة، تبرر لديهم استخدام كل الوسائل، بما فيها الحرب، لجعل الدول الأخرى ديمقراطية.
 
أما عن دور المجتمع الدولي، فإن الكاتب يرصد آراء عدد من المفكرين، مثل جان جاك روسو، ممَّن رأوا أن أسباب الحرب لا تكمن في الإنسان ذاته، أو في الدولة والمجتمع فحسب، وإنما تكمن في المنظومة الإقليمية والدولية التي تجمع هذه الدول.

وفي هذا الإطار، يعود الكاتب إلى ميدان دراسته الأصلي، وهو العلاقات الدولية، فيتناول دور التنظيم الدولي، وخريطة توزيع القوى والمصالح الدولية، في زيادة أو عدم زيادة فرص اندلاع الحروب.

ولكنه يتبنى وجهة نظر غريبة بعض الشيء، حيث يؤيد وجود "قوة أعظم" أو "قوى أعظم"، تسيطر على العالم وعلى القرار الدولي، وهو ما يتناقض مع فلسفته التي تبناها في مُؤلَّفه هذا، فيشير إلى أنه طالما لا يوجد في فضاء المجتمع الدولي "سيد أعلى فوق الدول"، فإن ذلك سوف يجعل البيئة الدولية فوضوية.

ويقول إن هذه الفوضوية هي التي تُبقي احتمالات اندلاع الحروب أكثر من أي ظروف أخرى، ولذلك يصبح الصراع الدولي، هو الذي يقود إلى اندلاع الحروب في الكثير من الأحوال، ويجعلها أمرا حتميا، حيث تتحول العلاقات الدولية إلى حالة من التربص بين الدول المختلفة، وتتحول كل دولة إلى الاعتماد الذاتي على نفسها، وتقل فرص التعاون الإقليمي والدولي.

نظرة فلسفية للحرب
انطلاقا مما سبق، بدأ الكاتب في الجزء الثاني من مُؤلَّفه هذا، نقاشات فلسفية معمَّقة لفكرة الحرب من الزاوية الإنسانية، باعتبارها أحد أبرز المشكلات التي يقف أمامها الإنسان لارتباطها بأبرز احتياجاته، وهو حاجته إلى الأمن.

روسو في كتابه الأشهر "العقد الاجتماعي"، يفضل الحرية مع الخطر، على الأمن مع الذل في ظل الطغيان والاستبداد، وهو موقف الكثيرين في الغرب أيضا، من أصحاب المذهب الليبرالي
ويوضح بالقول، إنه في أوقات السلام قد يتساءل الناس عن قيمة الحياة من دون عدالة أو حرية، ويعتبرون الموت خيرا من حياة الذل والعبودية، إلا أنهم في فترات القلاقل الداخلية والحروب الأهلية، وانعدام الأمن بشكل عام، تتحول تساؤلاتهم إلى اتجاه آخر، كما عبر عن ذلك جان جاك روسو في كتبه عن فكرة الديمقراطية وقيمة الحرية.

فالناس في تلك الفترات، فترات الحروب الداخلية والخارجية، تتحول تساؤلاتهم لكي تتركز حول مدى نفع الحرية من دون سلطة توطد الأمن وتحفظه، وعندما تتحول الحياة لديهم إلى أولوية عن قيم العدالة والحرية، يعود الطغيان مفضلا لديهم عن الفوضى وتتحول الرغبة في استمرار الطغيان، وتحمُّل سلبياته إلى أن تصبح أمرا مفهوما، مع عدم قدرة أحد على التمتع بقيمة الحرية في ظل غياب النظام.

وهو ما انتقده روسو في كتابه الأشهر "العقد الاجتماعي"، حيث قال قولته المشهورة، من أنه يفضل الحرية مع الخطر، على الأمن مع الذل في ظل الطغيان والاستبداد، وهو موقف الكثيرين في الغرب أيضا، من أصحاب المذهب الليبرالي.

وفي الختام، فإن الكتاب عبارة عن قراءة في مفهوم الحرب في العقل الغربي، وعلى الرغم من أن كاتبه متخصص في العلوم السياسية، فإنه استطاع رد ظاهرة الحرب إلى أصولها الفكرية في الحضارة الإنسانية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك