عرض/أحمد صبري
"ليست المدينة مجرد موقع، وإنما هي الوسط الرئيسي للحرب، وسط مرن شبه سائل لا يتوقف بل يتدفق أبدا". بهذا الوصف الدقيق للأهمية الإستراتيجية للمدينة حاول مؤلف كتاب "مدن تحت الحصار" ستيفن غراهام أن يبرز أسباب حصار المدن وفقا للمنظورين الأميركي والإسرائيلي وكيفية تعاملهما مع بؤر مقاومة الاحتلال في العراق وفلسطين وغيرهما، لتطويعها لتصبح في مرمى النيران وصولا إلى عسكرة الحياة الحضرية باعتبارها ساحات صراع محتملة.

يتضمن كتاب "مدن تحت الحصار" تسعة فصول، يتناول الفصل الأول كيف عادت الحرب والعنف السياسي والتخيلات العسكرية والأمنية، اليوم، لتدخل المدن من جديد.

- العنوان: مدن تحت الحصار
- المؤلف: ستيفن غراهام
- عدد الصفحات: 551
- الناشر: شركة المطبوعات للتوزيع  والنشر، بيروت، لبنان
- الطبعة: الأولى، 2013

في حين يبحث الفصل الثاني كيفية تعامل معاقل اليمين السياسي مع المدن المستهدفة التي تعتبر وفق نظرة اليمين الأميركي معادية، من منطلق أنها مدن خارجة عن القانون تتطلب عنفا سياسيا ومراقبة عسكرية.

أما الفصل الثالث ففصّل المزايا الخاصة للتنظيم المدني العسكري الجديد والسمات الرئيسة للتقاطع العميق بين التنظيم المدني والعسكرة.

وتناولت الفصول السبعة تفعيل المراقبة على المدن المترامية لاسيما على أطراف المدن الرئيسة في محاولة لبسط السيطرة عليها، والتي يربط عبرها التخطيط المدني العسكري الجديد، بالحياة الحضرية في الغرب حيث تتكاثر الحدود وأنظمة المراقبة داخل نسيج الحياة الحضرية، وطموحات الجيش الأميركي في حرب حضرية ومضادة للتمرد ترتكز على نشر رجال آليين مسلحين، ثم الصلات بين التسلية، والتقليد والعنف الإمبريالي وانتشار التكنولوجيا الإسرائيلية وعقيدتها في الحرب الحضرية والأمن والصلات بين البنية التحتية الحضرية والعنف السياسي المعاصر.

وحفز مؤلف الكتاب غياب تحليلات تبحث كيف أن الإمبريالية النامية تسعى إلى ربط خطوط المدن داخل نواة العواصم لتجسير هوة المسافات بين المدن لتسهيل الوصول إليها.

ويرى أن التنظيم المدني العسكري الجديد يتغذى بتجارب أساليب في الاستهداف والتكنولوجيا في مناطق الحرب المستعمرة، مثل غزة أو بغداد. وتشكل هذه العمليات تجارب على الأرض للتكنولوجيا والتقنيات الحديثة.

ويشرح المؤلف فكرة الحرب عند المذهب العسكري الجديد بأنها مناورة دائمة، لا حدود لها، تحرض الجيوش العالية -التكنولوجيا والعمليات الأمنية- بالترافق مع قطاع خاص من المتعاقدين الخارجيين والشركات العسكرية طبقا لحرب الجيل الرابع، وهي تستند إلى حروب غير تقليدية وتمردات عالمية وصراعات خفيفة تحرض جيوش الدول العالية لاستخدام التكنولوجيا على مقاتلين غير شرعيين أو مدنيين معبئين.

واستنادا إلى هذا المذهب، يشير المؤلف إلى أن القادة الأميركيين بالعراق أكدوا ضرورة تنسيق (ساحة المعركة) الكاملة للمدينة، أي معالجة البنية التحتية المدنية والاقتصاد المنهار و(التطبيق المراقب للعنف) في محاولة لفرض الأمن في المدينة، الفلوجة نموذجا.

التنظيم المدني العسكري الجديد يتغذى بتجارب أساليب الاستهداف والتكنولوجيا بمناطق الحرب المستعمرة، مثل غزة أو بغداد، إذ تشكل هذه العمليات تجارب على الأرض للتكنولوجيا والتقنيات الحديثة
وفي معرض إشارته إلى المصاعب التي واجهت الاحتلال الأميركي للعراق، يؤكد المؤلف أن الجيش الأميركي وجد استحالة شديدة في التفريق بين المقاومين والمدنيين لأنه كان يجهل لغة الأمكنة التي كان يقاتل فيها ولثقافتها، إذ تعارضت هندسة المدن العراقية الثلاثية الأبعاد المعقدة مع أنظمة الاستشعار عن بعد والشبكات التي تهدف لخلق معرفة عسكرية ومعارك واضحة.

وينقل المؤلف عن الجنرال كارلو سانشيز القائد الأعلى للقوات الأميركية بالعراق، مطلع عام 2004 قوله: إذا فشلنا في العراق فستكون ساحة المعركة التالية بشوارع أميركا في معرض وصفه لشدة المقاومة العراقية ضد قواته بالمدن العراقية ومخاطر فشل قواته بالعراق.

وكرر بول بريمر (الرئيس الأعلى للقيادة المدنية الأميركية بالعراق بعد احتلاله) القول: من الأفضل محاربة الإرهابيين هنا (في العراق) بدلا من نيويورك.

ويشبه غراهام المدينة بالقلعة تستند إلى منطقتين: منطقة من حقيقة مادية (جدران وأسوار) فضلا عن منطقة يفترض أنها واقعية معنية بالتحركات أو تدفق المعلومات والاستخبارات.

وكجزء من (التدمير الخلاق) الجذري الذي أحدثته حرب العراق، يقول مؤلف كتاب "مدن تحت الحصار": كان يفترض أن يبرز نموذج جديد من المدن تحت الأنقاض تحفل ببنى تحتية أمنية، ترتكز على إستراتيجيات تحديد الهوية تسمح بعودة المواطنين.

فمنذ عام 2004، استعملت هذه الأدوات في مسرح العمليات بالعراق وأفغانستان من أجل الحفاظ على قاعدة بيانات عن (المتمردين ) منذ أبريل/نيسان 2007 تدفقت التكنولوجيات البيومترية بالتوازي مع محاولة اعتماد بغداد كأرخبيل يشمل عشرة جيوب، تحوطها على نمط فلسطين جدران مضادة للانفجار، ونظمت على أسس عرقية أو طائفية، لا يمكن الولوج إليها إلا من خلال نقاط مرور مراقبة بيومتريا أو عسكريا، لكن فاعلية التقنيات البيومترية -حتى باللغة العسكرية- موضع شك كبير لأن الحرب شوهت جسديا العراقيين.

ويشير المؤلف إلى أنه عايش العراق المحتل عن قرب وعلى الأرض عامي 2003 و2004، ويمكنه القول: لقد تحطمت مركبة رمسفيلد (وزير الدفاع الأميركي الأسبق) الفضائية الحالمة في هبوطها بالصحراء، في إشارة إلى فشل المشروع الأميركي بالعراق.

ويسلط المؤلف الضوء على لجوء القوات الأميركية إلى بناء مدن عبر العالم مشابهة للمدن والبيئات التي تنشط وتوجد على أطراف المدن وبالمناطق الريفية، تتركز إما في قواعد عسكرية أميركية، وفي أراضي تدريب بالولايات المتحدة لاسيما مدينة شيكاغو أو في صحارى الكويت وصحراء الأنبار وصحراء النقب بإسرائيل شبيهة بمدن المقاومة العراقية التي كانت توجد فيها قوات الاحتلال الأميركي.

وتقع أهم مدينة للتدريب -طبق ما يذكره غراهام- في (فورت نوكس) كنتاكي حيث شيدت (قرية زاسمان) على مساحة ثلاثين فدانا بكلفة 13 مليون دولار للعمليات العسكرية بالمناطق الحضرية.

ويستوعب الموقع المئات من مؤدي أدوار "المتمردين" الذين يعتمرون الكوفيات ويتسلحون بقذائف صاروخية الدفع، كذلك ألف وخمسمائة فرد من الطاقم العسكري الأميركي بالترافق مع دباباتهم وحاملات الجند والمروحيات.

 ليس غريبا أن تؤدي هجمة "الصدمة والرعب" الأكثر وحشية لنزع التحديث تماما عن حياة العراق الحضرية اليومية رغم عدم استهداف التقاطعات الرئيسية بالبنية التحتية المركزية بشكل كثيف كما كان يحدث عام 1991

وتحتوي هذه المدن -كما يذكر غراهام- على ساحات لرمي الخردة ومساجد ومقابر ومحطات وقود ومجاري صرف صحي ومحطات كهربائية وسكك حديدية وجسور، وهي مجهزة بمحطات إذاعية وتلفزيونية تبث بالعبرية والعربية والروسية، فقد بني عالم ثالث من الأحياء الفقيرة الظاهرية قرب السكة الحديد وبشكل يحاكي بيئة حرب مدمرة.

وأشار المؤلف إلى التكامل بين المجمعات الصناعية والأمنية والمجمعات الصناعية العسكرية لإسرائيل والولايات المتحدة، إلى حد أصبحت ككيان واحد ومتنوع وعابر للحدود الوطنية.

وفي معرض وصفه لعقيدة (الصدمة والرعب) قال المؤلف إنها شكلت بالهجوم الأميركي على العراق عام 2003 تمددا مفرطا لشل المجتمع كله في شكل سريع وتام لتنتاب سكان المناطق الحضرية صدمات نفسية توازي ما يسببه هجوم نووي (توقيف البلد عن العمل) الأمر الذي يشير إلى أن تدميرا ماديا للبنية التحتية والسيطرة عليها سيحدث مما يحقق صدمة على الصعيد الوطني تشبه الأثر الذي خلفه لدى اليابانيين إلقاء القنابل النووية على هيروشيما وناغازاكي.

ويوضح أنه ليس غريبا أن تؤدي هجمة (الصدمة والرعب) الثانية والأكثر وحشية من القصف الجوي التي تعرض لها العراق عام 2003 -الذي خضع طوال 12 عاما لإفقار منهجي بسبب الحصار والقصف المستمر - إلى نزع التحديث تماما عن حياة العراق الحضرية اليومية على الرغم من عدم استهداف نقاط التقاطع الرئيسية بالبنية التحتية المركزية في شكل كثيف كما كان يحدث عام 1991.

ويقترح المؤلف لمواجهة هذه التحديات حلولا، أولها: ألا تبقى سيطرة الدولة وحيطتها بعد اليوم أمرين مغضوبا عليهما. ويتطلب ذلك التحسين من البنية التحتية المنظمة والإسكان والتنظيم المدني ضمن مفهوم انبعاث سياسة الدولة المنظمة لتتناسب مع سياقات تسارع خطى العولمة.

ثانيا: إزالة الاقتصاد الليبرالي الجديد كاملا، وثالثا: إعادة توزيع تدريجية، وعدالة اجتماعية وبيئية وسياسة في التنوع إيجابية، ومفهوم في الاختلاف يقاوم بشدة إمكان تبديله.

ويخلص إلى القول: ما يجذب دائما في الحرب هو أنها -حتى مع الدمار والمجازر- يمكن أن تقدم لنا ما نتوق إليه طول الحياة، يمكن أن تعطينا هدفا ومعنى، وسببا لنحيا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك