عرض/عبد الحافظ الصاوي
تغيرت موازين القوى السياسية والاقتصادية على مستوى العالم أثناء العقدين الماضيين، وبرزت قوى جديدة، على رأسها الهند والصين، لتنضم آسيا بأركانها الرئيسة (الهند، الصين، اليابان) إلى أميركا والاتحاد الأوروبي، لإعادة رسم خريطة القوى الاقتصادية والسياسية في العالم.

عبر مقدمة وخاتمة وسبعة فصول للكتاب يتم تناول ما يمكن أن نسميه قصة الطاقة في العالم، ففي صفحاته الأولى أشار الكتاب إلى العلاقة الوطيدة بين التقدم المعيشي واستخدام الطاقة، وكيف قفز معدل استخدام الطاقة وتنوعها مع التقدم الحاصل في حياة البشر.

- العنوان: لعبة الطاقة الكبرى.. كيف ستغير القوة المتزايدة في آسيا العالم؟
- تأليف: كارل بيلني، 
   وجيرارد ريد
- عدد الصفحات: 264
- الناشر: مجموعة النيل
   العربية
- الطبعة: الأولى 2014

إن معظم الثورات في حياة الإنسان ارتبطت باستخدام الطاقة بدءا بالزراعة، وثورات الصناعة المتعددة من البخار والفحم ثم البترول والغاز، والتطور الأخير لاستخدامات الطاقة البديلة، بما تعنيه من محافظة على البيئة، ووفرة اقتصادية.

ومن أجل توفير الطاقة تشكلت العديد من العلاقات الاقتصادية، بل وتحركت جيوش وأساطيل، فيشير الكتاب إلى ذلك اللقاء الذي تم في منتصف أربعينيات القرن العشرين بين الملك السعودي عبد العزيز آل سعود والرئيس الأميركي فرانكلين دبليو، والذي انتهى إلى اتفاق بين الطرفين يقضي بأن توفر أميركا الأمان للعائلة المالكة في السعودية، مقابل أن تؤمّن السعودية الوصول الأميركي للبترول على أراضيها.

وكذلك يشير الكتاب إلى موقف الدول العربية في سبعينيات القرن العشرين من استخدام ورقة النفط في الصراع العربي الإسرائيلي، وكذلك ما تم إبان أزمة الرهائن الأميركيين بإيران، وما تلا تلك الأحداث من ارتفاع في أسعار النفط، أثرت بشكل واضح في مجريات الأحداث الاقتصادية في أوروبا وأميركا.

وعلى الرغم من أن أميركا كانت في منتصف القرن العشرين من أكبر منتجي النفط في العالم فإنها أرادت أن تؤمن توفير النفط لمتطلبات دورها العالمي في ذلك الوقت، وكذلك توفير النفط للاستهلاك المتزايد على أراضيها.

لقد حسمت أميركا الحرب العالمية الثانية لصالح بريطانيا وفرنسا من خلال عدة عوامل، من أهمها توفير النفط لجيوش هذه الدول، بينما اضطرت ألمانيا لتدمير بعض مركباتها الحربية قبل الحرب لعدم توفير الطاقة الخاصة بتشغيلها، مخافة أن يحصل عليها الأعداء وتستخدم ضدها.

ولا يزال المواطن الأميركي شرها في استخدام الطاقة، حتى أطلق الرئيس الأميركي بوش الابن مصطلح "إدمان البنزين" للتعبير عن المعدلات العالية لاستهلاك الأفراد للنفط في بلاده. ورصد الكتاب كيف تأثرت صناعة السيارات في العالم، خاصة في أميركا إبان أزمة النفط عام 2008، حيث وصل سعر برميل النفط لنحو 147 دولارا.

اللاعبون الجدد
الصين والهند تعتبران من اللاعبين الجدد في سوق الطاقة، ولا شك في أن التواجد في هذا المضمار لا يعد اقتصاديا فقط بل يتطلب وجودا عسكريا بشكل مباشر أو غير مباشر، لتأمين توفير الطاقة لهاتين الدولتين الصاعدتين، ولذلك أفرد الكتاب فصلا سماه الحرب الباردة على الطاقة.

ويرصد الكتاب أداء مستهلكي الطاقة في هذه الحرب الباردة من خلال أكثر من محور، الأول ذلك التواجد المهم من قبل أميركا بمنطقة الخليج، والدور الصيني الهندي في القضية الإيرانية، وكذلك في الأزمة الكورية.

معظم الثورات في حياة الإنسان ارتبطت باستخدام الطاقة بدءا بالزراعة، وثورات الصناعة المتعددة من البخار والفحم ثم البترول والغاز، والتطور الأخير لاستخدامات الطاقة البديلة

فالموقف الصيني الداعم لإيران لا يتأتى من فراغ، ولكنه مبني على ما تملكه إيران من إنتاج أربعة ملايين برميل نفط يوميا، وكذلك حجم احتياطياتها الهائلة من الغاز والنفط، وهو ما يجعل كلا من الصين والهند واليابان في منتهى الحرص على وجود علاقات جيدة مع إيران.

ويؤكد ذلك موقف الصين في مجلس الأمن من التهديد باستخدام حق الفيتو ضد أي قرارات سلبية تخص إيران وبرنامجها النووي، ويشير الكتاب إلى أن اليابان تستورد 25% من إجمالي إنتاج إيران النفطي.

أما المحور الثاني فهو ذلك الحرص من قبل كل من أميركا والصين على منح الدول النفطية ما تحتاجه من آليات عسكرية ومستلزمات التسليح مقابل توفير النفط والغاز، وغض الطرف عن ممارسات هذه الدول في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية، وهو ما نراه بوضوح تجاه كل من كازاخستان ومينامار، وكذلك تحريك أساطيل العديد من الدول الكبرى في منطقة مضيق هرمز في المنطقة العربية، ومضيق مالاكا الواقع بين ماليزيا وإندونيسيا، فكلا المضيقين يعتبر شريان تدفق النفط والتجارة الخارجية للعالم.

يذكر المؤلف تقديرات وكالة الطاقة الدولية عن احتياجات الصين من النفط في عام 2030 بنحو 16.3 مليون برميل يوميا، وهو ضعف ما تستهلك الصين حاليا. ووفق رأيه، فإن الصين تحتاج وحدها إلى منتج للنفط في حجم المملكة العربية السعودية، أما الهند فتشير تقديراته إلى أنها في 2050 ستصبح أكبر مستورد للنفط في العالم.

مخاوف الطاقة النووية
على الرغم من حالة التفاؤل التي سادت بعض الوقت لما توفره الطاقة النووية من بديل جيد للوقود الأحفوري (النفط والغاز) فإن المشكلات -التي عايشها العالم- جعلت العديد من الدول تراجع نفسها
في استخدام الطاقة النووية، وتعد حالات التسريب النووي -الذي شهدته محطات الطاقة النووية- أكبر الأخطار، سواء في أميركا أو روسيا أو اليابان.

وهو ما جعل ألمانيا -بصفة خاصة وأوروبا بصفة عامة- تراجع نفسها في بناء محطات نووية جديدة، فألمانيا قطعت على نفسها عهدا بتفكيك كافة محطاتها النووية، وقد قطعت في ذلك شوطا كبيرا، بينما على النقيض منها فرنسا التي توفر احتياجاتها من الطاقة بنسبة 75% من خلال محطات الطاقة النووية.

وفي الوقت الذي تحتل فيه الصين والهند المرتبة الأولى في محطات الطاقة النووية تحت الإنشاء بواقع 21 محطة، في حين تبلغ المحطات النووية تحت الإنشاء على مستوى العالم 49 محطة، نجد أن الصين تسابق الزمن في الاستثمار في مجال الطاقة النظيفة، حيث قدرت استثماراتها في عام 2009 في هذا المجال بنحو 35 مليار دولار.

وتجعل هذه الاستثمارات الصين في المرتبة الأولى على مستوى العالم من حيث حجم الاستثمارات في مجال الطاقة النظيفة، إذ تقدر استثماراتها بنحو 20% من الاستثمارات العالمية في مجال الطاقة النظيفة.

مقومات القوة الآسيوية
من المرات القليلة تاريخيا أن تتمتع كل من الصين واليابان والهند بعوامل القوة في وقت واحد، فقبل ذلك كانت اليابان متفوقة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، وهو ما ترجم من خلال حروبها المتعددة في قارة آسيا قبل هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وهو ما ترك إرثا تاريخيا سيئا في نفوس الشعوب المحيطة بها.

يعكس اليوم تميز كل دولة من دول آسيا الثلاث ميزة متفردة، فاليابان تتمتع بميزة التقدم الاقتصادي، وتتميز الصين بأنها أكبر دولة مصدرة في العالم، وتتميز الهند بأغلبية سكانية حديثة السن، وتركيز على التطور التكنولوجي

غير أن اليوم يعكس تميز كل دولة من دول آسيا الثلاث ميزة متفردة، فاليابان تتمتع بهذا التقدم الاقتصادي، وتتميز الصين بأنها أكبر دولة مصدرة في العالم، وتتميز الهند بوجود أكبر عدد من سكانها صغار السن، وتركيزها على التطور التكنولوجي كوسيلة للتقدم.

ومظاهر قوة الدول الآسيوية الثلاث تعكس صورة مماثلة لما كانت عليها أوروبا في بداية القرن العشرين، من قوة كل من بريطانيا وألمانيا وفرنسا، ولكن انتهت مظاهر هذه القوة الأوروبية في أكبر حربين عالميتين شهدهما التاريخ البشري.

ويطرح الكتاب تساؤلا مهما، وهو هل ستؤدي حالة الصراع على توفير الموارد بشكل عام والموارد النفطية -بشكل خاص- إلى حالة من التوافق، أم النزاع بين هذه القوى الآسيوية الثلاث؟ فواردات الصين من النفط تزيد على 45% من احتياجاتها، وتقترب واردات اليابان من النفط من نسبة 100%، بينما تصل واردات الهند النفطية لنسبة 75% من احتياجاتها. وعلى مدار العشرين عاما القادمة، يتوقع أن تزيد احتياجات الصين والهند إلى ثلاثة أضعاف ما هي عليه الآن.

قد تلجأ الهند والصين لاستخدام الاحتياطيات الهائلة المتاحة لهما في أرضهما، لتوفير جزء من احتياجاتهما من الطاقة، وهو ما جعل توقعات وكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن الدولتين ستكونان مسؤولتين عن نحو 80% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في عام 2030.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك