عرض/زياد منى
هذا الكتاب مرجع بامتياز، فحجمه الكبير يوحي بأن وراءه مجموعة مؤلفين، لكن الحقيقة أن مؤلفه (فاضل بيات) عالم كبير في مجال نادر تفتقده المكتبة العربية، وهو اللغة العثمانية، وبالتالي تاريخ العرب في العهد العثماني.

موضوع الكتاب أوسع من عنوانه، ومع ذلك فمن الصعب على أي كتاب أن يغطي كافة جوانب المادة، وهذا ما أدركه المؤلف فسجّل رأيه بأن إنجاز مثل هذا العمل الموسوعي والاستعانة بكل الوثائق العثمانية ذات العلاقة، يتطلب إسهام أكثر من مؤلِّف واحد، وأكثر من مجموعة عمل.

- العنوان: المؤسسات التعليمة في المشرق العربي العثماني
- تأليف: فاضل بيات
- عدد الصفحات: 844
- الناشر: منظمة التعاون الإسلامي-مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية بإسطنبول (إرسيكا)
- الطبعة: الأولى 2013

ورغم المواقف المسبقة لكثير من الباحثين تجاه الدولة العثمانية- المستندة إلى منطلقات فكرية أو عقدية، كيدية في كثير من الأحيان- لا بد من التعامل مع المادة من منظور علمي صافٍ، غير خاضع لأي أهواء.

البحث في الوثائق العثمانية -المرتبطة بموضوع مادة الكتاب- أمر على جانب كبير من التعقيد، فمعرفة اللغة العثمانية معرفة علمية متكاملة وأسرارها، لا تكفي أدوات علمية للبحث في تاريخنا في تلك الحقبة شبه المجهولة، والمشوهة إلى حد ما.

لذا، نرى أن المؤلف خصص فصلا تمهيديا لشرح التعقيدات المرتبطة بالبحث، ومنها -على سبيل المثال- توافر مئات الآلاف من الوثائق الرسمية ذات العلاقة، حافلة بمعلومات فريدة، وذلك على عكس الرأي السائد المدعي توافر عدد محدود جدا بسبب عدم اكتراث العثمانيين بالتعليم، وأن ما فتحته من مؤسسات تعليمية محدود للغاية، وكانت مخصصة لأبناء النخبة.

ولذا، يؤكد الدكتور فاضل بيات أن هذا الرأي غير صحيح إطلاقا، وعليه فقد قرر خوض غمار التجربة، وعدم العمل بنصائح قصر البحث على ولاية عربية-عثمانية محددة، رغم صعوبة البحث وتوسعه على نحو كبير.

المؤلف قسم بحثه إلى 13 فصلا، تلت تقديم خالد أرن مدير عام (إرسيكا) وتقديم المؤلف. وقد ذكرنا عنوان كل فصل لإطلاع القارئ على مدى توسع مجال هذا البحث في كافة فروعه، وبالتالي أهمية الكتاب الكبيرة.

أما فصول الكتاب- الذي أثراه المؤلف علميا بوثائق وصور وكشاف تفصيلي عام- فهي كالتالي:

موضوع الكتاب أوسع من عنوانه، وهذا ما أدركه المؤلف حين قال إن إنجاز مثل هذا العمل الموسوعي والاستعانة بكل الوثائق العثمانية ذات العلاقة يتطلب إسهام أكثر من مؤلِّف واحد، وأكثر من مجموعة عمل

1) الملامح العامة للتعليم في الدولة العثمانية.
2) إدارة المؤسسات التعليمية في الولايات.
3) مدارس الصبيان (الذكور) والمدارس الابتدائية.
4) المدارس الرشيدية.
5) المدارس الإعدادية.
6) المدارس السلطانية.
7) مؤسسات التعليم المهني.
8) مؤسسات التعليم العالي.
9) المدارس العسكرية ومدارس الشرطة.
10) المدارس التقليدية الإسلامية.
11) المدارس الخاصة غير الرسمية للمسلمين.
12) مدارس الطوائف غير الإسلامية.
13) المدارس الأجنبية.

يوضح المؤلف سبب اختياره مصطلح "المشرق العربي العثماني" منعا لأي أحكام تعسفية ونقاشات لا طائل من ورائها، ويحدد الأقاليم التي غطاها البحث، أي بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية، والتي ضمت الولايات الثماني: بغداد والموصل والبصرة وسوريا وحلب وبيروت والحجاز واليمن، إضافة إلى الألوية الأربعة المرتبطة مباشرة بالباب العالي، وهي القدس والزور (أي: دير الزور حاليا) والمدينة المنورة وعسير.

ومن المفيد لهذا العرض السريع ذكر بعض المدارس المهنية التي أقامتها الدولة العثمانية في ولاياتها العربية المشرقية، ومنها -على سبيل الذكر لا الحصر- مدارس الصنايع ودور الأيتام والمدارس الأنموذجية للزراعة ومدرسة الألبان ومدارس حياكة السجاد ودار الحرير ومدرسة القابلات ومدارس مدير النواحي.

أما مؤسسات التعليم العالي، فضمت دور المعلمين ودور المعلمات ومدارس الحقوق ومدارس الطب ودار الفنون (الجامعة) في بيروت وكليات العلوم الدينية.

ونلفت إلى أهمية أخرى في الكتاب عبر إلقاء نظرة سريعة على حدود تلك الولايات العثمانية، للتذكير بأن التقسيم الحالي لوطننا هو نظام سايكس بيكو، الذي يود البعض تأبيده.

فلواء دمشق -على سبيل المثال- ضم عدة نواحي منها ناحية الغوطة وجبل القلمون وقراه، وكذلك قصبات منها قصبة بعلبك وقصبة حاصبيا وقصبة راشيا، وتقع الثلاث الأخيرة حاليا ضمن حدود الجمهورية اللبنانية.

أما لواء بيروت فضم إضافة إلى بلدة بيروت قصبة صيدا وقصبة صور.

ولواء طرابلس الشام ضم بلدة طرابلس إضافة إلى قضاء اللاذقية وقضاء جبلة اللذين يقعان حاليا ضمن أراضي الجمهورية العربية السورية، وفي فترة لاحقة ضم قضاء عكار وقضاء حصن الأكراد وقضاء صافيتا، وكلاهما يقعان حاليا في أراضي الجمهورية العربية السورية.

ولواء حوران ضم قصبة حوران وقراها، وناحية إزرع وجيدور وقضاء عجلون (يقع حاليا من أراضي المملكة الأردنية) وغيرها.

ولواء البلقاء يضم عدة أقضية تقع حاليا في المملكة الأردنية، إضافة إلى قضاء جنين الذي يقع في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

لا يحتوي الكتاب على معلومات قيمة ومهمة لأي باحث في مجال تاريخ المشرق العربي في العهد العثماني فحسب، وإنما يحتوي أيضا على دليل عمل لكل من يريد البحث في تاريخنا تحت الحكم العثماني

ما قصدناه من هذا العرض السريع لجغرافية بعض الألوية العربية-العثمانية، والذي لا يمكن أن توفي هذه الأقسام أو الكتاب حقهم، التذكير بخلاصات مهمة من الكتاب وهي أن التقسيم الحالي للمشرق العربي لا يعتمد مرجعية إثنية أو غيرها.

لقد جرى تقسيم المشرق العربي العثماني عقب الحرب العالمية الأولى، ليناسب مصالح الدول المستعمِرة، أي بريطانيا وفرنسا، إضافة إلى إيطاليا في ولاية طرابلس الغرب ولواء بنغازي اللذين لم يضمهما المؤلف إلى سفره.

تقسيم المشرق العربي العثماني كان يتم وفق عدد سكان الألوية والأقضية والنواحي وغيرها، ومقدار الدخل (أي الضرائب) الذي تمد به الباب العالي.

لقد كان تقسيما إداريا محضا، لم يأخذ بأي نحو مكونات المجتمع الأولية، أي مكونات ما قبل الدولة، مثل التقسيم القبلي والديني والطائفي والقومي وما إلى ذلك. ورغم أن التقسيمات الإدارية العثمانية كانت متغيرة، فإنها كانت على الدوام إدارية على نحو كامل، مع أن لواء القدس والمدينة المنورة احتفظا -ليس وحدهما- بمكانة خاصة لدى الباب العالي، تنبع من مقامهما الديني.

الدكتور خالد أرن كتب في تقديم المؤلف: "كثيرة هي المواضيع المتعلقة بتاريخ العرب والبلاد العربية في العهد العثماني لم يتم تناولها بعد، ولا يمكن تناولها إلا بالاستعانة بوثائق الأرشيف العثماني".

وهذا الأمر أثبته الدكتور فاضل بيات في هذا الكتاب الذي لا يحتوي فقط على معلومات قيمة ومهمة لأي باحث في مجال تاريخ المشرق العربي في العهد العثماني، وإنما أيضا على دليل عمل لكل من يريد البحث في تاريخنا تحت الحكم العثماني.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك