عرض/زياد منى
شاكر كسرائي -مؤلف هذا الكتاب- إيراني ناشط في الصحافة والإعلام كاتبا ومترجما، حيث نقل العديد من الكتب العربية إلى الفارسية وفي الاتجاه المعاكس، ويكتب في الصحافة الإيرانية، وفق ما كتبه عن نفسه.

ويأتي صدور هذا الكتاب في الوقت المناسب، لأنه يصدر متوازيا مع بدء عودة إيران إلى الساحة الدولية بعد إبرام الاتفاق الأولي مع الدول الغربية بخصوص برنامجها النووي، ومباشرتها ممارسة دور أساسي في المنطقة، يزداد حجمه ليتوافق مع موقعها الصناعي والفكري.

- العنوان: إيران.. الأحزاب والشخصيات السياسية
- تأليف: شاكر كسرائي
- عدد الصفحات: 352
- الناشر: رياض الريس، بيروت، لبنان
- الطبعة: الأولى 2014

وفي ظني أن المكتبة العربية تفتقر إلى عمل موسوعي واضح عن المشهد السياسي الحديث والمعاصر في إيران، ويتحدث عن كل شخصية وطرف وحزب، لذا يملأ هذا المؤلف فراغا مكتبيا، ويشكل مرجعا سريعا يساعد الصحفي والقارئ المهتم بالموضوع.

هدف الكتاب -بحسب المؤلف- شرح خلفيات حضور إيران في المشهد السياسي العالمي، والذي لم يولد من عدم، وتأثيرها في دول المنطقة، إما عبر تحالفات مع دول مثل العراق وسوريا، أو مع أجزاء من شعوب المنطقة، أي مع الطوائف الشيعية (وهو ما لا يقوله المؤلف، مستخدما بدلا من ذلك تعبير "على أساس المظلومية").

المؤلف يؤكد أن حضور إيران الإقليمي -بل والعالمي- لم يكن نتيجة دعم خارجي، وإنما ولد من داخلها، لأن المؤسسة الحاكمة هناك امتلكت مشروع بناء دولة، ودولة قوية، فحولت الحصار الغربي إلى مصدر قوة من حيث تبني التكنولوجيا الحديثة وعلومها، وتفوقت في مجالات كثيرة.

الكتاب -مع ذلك- لا يعني تفصيليا بهذه الأمور السياسية، ومخصص على نحو شبه كامل للخلفية التاريخية لنشأة الأحزاب السياسية في إيران بين عامي 1890 و2013، وتطورها، مرورا بالانتفاضة الشعبية عام 1979 (يطلق عليها تسمية ثورة الخميني إلى يومنا هذا).

قسم المؤلف كتابه إلى قسمين: أولهما، "الأحزاب السياسية" ويحوي -إضافة إلى المقدمة- ثلاثة فصول على النحو الآتي:

- الفصل الأول: "كيف نشأت الأحزاب السياسية في إيران"؟ ويحوي رأي المؤلف في كيفية نشأة الأحزاب في إيران منذ تأسيس الأرميني/الإيراني ميرزا ملكم خان أول صحيفة اسمها (قانون).
هدف الكتاب هو شرح خلفيات حضور إيران في المشهد السياسي العالمي وتأثيرها في دول المنطقة، إما عبر تحالفات مع دول مثل العراق وسوريا، أو مع أجزاء من شعوب المنطقة، أي مع الطوائف الشيعية

كان هدف تلك الأحزاب -وفق المؤلف- نقل مفاهيم الثقافة الأوروبية من الغرب إلى الشرق، يضاف إلى هذا محطات رئيسية -من منظوره- على سبيل المثال: أزمة التبغ، وأول إضراب عام في إيران، وتشكيل منظمات شبه سرية، وأول ثورة في إيران، ونواة الأحزاب السياسية حتى حكم رضا خان الذي انتهى عام 1941، على ما يرد في الكتاب.

- الفصل الثاني: "الأحزاب السياسية في إيران بعد سقوط رضا خان وقبل الثورة الإسلامية"، وقد خصص المؤلف هذا الفصل لاستعراض الأحزاب الرئيسية في البلاد، مثل: حزب همراهان، وحزب إيران، وحزب اتحاد ملي، وحزب توده (أي الحزب الشيوعي الذي خصص المؤلف له صفحات أكثر من غيره)، والجبهة الوطنية الإيرانية، وحزب بان إيرانيست، وغيرها (ما مجموعه 15 حزبا وجمعية).

لم نفهم سبب ذكر الكاتب أسماء بعض الأحزاب باللغة الفارسية أحيانا، وإهمال ذلك أحيانا أخرى.

- الفصل الثالث: "الأحزاب السياسية بعد الثورة"، وهو الأطول ويضم عدة أجزاء، أولها الأحزاب المحافظة، وعددها سبعة. ويسترسل المؤلف -بعض الشيء- في شرح بنية بعض المجموعات الأصولية وسياساتها وأهدافها العليا و"العملية" (هنا وجب ذكر أن المؤلف يستعمل المصطلح عملي/براغماتي للإشارة إلى بعض سياسات أحزاب محددة وممارساتها، ولربما كان من الأفضل للقارئ لو أنه وظف الرديف العربي الدقيق، أي "نفعي").

الجزء الثاني من هذا الفصل خصصه المؤلف للحديث في الأحزاب الإصلاحية، وعددها خمسة، ومنها: مكتب تعزيز الوحدة ومجمع روحانيون مبارز (أي مجمع علماء الدين المناضلين) وجبهة المشاركة وغيرها. ويسترسل الكاتب، إلى حد ما في الحديث عن كل حزب، ضمن مساحة الكتاب المحدودة بالطبع.

الجزء الثالث في هذا الفصل يتناول أحزاب الوسط، وفيه ذكر لحزب واحد هو كوادر البناء المقرب من الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني، الذي قاد عملية لبرلة الاقتصاد أي خصخصته، والالتزام -إلى حد كبير- بخطط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وإملاءاتهما، كما نرى.

الجزء الرابع والأخير في هذا الفصل يتناول الأحزاب المعارضة. ويذكر المؤلف هنا ثلاثة منها هي: حزب جمهوري خلق مسلمان وحركة تحرير إيران ومنظمة مجاهدي خلق. ويتحدث عن نشاطات كل من هذه الأحزاب والشخصيات الرئيسية فيها وموقف النظام من كل منها.

القسم الثاني والأخير -وهو الأكثر توسعا وإثارة للاهتمام من منظورنا- يتحدث عن رجال الثورة والدولة والمعارضة. وقد خصص المؤلف هذا القسم لببليوغرافيا خاصة بكل شخصية يرى وجوب ذكرها بالعلاقة مع موضوع الكتاب، حيث ذكر سيرا مرتبة أبجديا لما يقرب من 120 شخصية مع صورة لكل منهم رجالا ونساء.

السيرة التي أوردها المؤلف تختلف في حجمها من شخص لآخر، لكن يبدو أنها كافية للتعريف به وبموقعه ومقدار تأثيره في الواقع الإيراني، سياسيا كان أو اجتماعيا أو ثقافيا أو علميا.

بغض النظر عن التباين في المساحات الممنوحة لكل شخصية، نرى أن الكاتب اتخذ موقفا إيجابيا من المادة، حيث أورد سير شخصيات من مختلف مناحي الحياة في إيران، ومنها الناشطة شيرين عبادي على سبيل المثال، من دون إهمال إمكانية أنه آثر تجاهل ذكر ناشطات أخريات معروفات لدى المتخصصين بالشأن الإيراني الداخلي والمتابعين له.

القسم الأكثر توسعا وأهمية هو المخصص لرجال الثورة والدولة والمعارضة، حيث قدم المؤلف سيرا مرتبة أبجديا لما يقرب من 120 شخصية مع صورة لكل منهم رجالا ونساء

كما ذكر المؤلف بعض الشخصيات النسائية اللاتي يمارسن أدوارا في الحياة العامة في إيران، وإن عبر التعيين وليس من منظور مدى تأثيرهن في الحياة السياسية كما يبدو.

الأمر الآخر الذي وجب عده إيجابيا، هو عدم تجاهل المؤلف سلسلة الاغتيالات التي سقط ضحيتها عشرات من كبار رجال الدين الإيرانيين مطلع الانتفاضة الشعبية، ولكنه مع ذلك تجاهل ذكر الجناة، إلا عندما تعلق الأمر بمنظمة مجاهدي خلق.

مع كل ما ذكرناه آنفا، افتقدنا في الكتاب عرضا -ولو سريعا- لبنية الدولة الإيرانية ودستورها ومعنى تعدد الأحزاب فيها، حيث من المعلوم حظره تأسيس أحزاب سياسية عِلمانية فيها، ونعني الأحزاب التي لم تقم على أساس ديني.

الأمر الآخر الذي افتقدناه في الكتاب إهماله ذكر أي أحزاب قومية في مختلف أقاليم إيران التي تضم قوميات عديدة.

رغم كل ملاحظاتنا، فإن الكتاب -الأول من نوعه بالعربية- مهم ومفيد لكل من يود الاطلاع على المشهد الإيراني، من دون المرور بتفاصيل مملة.

ملاحظة أخيرة: ما أثار دهشتنا بل وحتى حيرتنا استشهاد المؤلف -في ملخص الكتاب الذي كتبه على غلافه الخلفي- بمقولة لأنور السادات عن دولة "العلم والإيمان" وتلك بداية غير موفقة، وكان بإمكانه -وهو الذي يعيش في لبنان ويعد رسالة الدكتوراه في الجامعة الإسلامية ببيروت- أن يكون اختياره أقل إثارة للجدل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك