عرض/ محمد نجيب محمد علي
يظل سؤال الهوية في السودان شائكا ومعقدا وينطوي على معضلة مستعصية، إذ ساهمت ثنائية الهوية في تضعضع البنية السياسية والجغرافية, فقد غادر السودان زمن الوحدة ودخل أزمنة الانفصال وسؤال الهامش والمركز.

مؤلف كتاب "بين سنار والخرطوم" هو الباحث والمفكر السوداني محمد عوض عبوش الذي تخرج من جامعة الخرطوم كلية الآداب عام 1967، وعمل سكرتيرا لتحرير مجلة الثقافة السودانية ثم رئيسا لتحريرها, وصدر له كتابا "قراءة في سجل الثقافة السودانية وخطابها النهضوي" و"السودان الحديث.. البحث عن طريق".

يطرح عبوش في كتابه سؤال الهوية، مستمسكا بقراءة الثنائية بالعودة إلى جذور المجتمع وتركيبته العرقية والثقافية, وباعتبار المجتمع جسدا حيا بين الأجساد.

-العنوان: بين سنار والخرطوم
-المؤلف: محمد عوض عبوش
-الطبعة: الأولى 2014
-الناشر: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، السودان
-عدد الصفحات: 117

ويمضي المؤلف في التشريح متتبعا طريق سير الآباء الأوائل في كل الجغرافيا السودانية، وبعد قيام مملكة سنار في القرن السادس عشر، انتهى عهد الممالك النوبية الذي استمر لأكثر من أربعة آلاف عام في السودان, وبدأ عهد جديد في العصر الوسيط.

ويشرح بإسهاب خطوات تأسيس المملكة السنارية بتحالف بين الفونج والعبدلاب وانتصارهم على مملكة "علوة" المملكة النوبية الثانية القوية في العصر الوسيط في السودان، واستمر وجودها بعد سيطرة العرب على مملكة المقرة في الشمال في الربع الأول من القرن الرابع عشر (1317م), وصار ملوكها من العنصر الخليط الجديد الذي نتج عن التصاهر بين العرب "الوافدين" (المهاجرين) وملوك النوبة".

يقول المؤلف "إن من أهم سمات عصر سنار الذي شكل البداية الفعلية والحقيقية لسودان اليوم, هو انتشار الثقافة العربية والدين الإسلامي، وحدث في عصر سنار تحول غير مسبوق في اللغة والثقافة، وتمكن شيوخ الصوفية عبر "الخلاوي" والمدارس التي أقاموها من نشر الإسلام وتعليم اللغة العربية وتحفيظ القرآن في مملكة سنار والممالك الإسلامية التي عاصرتها".

ويضيف في رسم ملامح المجتمع السناري أن "تواجد الصوفية بين عامة الناس ومشاركتهم لهم في حياتهم اليومية ومشاكلهم وإيجاد الحلول لهم، هو ما قربهم منهم وأدى إلى تغلغلهم في أوساطهم, حتى صاروا جزءا لا يتجزأ من واقعهم وتفكيرهم".

هبة التصوف
يجمع كثير من الباحثين على أن التصوف لعب دورا هاما في التكوين الديني والنفسي والعقلي لإنسان السودان الحديث. ويرى المؤلف أن هناك عاملا آخر ساعد في نجاح الصوفية في نشر الدين الإسلامي وشرائعه وأحكامه وثقافته في السودان يتمثل في الفراغ الروحي الذي استشعره السودانيون "المسيحيون" بعد سيطرة المسلمين على مصر وانقطاع المدد الروحي الذي كان يأتيهم من الكنيسة المسيحية.

انتشار الثقافة العربية والإسلام من أهم سمات عصر سنار الذي شكل البداية الفعلية والحقيقية لسودان اليوم, حيث تمكنت الصوفية بالخلاوي والمدارس من نشر الإسلام والعربية في سنار

ويشير إلى السمة الرابعة لعصر سنار بانتشار النظام القبلي في الشمال والشرق والغرب والوسط والجنوب، وأن الممالك التي نشأت في دارفور وتقلي والمسبعات في غرب السودان وممالك البجة في الشرق نشأت هي الأخرى على أساس قبلي، وكانت تخضع لها ممالك وسلطنات أقل شأنا، وإن اختلفت عن مملكة سنار بأنها لم تنشأ على تحالف بين قبائل عربية ومحلية كما حدث في سنار, وإنما كانت نشأتها على أساس محلي بحت استوعب عناصر عربية هاجرت إلى أرضها وتصاهرت مع ملوكها.

ويمضي في قراءة تأثير التكوين القبلي السلبي على تأسيس دولة سودانية متجانسة وقوية ومتماسكة في سنار مما سهل على الأتراك غزو البلاد واستعمارها, إذ يرى أن النظام القبلي لم يكن في إجماله سالبا. وقد رسخ هذا النظام في إنسان عصر سنار خصائص وقيما نادرة من البطولة والصبر على المكاره واحتمال الأذى، وهي ما ترسخت في الأجيال اللاحقة لعصر سنار في مجابهتها للغزو الأجنبي التركي والإنجليزي وفي الثورة المهدية.

عصر الخرطوم
يحدد المؤلف السمات التي أدت إلى تكوين عصر سنار والتحولات والتغييرات الكبرى وغير المسبوقة في تاريخ البلاد والتي نتج عنها بداية سودان اليوم، فالعرب الذين تدفقوا في موجات ضخمة واستقروا في البلاد واختلطوا وتمازجوا وتصاهروا مع العناصر السكانية الموجودة فيها، يمثلون التركيبة التي استقرت عليها الأوضاع السكانية في البلاد وكونت تراثها الثقافي والاجتماعي.

ويتطرق إلى اهتمام سلاطين سنار بإصلاح هياكل ومقومات أجهزة الحكم والاقتصاد وإدارة المرافق العامة والقضاء والأمن وتنظيم التجارة، وتضمين عقوبات رادعة لمن يعتدي على التجار الأجانب أربعة أمثال عقوبة الاعتداء على الفرد من الرعايا المحليين.

ويجزم بأن التوجه الجديد نحو الإصلاح والارتقاء الحضاري والثقافي أوقفه الغزو التركي للسودان، حيث وضع حدا للتغيير والتجديد في ظل نظام حكم وطني شرع يجدد في نظمه وآلياته في إطار حكم غير مركزي وإرساء قواعد للتعايش والتوازن بين العناصر العرقية المختلفة والمتعددة التي تقطن المملكة وتتقاسم مواردها الطبيعية.

من نادوا من المثقفين عند استقلال البلاد بتغيير اسمها من السودان إلى سنار, كانوا من ذوي الرؤية والبصيرة النافذة والإدراك السليم لأهمية العودة إلى التراث السوداني في عصر سنار والمزج بين التراث والتحديث في عملية نهضة البلاد وتقدمها
ويرى المؤلف أن أولى ملابسات الانتقال من عصر سنار الوسيط إلى عصر الخرطوم الجديد, هو أنه بدأ بواسطة حكم أجنبي وجاء من أعلى إلى أسفل، أي من قمة هرم السلطة إلى أدنى قواعد المجتمع، ولم ينبثق من داخل المجتمع ومن واقع تطوره الطبيعي والتدريجي الثقافي والحضاري والاقتصادي والسياسي، متهما الوطنيين الذين آلت إليهم السلطة بعد انتهاء الاستعمار بعدم إنجاز التحديث المطلوب.

ويتوقف عند حقيقة لا يتطرق إليها الكثير من الباحثين، "ولعل من نادوا من المثقفين عند استقلال البلاد بتغيير مسماها من السودان إلى سنار, كانوا من ذوي الرؤية والبصيرة النافذة والإدراك السليم لأهمية العودة إلى التراث السوداني في عصر سنار، والمزج بين التراث والتحديث في عملية نهضة وتقدم البلاد. وما يجدر ذكره هنا "أن وزير خارجية السودان الأسبق المثقف والدبلوماسي الراحل جمال محمد أحمد كان رائد الدعوة لإرجاع اسم سنار كبديل لاسم السودان الحالي".

ويشير عبوش إلى أن العودة إلى التراث تمثل العودة إلى مخزون ثقافات الجماعات السودانية التقليدية ومجتمعاتها في العصرين القديم والوسيط, وإلى إنتاجهم في مجالات الفكر والشعر والأمثال والقصص والأحاجي والفنون والعلوم والنظم الاجتماعية والاقتصادية، وأن ما تكوّن وتراكم من كل هذا الرصيد هو الذي شكل هوية وأصالة الإنسان السوداني, وما تفتق عنه عقل الإنسان السوداني وخياله ورؤاه وابتكاراته وإبداعاته.

فالإنسان السوداني -بحسب المؤلف- بأعراقه المختلطة والذي توطدت مكانته في عصر الخرطوم الحديث بعد أن نال قدرا من التعليم وبسط نفوذه السياسي والاقتصادي في البلاد, كان عليه أن يتحمل بجدية ومسؤولية عبء التحديث عند الاستقلال وأن يبدأ البداية الصحيحة لنهضة بلاده وتقدمها بالعودة إلى موروثه الثقافي وتراثه المنبثق من واقعه المحلي ومن التجربة التاريخية الذاتية لإنسان السودان، فهذه الصيغة المشتركة والجامعة كانت ستجنب البلاد ما آلت إليه أوضاعها اليوم من اختلاف واحتراب وصراع وتفكك.

المصدر : الجزيرة

التعليقات