مرح البقاعي

مرح البقاعي

شاعرة وإعلامية وأكاديمية سوريّة

عرض/ مرح البقاعي


إنه الانتقال الاختياري بين ثقافتين: الأولى في القلب من الشرق الأوسط، والثانية وراء البحار في الغرب الأميركي. وإنه عشق الكلمة الحرّة والتعبير شعراً عن الحدث والحياة والحب والحرب أيضاً. وإنه كلم وريثة القلم الريحاني بامتياز، الشاعرة والمستشارة التعليمية مي الريحاني.

في بيئة "الريحانيات"، اللغوية والثقافية، ولد أدب وفكر مي في لبنان ليستقرّ منذ عقود خلت في الولايات المتحدة الأميركية حاملاً بين جنباته نبض بحر بيروت وخشب أرزه العتيد.

كتابها الأخير "ثقافات بلا حدود"، الذي صدر في العاصمة الأميركية واشنطن في مطلع شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2014، كان مدار حديث الوسط الثقافي والإعلامي في المدينة، حيث قدّمت الريحاني لكتابها في العديد من البرامج التلفزيونية الأميركية والعربية، والمحاضرات والندوات في مراكز البحوث الأميركية مثل مركز ودروو ويلسون وقسم الشرق الأوسط في مكتبة الكونغرس العريقة.

العنوان: ثقافات بلا حدود، من بيروت إلى واشنطن دي سي
الكاتبة: مي الريحاني
الناشر: أوثورهاوس
عدد الصفحات: 521
تاريخ الإصدار: نوفمبر 2014

وجه آخر للمرأة العربية
الكتاب هو رؤية متكاملة لمشروع سيدة عربية من أصل لبناني قرّرت حين غادرت مسقط الرأس بيروت أن تحمل إلى الولايات المتحدة حالة مغايرة عن الصورة النمطية المكرّرة عن المرأة العربية، والتي غالباً ما ارتبطت ملامحها بالجهل والتبعية وتغييبها المفتعل عن الحراك المجتمعي ومواقع التأثير في القرار السياسي في معظم البلاد العربية.

فقد نقلت الريحاني في كتابها الأخير مشاهد الحياة الديمقراطية التي عاشها لبنان في فترة الخمسينيات، والتي انتهت مع بداية الحرب الأهلية في العام 1975، تلك الفترة الذهبية للحريات العامة وللإعلام والتعبير عن الرأي، حيث لم يكن ليحكم بالسجن من ينتقد رئيس الدولة أو أي رئيس آخر، وحيث كان اللبنانيون، مسلمون ومسيحيون، يعيشون في تآخٍ وانسجام نادرَين في وارف الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط في ذلك الوقت.

"ثقافات بلا حدود هو تحدّي امرأة عربية لثلاث أفكار سائدة في الغرب في مقدّمتها تقع صورة اضطهاد المرأة وقمعها في مجتمعاتها، وثانيها تعذّر ممارسة مفاهيم الديمقراطية في الشرق الأوسط، وثالثها نظرية صدام الحضارات وما أنتجت من فكر معاصر في الغرب لا ينسجم مع السيرة البشرية، التي هي محصّلة الحوار وليس الصدام بين شعوب العالم. وقد يكون جوهر هذا الكتاب هو قدرة الريحاني على البحث وإيجاد المشتركات الإنسانية والأرضية الواحدة التي تجمع الشعوب رغم اختلاف ألوان ثقافاتهم ومشاربها". هذا ما كتبه الرئيس اللبناني الأسبق، أمين الجميّل، في قراءته لكتاب الريحاني.

المواطن العولمي
تمضي الريحاني في كتابها بحثاً عن القواسم المشتركة بين الشعوب وثقافاتها. هي التي عاشت في الشرق أولاً، ثم في القلب الأوروبي فرنسا، لتستقرّ في الغرب الأميركي، أدركت أن قيم الخير الإنسانية التي تجمع البشرية هي أكثر بكثير من نوازع الشر التي تفرّقها، وأنه كلما ازدادت المعرفة بالآخر المختلف وارتفع منسوب القبول باختلافه -لا بل اعتبار هذا الاختلاف مصدر غنى إنساني وإضافة معرفية- اقتربت الشخصية من درجة المواطنة العولمية.

فالريحاني التي تعرّف بنفسها أنها "ابنة العالم"، تشير إلى أن الطريق الأنجع لاجتناب الحروب والصراعات وإرساء دعامات السلام والتنمية هو الاعتراف بحق الآخر في التعبير عن اختلافه الثقافي، بانسجام وتناغم مع الثقافات الكونية الجامعة.

وتتحدّث عن أهمية إنعاش الحوار المدني الحيوي، وتحفيز النخب الفكرية والثقافية على الخوض في هذا الحوار، وتقدّم في كتابها مادة ثرية عن المجتمعات المدنية المتقدّمة وكيفية الاغتناء من تجربتها وإعادة إنتاجها في بقاع الأرض كافة.

في بيئة "الريحانيات" اللغوية والثقافية، ولد أدب وفكر مي في لبنان ليستقرّ منذ عقود خلت في الولايات المتحدة الأميركية، حاملاً بين جنباته نبض بحر بيروت وخشب أرزه العتيد

تعليم الإناث والتنمية
تؤكّد الريحاني في كتابها على دور التعليم -ولا سيما تعليم البنات في دول العالم الثالث- في دعم وإسناد عملية التنمية الإنسانية والمجتمعية. وتشير إلى أن المجتمعات التي لا تولي العملية التعليمية نصيبها من الرعاية والدعم المادي والمعنوي -من الحق في التعليم للجنسين الذكور والإناث دونما تمييز، وتأمين المرافق التعليمية بما يتيح للطبقة الفقيرة إرسال أبنائها وبناتها للمدارس والجامعات، وتأمين المناهج المتطورة التي تجاري علوم العصر ومعارفه- إنما هي مجتمعات غير قابلة لمواكبة المسيرة العالمية للشعوب والتماشي مع سرعة الدول المتقدمة في زمن عولمي مفتوح على القارات، أصبحت فيه الحدود واهية أمام التقدّم الهائل في وسائل الاتصال والتواصل التي حوّلت الكرة الأرضية برمّتها إلى قرية صغيرة مشرعة أبوابها على سيل المعلومات المتدفقة من كل مكان عبر شبكات التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية الفضائية ومواقع الإنترنت.

وتعتقد الكاتبة أن وسائل الإعلام القائمة على نشر المادة الثقافية والمعرفية، وتداول المعلومات والخبر بحرية تامة، غدت جزءا لا يتجزّأ من الثقافة والتعليم العولمي أيضا. فالريحاني، التي شغلت مناصب عليا في واشنطن في مجال التعليم الدولي وتحديث المناهج وتطويرها، تنقل إلينا صوراً لتمكين عملية التنمية في المجتمعات الأقل حظاً من خلال التعليم، وذلك في المناطق التي عملت فيها عن قرب في أفغانستان وباكستان واليمن والمغرب ومالي ومالاوي والكونغو، وشهدت بنفسها على التحولات الإيجابية التي طرأت على تلك المجتمعات التي يعود مردّها الأساسي إلى بناء المدارس ونشر العلم والقضاء على الأميّة والجهل من خلال تعليم نصف أفراد المجتمع من الإناث.

"ثقافات بلا حدود" هو إسقاط سياسي للسيرة الذاتية لشاعرة ومفكّرة ومستشارة في شؤون التعليم والتنمية الدوليين، ولسليلة بيت لبناني ريادي في الفكر والأدب أحدُ أعلامه المفكّر الكبير أمين الريحاني، حيث شهد تاريخها المهني الذي دوّنت فصوله في الكتاب على دورها في دعم إشاعة الحريات العامة، وتمكين المرأة تعليمياً واجتماعياً، وإبراز الشخصية النسائية العربية في أبهى صورها مما يكفل وضعها في مصاف ابنة العالم بامتياز.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك