عرض/الشيخ أحمد البان


هذا الكتاب محاولة للإسهام في تسليط مزيد من الضوء على أزمة الشمال المالي التي أسفرت عن وجه جديد للقوى الغربية في أفريقيا وأصبحت تشكل تهديدا جديا لوحدة مالي بل للأمن الإقليمي وكذا مستقبل التعايش السلمي بين المكونات الاجتماعية والعرقية لدول منطقة الساحل التي تشتعل الأزمة في قلبها الجغرافي.

ويزداد الشعور بالخطر إذا عرفنا أن أكثر تلك الدول تعاني مثل مالي من تنوع إثني وعرقي لم تتمكن آليات الدولة الحديثة من استيعابه في فضاء من المواطنة العادلة، مما يجعلها مرشحة -إن لم تغير سياساتها- لاحتضان أزمة مشابهة.

ويرفع نسبة الخطر أن أعين الدول الغربية وخصوصا فرنسا وأميركا مركزة على مناجم المعادن وحقول النفط الراجحِ أن المنطقة تملك منهما مخزونا احتياطيا لا يمكن تجاهله في تحليل الصراع.

يقع الكتاب الذي صدر حديثا في 144 صفحة من الحجم العادي مقسمة على ستة محاور وهو من إصدارات منتدى العلاقات العربية والدولية في الدوحة عن مطبعة كركي في بيروت، وعنوانه: "مالي.. عودة الاستعمار القديم"، وقد شارك فيه عدد من الباحثين الموريتانيين إضافة إلى د. محمد الأحمري، مدير المركز الذي صدر عنه الكتاب.

العنوان: مالي.. عودة الاستعمار القديم
المؤلف: مجموعة مؤلفين
الناشر:
منتدى العلاقات العربية والدولية في الدوحة، مطبعة كركي، بيروت
عدد الصفحات: 144
الطبعة: الأولى/ 2014

صراع خارجي بلافتة محلية
سوف يختلف القول كثيرا في تعليل سبب الغزو كل حسب ثقافته وعلاقته بالحدث -يقول الأحمري- لكن الحقيقة يجب البحث عنها في الخطابات المتعددة والتاريخ والواقع المشهود، الصراع أدواته محلية ولكن محركيه أطراف دولية، ترى فرنسا أن أفريقيا الغربية ملكها التاريخي، لكن أميركا تريد نصيبا منه.

كان على فرنسا -يضيف الأحمري- أن تبادر بالغزو قبل أن تذهب المنطقة لمنافسين جدد يلوحون في كل مكان، وستبقى فرنسا في مالي حسب الحاجة -والحاجة إستراتيجية- كما قال رئيسها هولاند.

الوجه الآخر للصراع -حسب الأحمري- هو صراع اقتصادي بين الدول الغربية وما يسمى بدول البريكس، السعي لطرد الصين من المنطقة عامل كاف لتحريك القوة الحربية الفرنسية باتجاه مالي ولتباركها دول غربية عديدة.

بذور عمقت الأزمة
تركة المستعمر الفرنسي التاريخية كانت البذور الأولى للأزمة الحالية -حسب الباحث عبد الودود عبد الله- حينها لم تكن الصحراء القاحلة مغرية بالاستثمار، كان هدف استعمار الصحراء أمنيا وسياسيا، أي تأمين المستعمرات المحيطة وسد الباب أمام الدول الاستعمارية المنافسة، لذلك تمت صياغة الخريطة الاجتماعية والإثنية حسب ما يخدم هذين الهدفين.

اعتمدت فرنسا -حسب عبد الودود- على ما يسمى "سياسة الأعراق"، لم تكتف هذه السياسة بتشجيع الخصوصيات والفوارق بين السكان بل كانت تخلقها لأنها تقتضيها، حولت هذه السياسة إقليم أزواد من نافذة للممالك السودانية على العالم الخارجي إلى جيب معزول عن محيطه، محرومٍ من كل خطط النمو المقررة في الأقاليم الأخرى.

لم يحمل الاستقلال أي خطة لتمكين أزواد من التنمية بل كانت النخبة الجديدة في باماكو تنظر إلى الغرب بهدف التوحد مع السنغال أكثر من اهتمامها بالشمال.

إلا أن جذور هذه الأزمة ليست سياسة فقط بل يرى الباحث سيد أعمر ولد شيخنا أن الصراع القومي بين الزنوج والأزواديين يرجع إلى منتصف القرن التاسع عشر حيث تصدى الأزواديون بقيادة الشيخ أحمد البكاي الكنتي لجيش الحاج عمر الفوتي الذي زحف من بلاد فوتا (1864) مسقطا الإمارات الوثنية البمبارية في الجنوب والغرب المالي، وكان من نتائج هذه المواجهات التأسيس لعلاقة صراعية بين المكونات المالية المختلفة.

الأحمري: كان على فرنسا أن تبادر بالغزو قبل أن تذهب المنطقة لمنافسين جدد يلوحون في كل مكان، وستبقى فرنسا في مالي حسب الحاجة -والحاجة إستراتيجية- كما قال رئيسها هولاند
وقد أسهم القمع الأمني والسياسي الذي انتهجه نظام موديبو كيتا -حسب ولد شيخنا- في ترسيخ هذه الذاكرة الصراعية بين الشمال والجنوب في دولة مالي، وأرسى شعورا متناميا بالغبن والإكراه في وقت مبكر من عمر دول الاستقلال.

خلفيات تربك الحلول
لم يغب الدور الإقليمي لبعض الدول عن الإسهام في تأجيج الصراع بل تأسيس قواعده، وقد تحمل نظام القذافي أكبر الوزر، حيث ضرب أسس استقرار ووحدة المجتمع الأزوادي، فأحدث فجوة بين الأقوام المشكلة للإقليم:(الطوارق، العرب، السنغاي، الفلان)، كما قام -حسب نفس الكاتب- بتدشين حرب صامتة ضد الزعامات الدينية والعلمية التي كانت صمام أمان وحدة السكان من خلال تدخلاتها التحكمية الفعالة.

وقد نقلت المغرب والجزائر صراعهما إلى الشمال المالي، إذ تحاول المغرب من خلاله خلق "بوليساريو" للجزائر في خاصرتها المحاذية، كما تحاول الجزائر تنفيس ضغط الحركات الجهادية إلى فضاء أبعد قليلا عن حدودها الملاصقة، وقد وظفت الدولتان في هذا الصراع الخلفي علاقاتهما الأمنية بالحركات الجهادية ومهربي المخدرات بالمنطقة.

يرى الكاتب محمد الحافظ الغابد أن اعتماد الطوارق على القذافي يجد العديد من المسوغات السياسية والأخلاقية، فالدولة الأهم والأقرب إليهم -حسب الغابد- وقفت ضدهم، والجزائر الجارة القريبة لا تؤيد رؤية الطوارق للانفصال لأن أقاليمها الجنوبية ذات أغلبية طوارقية.

ويقدم الغابد خريطة للتنظيمات الوطنية والإسلامية في شمال مالي، متحدثا عن نسب قوتها وعن قياداتها وخلفياتها، وتتفق كل هذه التنظيمات الوطنية على مطلب الانفصال أو الحكم الذاتي مع تفاوت يتسع أحيانا في تفاصيل تصور العلاقة مع الحكومة المركزية في مالي، وهي حركات تنوعت خلفياتها الفكرية -حسب نفس الكاتب- من إسلامية عروبية إلى عربية قومية إلى يسارية أممية إضافة إلى الحركات الجهادية التي ملأت المشهد إبان الحملة الفرنسية الأخيرة.

وتعتبر أهم الحركات النشطة الآن -حسب الغابد- هي الحركة الوطنية لتحرير أزواد، ورغم محاولة هذه الحركة تقديم نفسها كإطار جامع للأزواديين فإن سيطرة قبائل الإيدنان الطارقية على قيادتها التنظيمية والعسكرية جعل وجود المجموعات الأخرى -كما يرى- من باب التنويع الفوقي.

أما حركة أنصار الدين التي أعلنت عن نفسها في منتصف عام 2012 فتمثل الإطار العسكري والسياسي لقبائل الإيفوغاس المؤثرة في الإقليم، وقد عقدت تحالفا محكما مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، كما أظهرت كثيرا من المرونة والموضوعية في التفاوض والطرح، مما جعل الرئيس البوركنابي المخلوع يسهر عدة أشهر على رعاية حوار سياسي معها.

وبالنسبة للحركات الجهادية والتي يأتي على رأسها تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي فقد مثلت  -في نظر الغابد- أحداث مالي بالنسبة لها الفرصة النادرة للتخفيف من حصار المال والتسليح فانساحت في الإقليم بسرعة هائلة، واستطاعت السيطرة على كبريات المدن في ظرف وجيز، ورغم خسارتها السياسية في الحرب بفقدانها السيطرة على الإقليم فإن خسائرها الأمنية والعسكرية كانت دون المتوقع حسب ترجيحات الخبراء والمعايشين لهذه القضية الشائكة.

يعتبر الكتاب طليعة الدراسات التي تناولت القضية الأزوادية وأكثرها عمقا، نظرا للتداخل الاجتماعي بين مكونات الأزمة المالية وعدد من المشاركين فيه، كما يمثل صورة متكاملة الأبعاد عن هذه القضية الشائكة

سيناريوهات قاتلة
وفي رؤية استشرافية لما يمكن أن يؤول إليه الوضع في الشمال المالي يطرح سيد أعمر ولد شيخنا عدة سيناريوهات، أولها ما سماه (الديمقراطية في مالي والحكم الذاتي في أزواد)، وهو بناء مالي جديدة تسودها الديمقراطية وحكم المؤسسات ووضع مقاربة رشيدة تضمن لمالي وحدتها ولإقليم أزواد طموحاته وآماله في التنمية والعيش الكريم، وهي مقاربة لا تكفي فيها -حسب ولد شيخنا- الحلول غير الجذرية حيث إن الرأي العام الأزوادي أصبح يعتبر خيار اللامركزية متجاوزا وغير كاف.

أما السيناريو المتوقع -حسب نفس الكاتب- فيتمثل في ترك إقليم أزواد ملحقا بمالي مع حضور دولي دائم وهو السيناريو القائم الآن، ومن شأنه أن يترك الجرح الأزوادي مفتوحا على غرار أزمة الصحراء الغربية.

إلا أن السيناريوهات الأخطر هي تلك المتمثلة في انفجار الإقليم ودخوله في حرب أهلية مستمرة تزيد المعاناة وتسمح بتمدد فرنسا وحلفائها أكثر في المنطقة، وهو السيناريو الذي تدفع إليه سياسات التجاهل والتلاعب بحقوق وطموحات وآمال الشعب الأزوادي، كما تغذيه سياسات الدول الغربية التي تنظر إلى الإقليم بعيون اقتصادية انتهازية.

ناقش الكتاب جذور أزمة الشمال المالي ومتغيراتها الحالية مستعينا بالحفر في التاريخ الاجتماعي للمنطقة والبحث في الجذور القديمة للقوميات المشكلة لها وأسس العلاقة التي كانت قائمة بينها في مختلف مراحل التاريخ، مبرزا ذلك التعايش السلمي الذي كان -حسب الباحث عبد الله ممادو با- سائدا بين القبائل العربية البربرية والقبائل الزنجية التي توحدت تحت خيمة الإسلام، مشكلة روافد بشرية مهمة للحضارة الإسلامية في مناطق التماس الساحلي.

يعتبر الكتاب طليعة الدراسات التي تناولت القضية الأزوادية وأكثرها عمقا، نظرا للتداخل الاجتماعي بين مكونات الأزمة المالية وعدد من المشاركين فيه، كما يمثل صورة متكاملة الأبعاد عن هذه القضية الشائكة، وذلك بجمعه بين التاريخي والمعاصر، الفكري والسياسي، المحلي والإقليمي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك