عرض/ياسر غريب
يرى مؤلفا هذا الكتاب أن "السياسة" ليست شديدة التعقيد، ورغم ذلك فإن فلاسفة السياسة المخضرمين لم يفسروها جيدا، فلا ريب في أن مونتسيكيو وماديسون وهوبز ومكيافيلي كانوا مفكرين على قدر كبير من المهارة والبصيرة، لكن فهمهم لكثير من السياسات كان معيبا، وذلك لأنهم كانوا يتعاطون مع الملابسات اللحظية، ويستعرضون عينة صغيرة من المعطيات، حيث إنهم قد فكروا جميعا في ضوء السياق الضيق لأزمتهم الخاصة.

ومن ثم يوجهنا كتاب "دليل الاستبداد والمستبدين: الفساد سبيلا للاستيلاء على السلطة والحفاظ عليها" إلى أن نظرتنا إلى السياسة تتطلب أن نخطو خارج عادات التفكير الراسخة والمسميات التقليدية والتعميات الغامضة إلى عالم أكثر تحديدا من التفكير المرتكز على المصالح الذاتية.

والمؤلفان، وهما أستاذا العلوم السياسية الأميركيان (بروس بيونو دو مسقيتا) و(إلستير سميث)، يقدمان كتابا ذا بنية بسيطة يقع في عشرة فصول، فبعد الفصل الأول (قواعد السياسة) الذي يرسم الخطوط العريضة لأساسيات الحكم، يخصصان الفصول التسعة المتبقية للبحث في العديد من القضايا بداية بأسباب ارتفاع الضرائب في كثير من البلدان الفقيرة عنها في نظيراتها الغنية، أو السبب الذي من أجله ينفق القادة أموالا باهظة على الجيوش التي تظل ضعيفة، وغير ذات جدوى لدى استدعائها للدفاع عن أراضي أوطانها، وكيفية عمل المنطق السياسي للبقاء في السلطة، أي القواعد التي يتبعها الحكام في حكمهم.

- العنوان: دليل الاستبداد والمستبدين "الفساد سبيلا للاستيلاء على السلطة والحفاظ عليها".
- المؤلفان: بروس بيونو دو مسقيتا وألستير سميث.
- ترجمة: فاطمة نصر.
- الناشر: الهيئة العامة المصرية للكتاب (مكتبة الأسرة).
- سنة النشر: 2014.
- عدد الصفحات: 264.

وقد جاءت باقي الفصول تحت عناوين "الوصول للسلطة"، "البقاء في السلطة"، "اسرق الفقراء وأعط الأغنياء"، "الحصول على الأموال وإنفاقها"، "الفساد والتمكين"، "المعونات الخارجية"، "الشعوب والحالات الثورية"، "الحرب والسلام والنظام العالمي"، في حين جاء الفصل الأخير بعنوان "ما العمل؟".

ويقول المؤلفان إن قدرتهما على الربط بين النقاط المختلفة بعضها وبعض جعلت بعض طلابهما يطلقون على قائمتهما للقواعد التي يحكم الحكامُ بمقتضاها "مرشد الديكتاتور"!

لا أحد يعمل بمفرده
يبشر الكتاب بأنه من السهل علينا الإلمام بمعظم ما يدور في العالم السياسي طالما كنا مستعدين لتعديل أفكارنا، خاصة تلك الفكرة التي تقول إن بإمكان القادة العمل بمفردهم بأسلوب أحادي، ذلك أن حكم الفرد الواحد لا وجود له، ولم يوجد قط، ولا يمكن أن يوجد. وعلينا أن نتوقف عن الاعتقاد بأن كيم يونغ الثاني بإمكانه فعل ما يحلو له في كوريا الشمالية، أو أن هتلر وستالين وجنكيز خان وغيرهم من المستبدين كانت لهم القدرة المطلقة على التحكم في أممهم.

ويستشهد الكتاب بتفاصيل تجربة حكم "لويس الرابع عشر"، صاحب عبارة "الدولة أنا"، الذي حكم فرنسا لمدة 72 سنة إلى أن توفي على فراشه بسلام في سن الشيخوخة سنة 1715، ليبرهن على أن أحدا لا يمكنه أن يحكم بمفرده أو يتمتع بسلطة مطلقة، لكن تكمن الاختلافات في عدد من تجب رشوتهم، وفي العدد المتاح لمن يتطلعون للرشوة والحصول على الميزات.

من قواعد السياسة
ثمة ثلاث مجموعات ترتبط بأي سلطة ديمقراطية كانت أو ديكتاتورية، فيرى المؤلفان أن التغيير في قوة هذه المجموعات ونفوذها هو الذي يغير نمط النظام الحاكم. وهي مجموعات "المتخيرين اسميا"، و"المتخيرين واقعيا"، و"ائتلاف الفوز".

فالشريحة الأولى "المتخيرين اسميا" تضم كل شخص يملك الحق في اختيار القائد، لكنهم في بعض الأحيان يخضعون لسلطة قانون أعلى يحدد مدى تأثيرهم وفقا لرغبات الحكام، فعلى سبيل المثال كان جميع المواطنين يتمتعون بحق الاقتراع في الاتحاد السوفياتي، لكن خيارهم كان منحصرا في التصويت بـ"لا" أو "نعم" للمرشحين اللذين كان يختارهم الحزب الشيوعي! ويزداد تأثير هذه المجموعة كلما اقترب النظام من الديمقراطية، ويقل تأثيرها مع الاستبداد.

علينا التوقف عن الاعتقاد بأن كيم يونغ الثاني وهتلر وستالين وجنكيز خان وغيرهم من المستبدين كانت لهم القدرة المطلقة على التحكم في أممهم، دون مساعدة من أحد، فالمستبدون لا يحكمون بمفردهم

أما الشريحة الثانية "المتخيرين فعليا"، فهم الذين يختارون القائد واقعيا، ويمكن التمثيل لهم بقادة الحزب الشيوعي في الصين، وكبار أفراد الأسرة في بعض الأسر الحاكمة.

وتعد الشريحة الثالثة "ائتلاف الفوز" هي الأهم على الإطلاق، وهم أشخاص يعد دعمهم للقائد ضروريا كي يبقى في منصبه. وعلى سبيل المثال، فهم مجموعة صغيرة داخل الحزب الشيوعي الذين كانوا يتحكمون في الحياة السياسية في الاتحاد السوفياتي. وهم الحد الأدنى من الناخبين الذين بمقدورهم ترجيح كفة أحد المرشحين للرئاسة في الولايات المتحدة. وهو الائتلاف الذي كان يضمن تمكن لويس الرابع عشر من البلاد، وكان يتكون من حفنة من رجال البلاط، وضباط الجيش، وكبار موظفي الدولة، وبدونهم كان بإمكان أي منافس للملك أن يحل مكانه!

يتحدث الكتاب عن أولى خطوات الفهم لأسلوب عمل السياسة، وهي أن نسأل عن السياسات التي ينفق القادة عليها الأموال. أينفقونها على الخير العام لمصلحة الجميع؟ أم على الخير الخاص لمصلحة القلة؟ وتعتمد الإجابة على عدد من يحتاج القائد الحفاظ على ولائهم، أي عدد الضروريين في ائتلاف الفوز.

كما يتطرق لمعادلة الضرائب وطرق الاستفادة منها لصالح هذا الائتلاف المهم ومكافآته المستمرة والمتنوعة على خدماته الجليلة للسلطة سواء في الأنظمة الديكتاتورية أو الديمقراطية.

الوصول والبقاء في السلطة
ويأتي الحديث عن "الوصول للسطلة" مشبعا بالعديد من قصص التسلق إلى الحكم في البلاد غير الديمقراطية، لكنه بدأ مجموعة القصص -التي تضمنت تجارب الاستيلاء على السلطة بماركوس الفلبين وصدام العراق وخميني إيران وغيرهم- وختمها مع الرقيب دو الضابط الليبيري محدود الذكاء الذي وجد نفسه مع ستة عشر ضابطا في غرفة نوم الرئيس وليام تولبرت يوم 12 أبريل/نيسان 1980، وفيما كان الرئيس نائما طعنه دو بحربة وقذف بأحشائه إلى الكلاب، وأعلن نفسه رئيسا للبلاد دون أن تكون لديه أدنى فكرة عما يجب أن يفعله الرئيس أو كيفية حكم البلاد، لكن كل ما كان يعرفه هو كيفية الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها، وهي الإطاحة بالحاكم السابق، إيجاد الأموال، تشكيل ائتلاف صغير ودفع أموال لأعضائه بما يكفي للحفاظ عليهم.

يؤكد الكتاب أن اللعبة السياسية لا تنتهي بالوصول إلى مركز القيادة، فالقائد حتى بعد وصوله إلى سدة الحكم، سيرى آخرين يتربصون به ويطمحون لمنصبه، ولذلك فقد عالج عنوان أو فصل "البقاء في السلطة" كيف يتحكم القادة الناجحون في المخاطر بتثبيتهم لتآلف مُوال، ويكون هذا إحدى أولى مهامهم، وإلا تركوا الباب مفتوحا لمن يريد الإطاحة بهم.

من جهة أخرى يؤكد المؤلفان وفقا لمجموعة من التجارب التاريخية (الدولة العثمانية، أو ليبيريا أو بعض الشركات الكبرى..) أن التحكم في تدفق الأموال ضروري لشراء الدعم، لكن بمجرد أن تفرغ خزائن الدولة بعد إنفاق الأموال على شراء ولاء الداعمين الأساسيين أو الاحتياطيين، تواجه المسؤولين مشكلة إعادة ملئها، وفي حال فشل القائد في العثور على مصدر موثوق للدخل، سرعان ما سيقوم غيره بعرض جوائز على داعميه أكبر من تلك التي يستطيعها القائد.

"المتخيرون اسميا"، و"المتخير فعليا"، و"ائتلاف الفوز"..  ثلاث شرائح ترتبط بها أي سلطة سياسية في العالم، حيث تقترب السلطة من الديمقراطية أو تبتعد عنها بمقدار التناسب والتغير في أدوار تلك الشرائح وقوتها

وتعد جباية الضرائب واستخراج الموارد والاقتراض هي الوسائل الفُضلى للحصول على الأموال التي ينفقها القادة بأساليب ثلاثة، أولا: ينفقونها على مشاريع الخير العام التي تفيد الجميع. ثانيا: يقدمون مكافآت خاصة لأعضاء ائتلافاتهم، ويتصرف القادة فيما تبقى وفقا لاجتهاداتهم، حيث إنهم قد ينفقون الفائض في الدفع بمشاريعهم المفضلة. أو يقومون بإخفاء الأموال في حسابات سرية تحسبا للأيام العصيبة، والخيار الأخير هو الأرجح.

في نهايات الكتاب، يحاول المؤلفان الكشف عن وسائل خروج الشعوب المضطهدة من وطأة الاستبداد، إذ أوضحا أن الحياة السياسية تتمحور برمتها تقريبا حول حجم من يمكن الاختيار من بينهم، والنافذين، والائتلاف الفائز.

فإذا وسعنا نطاق تلك الكيانات فستتغير جميع الأشياء إلى الأفضل للغالبية العظمى التي سيتحرر أفرادها، فيكدون في العمل لحسابهم ومن تلقاء أنفسهم، ويحرصون على تلقي تعليم أفضل، ويصبحون أكثر صحة وسعادة وحرية. وستقل الضرائب التي يدفعونها وستتسع فرص الحياة أمامهم بدرجة هائلة، وهو ما يتم عبر التحولات الديمقراطية وتداول السلطة.

ويرى مسقيتا وسميث، بعد أن رصدا مجموعة من المقترحات لتجاوز هذا الواقع السيئ أنه آجلا أم عاجلا، ستعبر كل المجتمعات الخط الفاصل بين بؤس الأنظمة المستبدة التي تقوم على أساس ائتلافات صغيرة قليلة العدد وأعداد هائلة ممن يمكن الاختيار بينهم، وبين النظم الديمقراطية التي تقوم على أساس ائتلافات كبيرة العدد تدمج فيها نسبة كبيرة ممن يمكن الاختيار من بينهم، وسيتبع ذلك العبور السلامُ والوفرة.

وقد ختما الكتاب تعليقا على ذلك بقولهما، في تفاؤل يتناقض مع كم الإحباط الذي بثاه من خلال رصد القواعد السياسية للاستبداد: "بالإمكان لكل هذا أن يحدث في جميع الأنحاء في وقت أقرب من المتخيل من خلال السعي الجاد، والحظ الموفق، وآنذاك سيعم الازدهار وطيب العيش".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك