عرض/ناريمان عثمان
إيكارو لورومان كان راعيا من قبيلة توركانا في كينيا، وجد الرجل مقتولا عندما شنت قبيلة البوكوت غارة كبيرة على القطيع، فجراء موجة جفاف قوية انتقلت مجموعة من أفراد قبيلته إلى الجنوب وكانوا يرعون ماشيتهم قريبا من أعدائهم البوكوت، ولندرة الماء والكلأ مرض القطيع، ولتعويض النقص في القطيع أغار الشباب على جيرانهم وسرقوا أكثر من ستمائة دابة وقتلوا رجلين.

بهذه القصة افتتح المؤلف كريستيان بارينتي كتابه الذي يحمل عنوان "مدار الفوضى" والذي صدر عن سلسلة عالم المعرفة التابعة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

اعتبر الكاتب أن هذا العنف المتزايد -الذي أورد مثالا عنه في القصة السابقة- يتعلق بوضوح بتغير المناخ، فعندما يشتد الجفاف ترتفع وتيرة الغارات، وهو أمر يحدث على نطاق أوسع في المنطقة المحصورة بين مداري الجدي والسرطان.

-العنوان: مدار الفوضى
-المؤلف
: كريستيان بارينتي
-ترجمة: سعد الدين خرفان
-الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب-الكويت
-عدد الصفحات: 319
-الطبعة: الأولى 2014

التجمع الكارثي
فمقتل إيكارو نجم عن مجموعة من أخطر الحوادث في التاريخ البشري، وهي التجمع الكارثي للفقر والعنف وتغير المناخ، وهذا الكتاب محاولة لفهم سبب مقتل إيكارو لورومان وآخرين كثيرين جدا مثله.

وأشار الكاتب إلى أن تغير المناخ لطالما عبر عن نفسه في مجال السياسة، إذ تستمر حوادث الطقس العنيف وأنماط المناخ السيئة في التسبب بأزمات إنسانية أكثر وفي تغذية الحروب الأهلية، لافتا إلى أن الأمم المتحدة في عام 2007 قدرت أن مناشداتها للمساعدات الإنسانية لحالات الطوارئ كانت جميعها عدا واحدة متعلقة بالمناخ.

وتقول الإحصائيات إن تغير المناخ يؤثر بشكل سلبي في ثلاثمائة مليون من البشر في العام مسببا مقتل ثلاثمائة ألف منهم، وبحلول عام 2030 ومع تحول الفيضانات وحالات الجفاف وحرائق الغابات والأوبئة الجديدة للأسوأ يمكن أن يقتل خمسمائة ألف إنسان كل عام ويمكن أن تصل الكلفة الاقتصادية لهذه الكوارث إلى ستمائة مليار دولار كل عام.

قارب النجاة المسلح
يخطط البنتاغون والعديد من الدول الغربية لعالم يعاد تشكيله بسبب تغير المناخ، والذي سيشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي لتلك الدول التي ستجد نفسها أمام أعداد كبيرة من اللاجئين تقتحم شواطئها، وسيتعين عليها التدخل من أجل تأمين الاستقرار وإعادة البناء بعد الصراع وتخفيف الكوارث في الدول التي ستعصف بها كوارث تغير المناخ.

وتستعد كل تلك الدول لمواجهة هذه الظروف بالمزيد من التسلح لاحتواء دول فاشلة فتك بها تغير المناخ وعدم الاستقرار، معتبرة أن ذلك سيكون قارب النجاة، لكن الكاتب يرى أن عالما ينتشر فيه الجوع والمرض والجريمة والتعصب والانهيار الاجتماعي العنيف سوف يقهر قارب النجاة المسلح، وأخيرا سيغرق الجميع في المستنقع نفسه، ولسوء الحظ فإن الولع الحالي بمكافحة التمرد هو جزء من المشكلة وليس الحل.

ويضيف أن هذا النوع من "الفاشية المناخية" وهي سياسة مبنية على الاستعباد والفصل والقمع سياسة بشعة جدا ومصيرها الفشل، ولا بد من وجود مسار آخر، إذ لا يمكن للدول المتعبة في عالم الجنوب أن تنهار من دون أن تأخذ في النهاية الاقتصادات الغنية معها.

إذا سمح لتغير المناخ بأن يحطم اقتصادات ودولا بأكملها فلا يمكن لأي كمية من الجدران والمدافع والأسلاك الشائكة وطائرات الدروع المسلحة أو استخدام المرتزقة أن تنقذ بشكل دائم نصف العالم من نصفه الآخر.

تقول الإحصائيات إن تغير المناخ يؤثر بشكل سلبي في ثلاثمائة مليون من البشر في العام مسببا مقتل ثلاثمائة ألف منهم، وبحلول عام 2030 يمكن أن يقتل خمسمائة ألف إنسان كل عام، ويمكن أن تصل الكلفة الاقتصادية لهذه الكوارث إلى ستمائة مليار دولار كل عام
أفريقيا
في هذا الجزء من الكتاب يعود المؤلف إلى تشريح الوضع في قارة أفريقيا محاولا التنبؤ بما سيكون عليه الوضع بعد انهيار ناجم عن تغير مناخي في عالم الجنوب، وكيف سيتكيف الفقراء؟

وتتضح معالم الجغرافيا السياسية التي تتأثر بالغارات التي تشنها القبائل شرق أفريقيا نتيجة الجفاف والتنافس على الموارد المائية، وقيمة قطعان الماشية لدى هؤلاء الناس التي تمثل كل ما هو مهم في الحياة بالنسبة لهم: الشرف والمكانة والثراء والحب والبقاء متمثلة كلها في القطيع الذي أصبح بدوره مالا وكل ما يمكن شراؤه بالمال.

وخصص الكاتب فصلا كاملا عن تاريخ الصومال منذ استقلاله وكيفية تحوله إلى دولة فاشلة ومنطقة حربية فوضوية تتدفق منها الأسلحة واللصوصية والتعصب العرقي والديني -كما يرى- وكيف يزود الصومال عصابات القرن الأفريقي والمليشيات والمجرمين بالبنادق والملاذ والأسواق.

وشرح المؤلف كيف تنهار الدول وكيف تصبح الدولة الفاشلة أو شبه الفاشلة مهددة بالتغير المناخي، حيث تصبح الحكومة فارغة من مضمونها رغم أن لها علما وعملة ومقعدا في الأمم المتحدة لكن هناك القليل من القانون والنظام والبنية التحتية الفاعلة أو لا يوجد شيء من ذلك على الإطلاق.

ففي أماكن مثل الصومال وغينيا وساحل العاج تكون الدولة شبحا، تظهر ثم تختفي، يمكن رؤية معالمها والشعور بوجودها لكنها ليست هناك فعلا، فلا توجد سلطة فعلية تفرض القانون ولا برامج لحماية الناس.

آسيا
في آسيا نطالع التاريخ البيئي للحرب الأفغانية، صحيح أن التعصب الديني والكره العنصري والطموح الاستعماري هي أدوات حركت العنف بشكل كبير، لكن تغير المناخ أيضا يغذي الصراع في أفغانستان.

فأهم سبب للحرب الآن في أفغانستان هو الوجود الأميركي، وحتى قبل التدخل السوفياتي عام 1979 ترجع بواكير جذور الصراع الحالي إلى انقلاب في عام 1973، وضمن قصة الانقلاب يظهر دور المناخ، حيث بدأ العنف نتيجة جفاف بدأ قبل أربعين عاما، كما سبب تغير المناخ تنافسا بين الدول ظهر على شكل عمليات غير مباشرة داخل أفغانستان.

ومن المهم جدا الإشارة إلى دور نبات الأفيون المقاوم للجفاف، ففي الوقت الذي يميل فيه المزارعون إلى زراعة الأفيون بدلا من المحاصيل الأخرى غير المقاومة للجفاف هناك صراع بين الناتو وطالبان، فالناتو يهاجم الأفيون، وطالبان تدافع عنه، وفي هذا الخصوص فإن اقتصاد الأفيون والدفاع المسلح عنه هما آليتان محليتان للتكيف مع تأثيرات تغير المناخ.

وفي صيف عام 1973 كان البلد في عامه الثالث من الجفاف والمجاعة، ويقال إن ثمانين ألف شخص ماتوا من المجاعة، وحدثت احتجاجات طلابية وهاجم المزارعون مبنى الحكومة، وأخيرا استولى الجنرال محمد داود خان على السلطة في انقلاب.
في أماكن مثل الصومال وغينيا وساحل العاج تصبح الدولة شبحا، تظهر ثم تختفي، ويمكن رؤية معالمها والشعور بوجودها لكنها ليست هناك فعلا، فلا توجد سلطة فعلية تفرض القانون ولا برامج لحماية الناس
وبعد ثلاثة عقود من الصراعات المسلحة حدث تدهور شديد في البيئة الطبيعية لأفغانستان ومواردها المائية وبناها التحتية الزراعية أدى إلى إزالة الغابات على نطاق واسع، وإلى الضغط الشديد على الأراضي الرعوية.

أما في قرغيزستان فقد كان النظام ضعيفا قبل أن يدفعه الطقس العنيف إلى الهاوية، فالبلد يعتمد كليا تقريبا على الطاقة الكهرومائية، والدخل من تصدير الكهرباء، غير أن الجفاف الطويل في وسط آسيا أوقف محطات الطاقة في قرغيزستان، وبالتالي شل اقتصادها بأكمله، وفي هذه الحالة يظهر بشكل متطرف كيف يمكن لتغير المناخ أن يطلق العنف.

فتحول الجمهور الذي كان يحتج على ارتفاع الأسعار بسرعة إلى غوغاء ومجموعات مسلحة هاجمت الأبنية الحكومية وتبادلت إطلاق النار مع الأمن فقتل عشرات الأشخاص، وبحلول 2010 هرب رئيس البلاد، واستولت المعارضة على السلطة، لكن لم يعد هناك نظام ولا قانون، نصبت الأحياء الحواجز، وشكلت المليشيات، ووسط النهب بدأ العنف العرقي، فكان ذلك فتيلا أشعل النزاع العرقي القديم في البلاد.

وعلى مستوى آخر، فقد كان من المعروف أن الهند وباكستان منخرطتان في صراع، وسبب مهم لهذه العداوة هو حاجة كل طرف إلى الماء، وأهم طرق الصراع هي استخدام باكستان المجموعات الإسلامية المسلحة بوصفها وكلاء لها ضد الهند، ومع زيادة الضغط المائي الناجم عن تغير المناخ في جنوب آسيا ووسطها يزداد النزاع الهندي الباكستاني حدة على عدة جبهات.

أميركا اللاتينية
الطقس العنيف أيضا له آثاره الواضحة في أميركا اللاتينية، ومدينة ريو في البرازيل مثال على ذلك، حيث تنتشر الكثير من الأحياء السكنية العشوائية حول المدينة، جاء سكانها من الريف حيث دفع المناخ السيئ -الذي يضرب الريف الشمالي الشرقي- المزارعين إلى الهجرة نحو المدن، لأن الزراعة لم تعد قادرة على حفظ حياتهم.

وفي تلك العشوائيات حيث يظهر عدم التجانس الاجتماعي مع الأحياء الغنية في المدينة تنشر الجريمة بشكل كبير ومنظم، ففي عام 2009 وحده قتل خمسة آلاف شخص في مواجهات بين الشرطة والعصابات.

أما المكسيك فهي بلد من الجماهير الجائعة والجفاف والفيضانات، بلد أصيبت بنيته ومؤسساته الاجتماعية بغرغرينا فساد المخدرات، ليس قادرا على التكيف مع ارتفاع مستوى البحر، والطقس العنيف وانخفاض مردود المحصول، والهجرة الجماعية التي تحركها هذه العمليات.

وبينت دراسة أن لكل نقص بمقدار 10% من المحصول يهاجر 2% من المكسيكيين إلى الولايات المتحدة.

يحذر الكاتب من أن الحضارة ستواجه انهيارا إذا لم تبدأ الرأسمالية بالتعامل مع الأزمة الآن، معتبرا أن أزمة المناخ ليست مسألة تقنية، ولا حتى مشكلة اقتصادية، إنها في الأساس مسألة سياسية

وتواجه موجات الهجرة غير الشرعية تلك بتشديد كبير على الحدود من الجانب الأميركي، وبتقنيات مراقبة متطورة، وعدد كبير من الجنود، إضافة إلى الكثير من مراكز الاحتجاز التابعة لـ"سي آي أي" التي يعتقل فيها المهاجرون غير الشرعيون، وتمارس فيها انتهاكات لحقوق الإنسان وفقا لتقارير صادرة عن منظمات.

وخلال هذا يتضمن خطاب العديد من وسائل الإعلام حضا على كراهية الأجانب والمهاجرين على أنهم يمثلون خطرا على البلاد، معظمهم من اليمين المتطرف.

تهديد الحضارة
ويحذر الكاتب من أن الحضارة ستواجه انهيارا إذا لم تبدأ الرأسمالية بالتعامل مع الأزمة الآن، معتبرا أن أزمة المناخ ليست مسألة تقنية، ولا حتى مشكلة اقتصادية، إنها في الأساس مسألة سياسية.

وعن التقنيات الكافية للتخفيف من انبعاث الغازات التي تدفع إلى رفع حرارة الأرض، فالبدائل موجودة وتتمثل في تقنيات الطاقة النظيفة التي تعتمد على الرياح والشمس والحرارة الجوفية وطاقة المد الحركية، وكذلك الجيل الرابع من المفاعلات النووية.

إضافة إلى أن هناك مقادير ضخمة من المال تتدفق ضمن النظام المالي العالمي الذي يبحث عن مخارج مربحة، لكن لم تفشل الحكومة الأميركية في دفع رأس المال الخاص إلى الاستثمار في التقنية النظيفة فقط، وإنما فشلت في الاستثمار بنفسها أيضا.

وللأسف لا توجد إرادة سياسية حقيقية لإجراء التحول الذي يتعارض مع مصالح الشركات الكبيرة القائمة على إنتاج الوقود الأحفوري، والتي تدفع مبالغ ضخمة لحملات تنكر تغير المناخ، وتعيق التوصل إلى تشريعات قانونية تحد من انبعاث الغازات.

وفي النهاية سيتطلب حل أزمة المناخ إعادة الشرعية لدور الدولة في الاقتصاد، ونحتاج للتخطيط وإعادة توزيع الثروة نحو الأسفل، فهناك طرق متوافرة مسبقا لمعالجة الأزمة فورا لو بذلت الجهود لإجبار الزعماء السياسيين على التحرك.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك