عرض/عثمان كباشي
ثمة أسباب عديدة تحرض المرء وتحثه حثا على عرض هذا الكتاب، ليس أولها شخصية مؤلفه الرئيس التونسي الدكتور منصف المرزوقي المثيرة للإعجاب والاهتمام، بل هناك أسباب أخرى كثيرة.

المرزوقي رئيس من طراز مختلف، فالرجل ظل يمارس الكتابة بوصفها فعلا ثوريا وتوجيهيا مهما وضروريا حتى وهو غارق لأذنيه في تسيير شؤون بلد مثل تونس ما بعد الثورة، بلد خرج لتوه من أتون نظام أهمل جل سكان البلاد وظل لعشرات السنيين يعمل لرفاه فئة يسيرة من الناس غير عابئ بمطالب الأغلبية المتمثلة في الحرية والعيش الكريم.

والمرزوقي هو الرئيس الوحيد في الفضاء الجغرافي العربي الذي يفعل ذلك وبحب، مكرسا عبارة "هاجس الكتابة أقوى من ضغط السلطة".

-العنوان: ننتصر أو ننتصر.. من أجل الربيع العربي
-المؤلف: منصف المرزوقي
-عدد الصفحات: 261
-الناشر:
الدار المتوسطية للنشر/ تونس
-الطبعة: الأولى، 2014

ومن الأسباب الأخرى المحرضة على عرض الكتاب، المقدمة الضافية والعميقة التي قدم بها المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة موضوعات الكتاب وقضاياه.

ثم موضوع الكتاب المهم والشائك، وهو الهم الذي ظل المرزوقي يحمل عبئه مثل صخرة سيزيف تماما، ألا وهو هم انتصار ثورات العربي ممثلا في النموذج التونسي الذي كان الشرارة التي آذنت بانطلاق الثورات في بلدان الربيع العربي الأخرى، والذي سعى ويسعى لأن يكون عصيا على المطارق الضخمة للثورة المضادة التي هشمت أحلام ثوار الربيع العربي في مصر، وتكاد تجر ليبيا إلى الفوضى.

يورد المرزوقي في سطور كتابه: "لا يهديني أحد كتابا إلا وشعرت بضرورة الرد، سواء برسالة شكر، أو -إن أعجبني النص- بقراءة أنشرها. ذلك لأنني ككاتب، أعلم بالسليقة أن من يهديك عصارة الفكر والروح ينتظر منك أن تتجاوب معه ولو سلبا".

وقد جاءت عبارات المرزوقي أعلاه في إشارة لكتاب "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" الذي أهداه له مؤلفه زعيم حركة النهضة التونسية الشيخ راشد الغنوشي.

وأنا لا أزعم أني تلقيت نسخة من كتاب المرزوقي "ننتصر.. أو ننتصر" -الذي بين يديكم- من المرزوقي مباشرة، وإنما أهداني إياها صديق تونسي، بيد أني شرفت من المؤلف من قبل بنسخة موقعه بإهدائه من كتابه "الرحلة.. مذكرات آدمي" الصادر عام 2010.

والرحلة هو كتاب صدر في دمشق عام 2010 عن دار الأهالي في 780 صفحة ويحتوي على الأجزاء الخمسة من كتب المرزوقي التي طبعت كل على حدة عام 2002 وهي: الإحرام، والعالم، والطريق، والمغامرون، والملحمة، إضافة إلى كتابين لم يُنشرا من قبل هما الغريب والرؤيا.

إهداء إلى الوطن

هذا الكتاب عبارة عن مجموعة مقالات، بينها رابط قوي وناظم واضح، تعالج كلها قضية واحدة، ألا وهي قضية نجاح ثورات الربيع العربي ووصول سفينتها إلى بر الأمان رغم ما تعانيه من عوائق وعراقيل الثورات المضادة

يهدي المرزوقي كتابه "ننتصر.. أو ننتصر: من أجل الربيع العربي" -وهو كما يقول المؤلف "مجموعة مقالات منها التي لم تنشر، ونشر بعضها في موقعي أو في مواقع إلكترونية أخرى، وخاصة موقع الجزيرة نت"- إلى "بناة الوطن.. اليوم وغدا.. إلى كل من يسعى لتحقيق أهداف ثورة 17 ديسمبر، وكل ثورات الربيع العربي".

والوطن عند المرزوقي ليس جغرافيا محدودة بخطوط عرض وطول، وليس مجموعة التضاريس التي تسمى تونس فحسب، بل يمتد ليشمل كل بلدان الربيع العربي.. الوطن عنده جغرافيا وتاريخ ومجتمع ودولة، هو كما يقول في إهدائه: "أرض نهرب إليها لا أرض نهرب منها.. قطعة من التاريخ صنعتها آلام وآمال وأعمال الأجيال السابقة، علينا مواصلة تعهدها لتعوض كل الآلام، لتحقق كل الآمال، لتثمر كل الأعمال".

الوطن عند المؤلف: "مجتمع متكافل يحد بصفة مدروسة من الفوارق الاجتماعية.. مجتمع معرفة، العلم هدفه والعمل وسيلته.. مجتمع قيم أهمها الحرية في خدمة العدالة، والعدالة حصن للحرية".

الوطن عند المرزوقي: "حكم رشيد يحارب وبلا هوادة الفساد.. بلد ديمقراطي مسالم شريك في بناء فضاءات إنسانية تتوسع شيئا فشيئا إلى العالم بأسره".

كتابة تنويرية
يقدم المفكر العربي عزمي بشارة لكتاب المرزوقي "ننتصر.. أو ننتصر: من أجل الربيع العربي"، ويرى منذ البداية أن المقالات التي يحتويها تشكل "كلا متماسكا، ليس في ذهن كاتبها فحسب، ولا لأنها جمعت بين دفتين لتبيان تكاملها كما يهدف الكاتب من إصدارها، بل لأنها تجيب عن أسئلة مختارة بموجب أجندة نهضوية ونضالية في آن معا، والمجيب واحد والمنطلقات القيمية واحدة".

وهي مقالات، وفق منظور بشارة، "من نمط الكتابة التنويرية التي عرفها العرب في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وانتشرت في أوروبا في القرن الثاني عشر.. إنها نوع من الكتابة يميز وظيفة المثقف في المجتمع حين يتناول قضايا فكرية أو هموما عمومية تهم المجتمع ككل، ويحاول عبره أن يشرك القراء في تفكيره".

وهذا الكتاب، كما سبقت الإشارة، عبارة عن مجموعة مقالات، بينها رابط قوي وناظم واضح، يربو عددها عن الثلاثين، وتعالج كلها قضية واحدة، ألا وهي قضية نجاح ثورات الربيع العربي ووصول سفينتها إلى بر الأمان رغم ما تعانيه مما تعرف بعوائق وعراقيل الثورات المضادة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك