عرض/زياد منى

يؤكد الكاتب لوك باتاي في كتابه هذا حقيقة ثابتة وهي أنه حيث يوجد مصدر للطاقة فهناك صراع مسلح في أحيان يفرضه الخارج، وصراع داخلي ليس منيعا ضد تدخلات دولية.

يتناول لوك باتاي هذه المسألة من خلال متابعة الاهتمام الصيني والهندي بالتنقيب عن النفط، والبحث في سياسات الدولتين النفطية وغير النفطية، والتأثير المتبادل بينهما.

يركز الكاتب على تفاصيل السياسة الصينية أكثر من الهندية، لكنه لا يبخس الأخيرة حقها، آخذا في الاعتبار الدعم الذي تقدمه حكومة نيودلهي لأسعار المحروقات المتبعة منذ عهد بعيد، مما يفرض عليها استثمارات تعود عليها بدخل كاف لاستمرار سياستها تلك.

-العنوان: ملوك النفط الجدد.. الصين والهند والصراع العالمي على نفط السودان
-المؤلف: لوك باتاي
-عدد الصفحات: 356
-الناشر: هرست بوكس، لندن
-الطبعة: الأولى،2014

افتقار كل من الصين والهند لمصادر طاقة محلية أو وطنية فرض عليهما البحث عنها خارج الحدود، مع التركيز على السوق الأفريقية عموما، والسودانية خصوصا، وهي التي أهملها الغرب بعدما ركز نشاطاته الاستثمارية في أوروبا الشرقية وروسيا والولايات المتحدة بعد هزيمة المعسكر الشيوعي في 1990-1991.

من المعلوم أن شركة النفط الوطنية الصينية، التي تملكها الدولة، دخلت السوق السوداني في تسعينيات القرن الماضي بعدما قررت شركات النفط الأميركية تصفية نشاطاتها هناك إثر تعرض مقارها وموظفيها ومستخدميها لهجمات جيش جنوب السودان ومقتل بعضهم وخطف آخرين.

فالهجمات العسكرية لمتمردي جنوب السودان أثرت في قرارات الحكومة السودانية الاقتصادية، ودفعتها لفتح أبواب قطاع التنقيب عن النفط في السودان وجنوبه على مصراعيه، للشركة الصينية أولا والهندية لاحقا.

يرى الكاتب أن فتح القطاع النفطي السوداني أثر في السياسات الاستثمارية للشركتين الصينية والهندية، ودفعهما للتخلي عن الاستثمار في الولايات المتحدة، وهذا بدوره أثر في علاقاتهما بواشنطن، لكنه في الوقت نفسه حرم صناعة النفط الصينية تحديدا من إمكانية الوصول إلى التكنولوجيا النفطية الغربية المتقدمة علميا.

من ناحية أخرى، قرار شركة النفط الصينية الوطنية، العملاقة، الاستثمار في أفريقيا عموما، وفي السودان وجنوبيه، ولاحقا في جنوب السودان، خصوصا، أثر في سياسات بكين تجاه القارة الأفريقية، وفي السودان تحديدا.

يلفت الكاتب إلى خطأ النظر إلى قرارات شركة النفط الوطنية الصينية على أنها إملاء حكومي، رغم ادعاء البعض المخالف. سياسات الشركة الاستثمارية أملاها اللهاث وراء الربح، مما فرض على بكين تأمل علاقاتها بأفريقيا عموما وبالسودان، بشقيه، تحديدا.

يؤكد باتاي صحة القول: إن تسهيلات الائتمان التي تقدمها الحكومة الصينية لشركاتها العملاقة تمنح الأخيرة أفضلية على غيرها من الشركات العالمية. وهنا تحديدا يتجلى التأثير المتبادل بين الطرفين وتأثير ذلك في بعض جوانب سياسات بكين الدولية.

قد يقول قائل: إن امتلاك الدولة الصينية والهندية لشركتي النفط الرئيستين يعني بالضرورة أن الحكومتين قادرتان على فرض سياسات الشركتين الاستثمارية، ولكن الكاتب يؤكد عدم صحة ذلك ويوضح عبر أمثلة متعددة أن الحكومة الصينية وجدت نفسها منساقة إلى سياسة محددة، لأن شركة النفط الوطنية قررت الاستثمار في هذا البلد أو ذاك.

افتقار كل من الصين والهند لمصادر طاقة محلية فرض عليهما البحث عنها خارج الحدود، مع التركيز على السوق الأفريقية عموما، والسودانية خصوصا، وهي التي أهملها الغرب بعدما ركز نشاطاته الاستثمارية بعد العام 1991 في أوروبا الشرقية وروسيا وأميركا

ملكية دولة لشركة ما -حسب الكاتب- لا تعني التحكم في قراراتها الاستثمارية. فعلى سبيل المثال، قرار شركة النفط الوطنية الصينية الاستثمار في جنوبي السودان- الذي كانت تسوده حرب ضارية بين الخرطوم وجيش جنوب السودان- فرض على الحكومة الصينية سياسات معينة تجاه الخرطوم والمتمردين كليهما في آن. وهذا الوضع سيستمر بعد انفصال جنوب السودان واندلاع الحرب الأهلية فيه.

كما تعرض الكاتب إلى دور النزاع بدارفور في التأثير في سياسات كل من الخرطوم وبكين بخصوص التنقيب عن النفط في ذلك البلد.

من هنا يتضح للقارئ -بحسب الكاتب الذي يركز على مثال الصين- الدور الرئيسي الذي تمارسه شركتا النفط في عالم اليوم، ومستقبل التنقيب عن النفط وتكريره في العالم.

يبين الكاتب أيضا في مؤلفه المفصل هذا، كيفية تأثير الوضع في السودان وحروبه الداخلية وأزماته الكثيرة في سياسته النفطية خصوصا العلاقة مع شركات النفط الأميركية، ومن ثم مع شركتي النفط الوطنيتين الهندية والصينية، وكيفية تأثير الأخيرتين في سياسة الخرطوم تجاه الأطراف المتمردة، أو سميها كما تود، في جنوبه (قبل الاستقلال) وأيضا في غربه، أي في دارفور.

من هنا يتضح تأثير اكتشاف النفط في جنوبي السودان، ثم في جنوبه بعد الانفصال، وفتح الأبواب على مصراعيه للاستثمارات الصينية، ومن بعدها الهندية، في سياسات الطرفين الأخيرين تجاه أفريقيا عامة وتجاه السودان خاصة.

هنا يؤكد الكاتب تأثير إدارة شركتي النفط في هذا بالتحديد بحكم كون إدارتيهما، وخصوصا الصينية، قريبة من مركز القرار في كل من نيودلهي وبكين. هذا القرب منح الشركتين وضعا يمكنهما من الاطلاع مقدما على سياسات المركزين والتأثير المباشر فيهما.

وكان الكاتب أوضح تأثير حملات المجتمع المدني في الغرب، مثل منظمات حقوق الإنسان ووكالات الإغاثة وغيرها في سياسات الغرب الخاصة بالاستثمار في نفط السودان، مما منح شركات النفط الآسيوية وضعا أفضل من ناحية المنافسة، لكن بالنظر إلى استمرار الحروب هناك وما تجلبه من أخطار على العاملين في الشركتين، فإن مستقبل عمل الشركتين غير مؤكد، لكن الطريق نحو أفريقيا تم فتحه، على يد الشركتين تحديدا.

عالج الكاتب كل هذه القضايا بتفاصيل مثيرة تهم أهل الاختصاص، عبر أحد عشر فصلا موزعة على أربعة أجزاء هي: الصين، والهند، ودارفور، والسودان وجنوب السودان (السودانان).

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك