عرض/مرح البقاعي
تعتبر السيرة الذاتية لليون بانيتا -وهو واحد من أهم رجالات السياسة في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، والذي شغل منصبين هما الأهم والأعلى سلطة في الإدارة الأميركية: وزيرا للدفاع ورئيسا لوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي أي)- أقرب إلى السيرة الملحمة في التاريخ الأميركي الحديث.

فالرجل أيضا هو الذي قاد حدثا فارقا في تاريخ العمل العسكري الأميركي، حيث ترأس مجموعة المخابرات التي نفذت عملية تصفية أسامة بن لادن.

ولعل من أهم ما ميز السيرة المهنية لبانيتا -التي انعكست بشكل واضح في كتابه "حروب جديرة بخوضها"- كونه بدأ حياته العملية كضابط مخابرات في الجيش الأميركي، ثم ارتقى في الشأن العام إلى أن انتخب نائبا في الكونغرس، ووقع اختيار الرئيس بيل كلينتون عليه لاحقا ليكون كبير مسؤولي موظفي البيت الأبيض، وبعد انتهاء عمله في البيت الأبيض قرر بانيتا التقاعد وإنشاء مركز بانيتا للأبحاث الذي ضم مجموعة عمل واسعة لأبحاث العراق.

- العنوان: حروب جديرة بخوضها
-
الكاتب: ليون بانيتا
- عدد الصفحات: 512
- الناشر: بينغوان برس
- الطبعة: الأولى، 2014

وفي عام 2009 عاد إلى العمل العام من جديد وتسلم منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، حيث ساهم في تحقيق نقلة نوعية في إستراتيجيات وأدوات عمل الوكالة، وحولها من حالة الاضطراب التي سادتها بعد الكشف عن عمليات التعذيب الممنهج التي جرت في عهد بوش وأشرف عليها مسؤولون فيها إلى مركز حيوي يقود حرب أميركا ضد تنظيم القاعدة والإرهاب الدولي إلى أن أدت جهوده للعثور على مقر بن لادن وتصفيته في باكستان.

بعد مقتل بن لادن أسندت إلى بانيتا قيادة وزارة الدفاع، حيث تسلم المنصب وارثا تبعات حربين غير مكتملتين استوجبتا حالة من التقشف في صفوف الجيش الأميركي، وكذلك اتخاذ القرارات الأصعب في تاريخ العسكرية الأميركية.

من مزارع الجوز إلى سدة السلطة
يعتبر كتاب السيرة الذاتية لبانيتا "حروب جديرة بخوضها" انعكاسا مباشرا للقيم السلوكية والأخلاقية التي آمن بها ودافع عنها بانيتا، فالصراحة والتواضع الإنساني وروح الفكاهة التي ارتبطت بالبساطة والعفوية التي ورثها من جذوره العائلية في مزارع الجوز بولاية كاليفورنيا جعلت منه شخصية شعبية مقربة إلى رجل الشارع العادي كونه لم ينفصل عن هموم الرجل الأميركي البسيط اليومية وتطلعاته المستقبلية، وهو بذلك يمثل نموذجا نادرا ومفقودا في العمل السياسي الذي يقدم المصالح العامة وعملية التنمية البشرية على الشأن الحزبي وارتباطاته المعقدة.

بسرد بانيتا في كتابه أنه رغم كونه كاثوليكيا ويعارض عقوبة الإعدام فإنه كان عليه أن يقر ضربات الطائرات من غير طيار (درونز) ما بين عامي 2009 و2011.

ويشير إلى أنه يعتقد أن العاملين في الشأن العام لديهم دائما خياران لا ثالث لهما: إما القيادة الرشيدة التي تدير دون أن تسيطر، وإما السقوط في دوامة الأزمات التي هي الطريق الأقصر إلى الفوضى.

انتقد الكاتب رئيسه بشدة واتهمه بخلق فراغ في العراق، بسحبه الكامل للقوات، فراغ سمح لتنظيم الدولة الإسلامية بالصعود والتغلغل في الفراغات الأمنية التي خلفها ذاك الانسحاب
ويرى أنه على المسؤول في الدولة أن يوضح خياره من هذين الطريقين ويتحمل مسؤولية سلوكه لأحدهما دون الآخر، وبالتالي المساءلة الرسمية والشعبية له عن نتائج قراره.

ويفيد بانيتا بأن الاضطراب والمشكلات هما حالة قابلة للاستيعاب إذا ما تمتع المسؤول السياسي بالشجاعة والبصيرة اللتين تسمحان له بقراءة الواقع وحيثياته من جهة، وبالتالي مواجهة المشكلة ووضع الحلول الممكنة لها من جهة أخرى.

تلاطم قرارات أوباما في حربه ضد التطرف
وزير الدفاع ورئيس وكالة الاستخبارات الأميركية الأسبق في إدارة أوباما انتقد رئيسه بشدة، واتهمه بخلق فراغ في العراق إثر أمره القوات الأميركية بالانسحاب الكامل، فراغ سمح لتنظيم الدولة الإسلامية المعروف بـ"داعش" بالصعود والتغلغل في الفراغات الأمنية التي خلفها ذاك الانسحاب.

وقد جاءت انتقادات بانيتا لاذعة وقاسية على العكس من الصبغة الدبلوماسية التي جاءت بها مذكرات هيلاري كلينتون التي نشرت في الفترة نفسها لنشر "حروب جديرة بخوضها".

وقد يكون السبب في ذلك أن كلينتون تريد الاحتفاظ بشعرة معاوية بينها وبين موقع الرئاسة إذا ما ترشحت لمنصب الرئيس في 2016. ولم يتوان بانيتا عن توجيه اتهام مباشر لإدارة أوباما بأن معظم القرارات الكبرى التي كانت تتخذ كانت "مركزية"، بمعنى أن أهل البيت الأبيض هم من يتحكمون بصيغتها وبآلياتها.

ويشير إلى أن المركزية في صنع القرار تعتبر حالة استثنائية وشاذة عن الموروث السياسي الأميركي لم تشهدها الإدارات السابقة.

مذكرات بانيتا -التي هي أقرب إلى الكتابة الملحمية لقصة نجاح أميركية صاغت أحداثها شخصية سياسية تنتمي إلى الحزب الديمقراطي سياسيا وإلى روح الشعب الأميركي إنسانيا- لاقت إقبالا منقطع النظير

ولا ينسى بانيتا أن يهزأ من ضعف أوباما ومناوراته من أجل تجنب المواجهات أو المعارك، وكذلك صفة التردد التي لازمت سياسته وأدت إلى إضاعة الكثير من الفرص في حسم الأمور في الوقت المناسب، ويستذكر في هذا الشأن "الخط الأحمر" الذي رسمه أوباما للنظام السوري إذا ما لجأ إلى استخدام السلاح الكيميائي وتراجعه عن ضرب قوات الأسد حين تجاوز هذا الخط!

مذكرات بانيتا التي هي أقرب إلى الكتابة الملحمية لقصة نجاح أميركية صاغت أحداثها شخصية سياسية تنتمي إلى الحزب الديمقراطي سياسيا وإلى روح الشعب الأميركي إنسانيا لاقت إقبالا منقطع النظير وتصدرت قوائم الكتب الأكثر مبيعا في الأسواق الأميركية.

فالشعب الأميركي يريد أن يعرف حقيقة ما يدور في كواليس المكتب البيضاوي الذي أوصل إليه الرئيس الأكثر شعبية في تاريخ أميركا جين انتخابه في عام 2008، وكيف كانت طبيعة العلاقات بين كبار المسؤولين عن الأمن القومي الأميركي ورئيسهم وسبل وآليات اتخاذهم القرارات المصيرية.

المبيعات العالية لكتاب "حروب جديرة بخوضها" حدت بالصحافي الشهير ديفد إغناتيوس إلى أن يكتب في الـ"واشنطن بوست" قائلا "ربما كان من المفيد لأوباما أن يوقع مع كبار مسؤوليه حين يؤدون القسم للعمل في إدارته اتفاق مشاركة في حقوق نشر مذكراتهم".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك