عرض/ أحمد التلاوي
من أهم المفردات التي تتداولها وسائل الإعلام ومراكز البحوث في الوقت الراهن، مفردة "داعش" (تنظيم الدولة الإسلامية) باعتبار صارت صنوا لكل ما هو "سيئ" و"قبيح" و"شرير" في ملف السلفية الجهادية، وفي مخرجات الربيع العربي.

ورغم حداثة الأزمة التي تسبب فيها ظهور تنظيم الدولة على هذا القدر من الغلو والعنف وفق المراقبين، فإن المطابع العربية أخرجت بعض الكتب التي تتناول هذا التنظيم "الظاهرة"، ومن بينها هذا الكتاب الذي يحمل عنوان "داعش.. خرائط الدم والوهم" لمؤلفه الكاتب الصحفي المصري محمود الشناوي.

يقدم الكتاب في ستة فصول ومقدمة وخاتمة، رؤية الكاتب حول تنظيم الدولة الإسلامية وجذوره، من خلال مجموعة من الوثائق والشهادات الحية التي حصل على قسم كبير منها أثناء عمله كمدير لمكتب وكالة أنباء الشرق الأوسط في العراق بين عامي 2006 و2010.

-العنوان: داعش.. خرائط الدم والوهم
-المؤلف: محمود الشناوي
-الناشر: دار روعة للنشر والتوزيع
، القاهرة
-عدد الصفحات: 240
-الطبعة: الأولى 2014

ومن الملاحظ أن هناك منطلقا قيميا وفكريا عاما يحكم تناول المؤلف للظاهرة التي هو بصددها، وكان هذا المنطلق هو الموجه الرئيسي وربما الوحيد للشناوي الذي حكم على تنظيم الدولة ومختلف فصائل وجماعات السلفية الجهادية، بأنها جميعا تنظيمات إرهابية متطرفة لا تفهم سوى لغة الدم الحرام في حراكها العام.

في هذا السياق الفكري العام الذي حكم الكتاب، يبدأ المؤلف بمقدمة يُحمّل فيها القيادات المعاصِرة للسلفية الجهادية مسؤولية الزج بآلاف الشباب في أتون حروب قال إن هذه القيادات أخرجتها عن سياقها لتتحول من مواجهة الولايات المتحدة إلى حرب دينية بين المسلمين والغرب.

ولكن الشناوي لا يُنحي باللائمة على هؤلاء الشباب، ويرفض التعامل معهم بمنطق العنف وحده، أو توصيف البعض لهم باعتبارهم خوارج العصر، فهو يدعو إلى مراجعات فكرية تؤسس لمنحى جديد في هذا التعامل.

الفصل الأول من الكتاب وهو بعنوان "تنظيم التوحيد والجهاد"، يؤكد أن جذور نشأة وتأسيس تنظيم الدولة تعود إلى العام 2004، عندما أسس أبو مصعب الزرقاوي جماعة "التوحيد والجهاد" على خلفية الغزو الأنجلو أميركي للعراق عام 2003.

ويتتبع المؤلف في هذا الفصل تاريخ الزرقاوي منذ أن كان في أفغانستان وحتى تأسيسه لجماعة التوحيد والجهاد، ثم مجلس شورى المجاهدين الذي كان اللبنة الأولى لتنظيم الدولة، وضم عددا كبيرا من الفصائل الجهادية المسلحة، من بينها جيش أهل السنة وجيش الطائفة المنصورة.

ويقرر أن الزرقاوي كان دائما ومنذ أن كان في أفغانستان وحتى قتله في العراق في يونيو/حزيران 2006، يحاول أن يكون مستقلا عما عداه من تنظيمات، بما في ذلك تنظيم القاعدة.

واللافت أيضا أن الزرقاوي استطاع بالسياسة التي تبناها، أن يحتوي ممثل تنظيم القاعدة في العراق -وهو تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين- ضمن مجلس شورى المجاهدين.

لا يُنحي المؤلف باللائمة على الشباب المنتمي لداعش، ويرفض التعامل معهم بمنطق العنف وحده، أو توصيف البعض لهم باعتبارهم خوارج العصر، وهو يدعو إلى مراجعات فكرية تؤسس لمنحى جديد في هذا التعامل

ويقدم هذا الفصل خريطة بأهم الأطر التنظيمية لجماعة الزرقاوي، مثل مجلس الشورى والهيئة الشرعية ووزارة الإعلام ووزارة الأوقاف، وأهم الشخصيات التي كانت في الساحة في ذلك الوقت، مثل أبو أيوب المصري، وأبو حمزة البغدادي، وعبد الرحمن العراقي.

الفصل الثاني "ماكينة الدم"، يفصل فيه المؤلف الخريطة الفكرية والتنظيمية للقاعدة، وكيف تقوم بعملية التجنيد وتشكيل الخلايا الخاصة بها، وتدريب عناصرها وتوجيههم.

ويؤسس للاتجاه العام للنقاش من خلال كتاب لم يتم توثيق حقيقته بعد، وهو كتاب "إدارة التوحش" الذي ألفه شخص يُدعى أبو بكر ناجي، وقدم فيه صورة "وحشية" عن تصورات التنظيمات الجهادية للتعامل مع الأمور في الأقاليم والمناطق التي توجد فيها، من خلال منطق العنف والفوضى، حتى يتحول التنظيم إلى الأمل الوحيد في الاستقرار لقاطني هذه الأقاليم.

وبعد أن يؤكد المؤلف الرسالة التي أرادها، ينسب كل ممارسات عملية "إدارة التوحش" هذه إلى أفكار ومناهج مختلف المدارس الإسلامية الفكرية والحركية الأخرى.

الفصل الثالث يحمل عنوان "تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية"، ويبدأ من تاريخ مقتل أبو مصعب الزرقاوي في يونيو/حزيران 2006، فقد عمدت قيادات مجلس شورى المجاهدين إلى تأسيس تنظيم الدولة الإسلامية في العراق في أكتوبر/تشرين الأول من ذات العام، وضم تقريبا ذات الفصائل السنية المسلحة التي كان يضمها مجلس شورى المجاهدين، بما في ذلك تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وتمت مبايعة حامد داود خليل الزاوي -أو أبو عمر البغدادي- زعيما لها.

ويلفت المؤلف إلى علاقة هذا التنظيم بالأطياف السنية الأخرى غير المنضوية تحت لوائه، وهي العلاقات التي كانت في الغالب صدامية، إذ فرض تنظيم الدولة نفوذه بالقوة، وفي سبيل ذلك، صفى عددا كبيرا من قيادات وأفراد العشائر في المناطق العربية السنية في غرب ووسط البلاد، مثل الأنبار وشمال بغداد وغيرها.

الفصل الرابع من الكتاب وهو بعنوان "الصحوات.. أعداء الجميع"، تتبع فيه المؤلف ظاهرة الصحوات، أو تلك القوات شبه النظامية التي شكلتها الحكومة العراقية بالتعاون مع الولايات المتحدة -التي كانت حينها قوة احتلال- من شباب بعض العشائر العربية السنية، لمحاربة المجموعات المسلحة.

ولا تعود أهمية هذه المجموعات إلى قيمتها القتالية فحسب، إذ كان هناك دور مهم لعبته المليشيات الشيعية في التصدي لتنظيم القاعدة، بل كانت أهميتها سياسية أيضا باعتبارها تنتمي إلى العرب السنة، وكان تأييدهم للحرب ضد هذه التنظيمات مهما في عزلها وإظهار أنها عدو للعراق والعراقيين.

وكانت أهم هذه المجموعات عشائر الأنبار، حيث تم التواصل مع كل من عبد الستار أبو ريشة وثائر التميمي -وهما من القيادات العشائرية هناك- لتأسيسها، ولكن أبو ريشة تم اغتياله من جانب القاعدة بعد معارك عنيفة معها، استطاع خلالها الحد من نفوذ القاعدة هناك بعدما انضمت بعض عناصر القاعدة والتنظيمات الجهادية إلى هذه الصحوات.

الفصل الخامس يأتي تحت عنوان "الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)"، ويشرح فيه المؤلف الملابسات التي أحاطت بالإعلان عن تأسيس تنظيم الدولة في أبريل/نيسان 2013 استجابة لتطورات الأحداث الدموية في سوريا.

منهج تنظيم الدولة أدى إلى نتائج سياسية عميقة على الأرض، ولاسيما في العراق، حيث غيّر وجه المكون البشري هناك بعد سلسلة مذابح وعمليات تهجير تمت بحق المسيحيين والإيزيديين في المناطق التي استولى عليها تنظيم الدولة

بدأ التنظيم من خلال الاندماج بين تنظيم الدولة الإسلامية في العراق بزعامة أبو بكر البغدادي، وجبهة النصرة -وهي فرع تنظيم القاعدة في سوريا- بزعامة أبو محمد الجولاني، وقد تمت لها السيطرة على عدد من المحافظات السورية. ولكن وفي يونيو/حزيران من العام الماضي، أعلن زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري حلّ التحالف بين النصرة وتنظيم الدولة، وقال إن الإعلان عن تأسيس تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام تم بدون استشارة قيادة القاعدة.

ويركز المؤلف في هذا الفصل على أمرين: الأول هو الصعود السريع والمفاجئ للبغدادي من آمرٍ على بلدة حدودية صغيرة بين العراق وسوريا، كانت نقطة عبور المقاتلين من سوريا إلى العراق، إلى زعيم جناح القاعدة في العراق قبل الانشقاق الأخير.

الأمر الثاني هو الخلاف بين البغدادي والقاعدة، ويصفه المؤلف بأنه يجسد استمرار الخلاف في الأسلوب بين الزرقاوي ومنهج القاعدة خلال سنوات الاحتلال الأميركي في العراق، حيث يمثل البغدادي منهجا أكثر تشددا ودموية من القاعدة، خصوصا بعد المراجعات التجديدية التي أجرتها القاعدة في السنوات الأخيرة.

ويقول المؤلف إن منهج البغدادي وتنظيم الدولة أدى إلى نتائج سياسية عميقة على الأرض، ولا سيما في العراق، حيث غيّر وجه المكون البشري هناك بعد سلسلة مذابح وعمليات تهجير تمت بحق المسيحيين والإيزيديين في المناطق التي استولى عليها تنظيم الدولة في العراق عام 2014.

الفصل السادس وعنوانه "خرائط الدم والوهم"، يتضمن رؤية المؤلف لموقف تنظيم الدولة من المعادلة السياسية الراهنة في سوريا والعراق، ومنطقة المشرق العربي بشكل عام، فيشير إلى أنه رغم العنف غير المسبوق الذي يتعامل به التنظيم، فإنه من غير المرجح أن يستمر طويلا أو يستطيع فرض سيطرته على الأرض، ورسم حدود متعارف عليها لدولته، في ظل التقاطعات الكبيرة بينه وبين مشروعات إقليمية ودولية أخرى حول المنطقة، ضمن مشروع "الفوضى الهدامة" الأميركي الغربي الذي يستهدف تفتيت المنطقة بأكملها، والكيانات الكبرى بها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك