عرض/ياسر غريب
يبدو هذا الكتاب جديدا في معالجته، إذ يسعى المؤلف الدكتور محمد أبو رمان إلى إماطة اللثام عن المجتمع السلفي، وفهم تعقيداته واتجاهاته المختلفة، عبر توفير مادة دسمة تتجاوز الانطباعات السائدة، وتركز على السياق الاجتماعي والاقتصادي والثقافي لفهم دوافع السلفيين وتجاربهم.

قامت الدراسة بالاقتراب من "المجتمع السلفي" من خلال روايته الذاتية عبر منهج يقوم على المقابلات الخاصة مع شخصياته وأفراده، من ينتمون إليه ويتبنون السلفية، ليس فقط معرفيا بل حتى سلوكيا وثقافيا.

يقع الكتاب في أربعة فصول رئيسة غير الفصلين التمهيدي والختامي، وهي "كيف صرت سلفيا؟"، و"السلفية الجهادية: الطريق الشائك إليها والخروج الآمن منها"، و"البحث عن الطريق الثالث سلفيا، و "من قلب السلفية إلى الخوارج"، في حين كان الفصل التمهيدي عنوانه: "من هم السلفيون" بينما كان عنوان الفصل الختامي: "أسئلة الهوية: الأزمة والتحول".

مشكلة الدراسة

-العنوان: أنا سلفي "بحث في الهوية الواقعية والمتخيلة لدى السلفيين"
-المؤلف: محمد أبو رمان
-عدد الصفحات: 267
-الناشر: مؤسسة فريدريش إيبرت- عَمان
-الطبعة: الأولى، 2014

يقرر المؤلف بأن السلفية ليست أمرا مستحدثا ولا غزوا دينيا لمجتمعاتنا وثقافتنا العربية، فهي تيار عريض له تراثه الفقهي والفكري والدعوي ومعه ترسانة من الكتب والفتاوى والتنظير الديني غير المنقطع عبر العصور الإسلامية المتتابعة.

وقد أصبحت السلفية حالة معاصرة لها حضورها الملحوظ في مختلف مناحي الحياة العربية، حيث إن تحولا كبيرا قد طرأ، أدى إلى مشاركتهم في الشؤون السياسية منذ بزوغ ما يسمى بالربيع العربي دفعهم إلى إعلان أجنداتهم السياسية. وفي بعض الأحيان تتجاهل وسائل الإعلام حقيقة أن هذه الحركات ليست ثابتة ولا متجانسة.

وقد اعتمد الكتاب منهجا سرديا داخليا يقدم فيه السلفيون -بأنفسِهم- رؤيتهَم لـ "الأنا" و"الآخر"، والمقصود بالآخر هو "المختلف" أو الخارج من دائرة "الأنا"، سواء كان فردا أو فكرة أو مجتمعا أو جماعة.

من هم السلفيون
يعد الفصل التمهيدي الذي عنونه المؤلف بـ"من هم السلفيون" الفصل النظري الذي يقدم التعريفات المختلفة للسلفية، وتطورها عبر التاريخ، والمرحلة المعاصرة منها، والاتجاهات السلفية الحالية، وسمة كل اتجاه وأفكاره الرئيسة وحججه.

وفي هذا الفصل يتعرف القارئ على الخريطة الفكرية المتشعبة والمتداخلة للتيارات السلفية، حيث يمكننا التمييز بين أربعة اتجاهات رئيسة في السلفية المعاصرة، على الأقل في المشهد السياسي العربي، الأول منها هو: "الخط المحافظ أو العلمي والدعوي"، الذي اختار طريق الدعوة والتعليم ورفض المشاركة السياسية، مركزا جهوده على ما يعده تصحيحا للجوانب العقائدية والعلمية والرد على العقائد والأفكار المنحرفة.

والثاني هو "الخط الجامي"، وتقوم مقاربته السياسية على مبدأ "طاعة أولياء الأمور"، ويتخذ دوما موقف الانحياز للحكومات ضد المعارضة بما فيها الحركات الإسلامية الأخرى.

أما الاتجاه الثالث، فتمثله "السلفية الجهادية"، التي تقوم مقاربتها السياسية على تكفير الحكومات العربية العلمانية المعاصرة ومقاومتها، ويمثل خطاب هذا التيار الحاضنة الأيديولوجية لشبكة القاعدة، ويتماهى تماما مع خطها السياسي والحركي.

يمكننا التمييز بين أربعة اتجاهات رئيسة في السلفية المعاصرة، على الأقل في المشهد السياسي العربي، هي "الخط المحافظ أو العلمي والدعوي"، ثم الخط الجامي، ثم الاتجاه السلفي الجهادي، وهناك اتجاه رابع يمكن أن نطلق عليه التيار السلفي الوسطي
وهناك اتجاه رابع، يمكن أن نطلق عليه "التيار السلفي الوسطي" الذي يجمع ما بين العقائد والأفكار الدينية السلفية من جهة، والعمل الحركي والمنظم أو حتى السياسي من جهة أخرى، وهو تيار يؤمن بالإصلاح السياسي وسلمية التغيير، حتى وإن اختلفت المجموعات التي تمثله في تعريف الواقع أو الموقف من الحكام، إلا أنها تتفق على العمل السياسي ومشروعية المعارضة، ورفض الخيار المسلح في إدارة الصراع الداخلي.

ويرصد المؤلف تطور التيارات السلفية التي تصف نفسها بأنها امتدادٌ لـ"أهل الحديث" في القرنين الثاني والثالث الهجريين، مرورا بأطوار متعددة، وكيف بلغت السلفية التاريخية مع ابن تيميه أوج نضوجها، إلى أن تَبلور "المنهجُ السلفي" وتحددت معالم الطريق لكافة السلفيين الذين جاؤوا من بعده وانتسبوا إلى السلفية.

كيف صرت سلفيا
والفصل الثاني يتعرف القارئ على نماذج لمجموعات من الشباب المنتمين إلى الدعوة السلفية "التقليدية"، أي تلك التي تمثل امتدادا لمدرسة الشيخ ناصر الدين الألباني وتلاميذه، وكانت باستمرار تعلن بأن أهدافها علمية وتربوية ودعوية بحتة، تقوم على مبدأ "التصفية والتربية"، وترفض بصرامة، الولوج إلى العمل السياسي والحزبي والتنظيمي، وتتمسك بأولوية تصحيح العقائد، وترسيخ المفاهيم السلفية في هذا المجال، وتنقيح علوم الدين، والاهتمام بدرجة كبيرة بـ"علم الحديث"، وهو العلم الذي برز فيه وتميز شيخ هذا الاتجاه محمد ناصر الدين الألباني.

وتكشف الدراسة عبر الحالات التي رصدتها وتابعت تطورها، أن تجاربها الشخصية مع هذا التيار، تشترك في أمور رئيسة أهمها أن ما دفعهم نحو هذا التيار والانخراط فيه، هو "الغواية العلمية"، ابتداء، إذ يمتاز أصحاب المنهج السلفي عن باقي المدارس الإسلامية الأخرى بالاهتمام بالعلوم الشرعية والتثبت من صحة الأحاديث والعودة إلى النصوص الشرعية بصورة مباشرة، لاستنطاق الموقف الفقهي المطلوب تجاه مختلف الأحداث والقضايا المحيطة، سواء أكانت سياسية أو اجتماعية أو حتى شخصية.

لكن الدراسة كشفت أيضا عن أن هذا التيار يعاني أزمة طاحنة بسبب كثرة الخلافات، كما أن الجيل الأكاديمي الجديد الصاعد قد بدأ يتململ من "عقلية الوصاية" التي تمارسها المشيخة التقليدية، وأخذ يُظهِر بصورة متدرجة رغبته في القيام بمراجعة حالة التيار والقناعات التي حكمته خلال سنوات، ويعيد النظر بمصداقية القيادة الحالية وأهليتها للاستمرار في هذا الموقع.

السلفية الجهادية
يذهب أبو رمان في إطار حديثه عن الشخصية الجهادية إلى أن "البعد العقائدي أحد أهم الأسس التي تميز الجهادي، فهو شخصية عقائدية بامتياز، بما في ذلك المنظور السياسي له، فالموقف من الحكومات والأنظمة واللعبة السياسية والديمقراطية والأحزاب السياسية الأخرى، بما فيها الأحزاب الإسلامية هو موقف مرتبط بالعقيدة والتوحيد.

لكنه يكشف أنه بالرغم مما يبدو عليه من صرامة خارجية، فإنه يُسمح في أروقة هذا التيار بقدر كبير من الاختلافات والتباينات بين أفراده، بين اتجاه يسعى إلى تليينه وتدوير الزوايا الحادة وتخفيف وطأته القاسية، واتجاه آخر يتشدد فيه ويغلقه عن المحيط الخارجي.

وقد لاحظت الدراسة أن كثيرا من الجهاديين ليسوا معنيين بمتابعة تفاصيل الحياة السياسية ووسائل الإعلام، إلا فيما يتعلق بالقضايا الرئيسة التي يهتمون بها، أو الأخبار التي تمس التيار الذي ينتمون إليه، فكثير من أفراد هذا التيار غير معنيين بقراءة الصحف ولا متابعة الفضائيات بصورة مكثفة، ولا حتى المشاركة في السجالات العامة حول القضايا المختلفة المتعددة، إلا بمقدار ما يعزز ويثبت ويؤكد "رؤيتهم العقائدية".

الطريق الثالث
اختار التيار السلفي الثالث أن يأخذ مسارا متوسطا بين السلفية التقليدية التي تنتمي إلى مدرسة الشيخ الألباني، ولاحقا تلك التي أخذت اتجاها جهاديا متأثرا بما يطرحه أبو محمد المقدسي.

ورغم أن هذا الاتجاه تماهى في البدايات مع التيار السلفي العام وشيوخه في الأردن والسعودية عموما وتقاطع نسبيا في مرحلة لاحقة مع السلفية الجهادية، فإنه لا يزال إلى اليوم يعمل على تكريس الرؤية السلفية الثالثة، سواء في الخطاب الإعلامي أو العمل الاجتماعي والدعوي والتربوي والخيري.
رغم أن الطريق الثالث تماهى في البدايات مع التيار السلفي العام، وتقاطع نسبيا في مرحلة لاحقة مع السلفية الجهادية، فإنه لا يزال إلى اليوم يعمل على تكريس الرؤية السلفية الثالثة، سواء في الخطاب الإعلامي أو الدعوي والتربوي
هذا الاتجاه يصفه المؤلف -بفضل اللقاءات والتجارب التي نقلها أصحابها- بأنه اتجاه رخو، أيديولوجيا وحركيا وليس متماسكا ولا صلبا، لكنه يعكس وعيا مفارقا للاتجاهين التقليدي والجهادي. ووفق النماذج التي طرحها فإن هذا التيار يعاني بدرجة كبيرة من الارتباك وعدم الوضوح والتوتر داخل أروقته.

الارتداد عن السلفية
في فصل "من قلب السلفية إلى الخارج" يستعرض أبو رمان تجربتين تضيئان زوايا أخرى من الصورة، وهي الخروج من السلفية إلى الأفكار الأخرى، سواء أكانت إسلامية فضفاضة أو علمانية، وكيف تطورت التجربة فكريا وروحيا ودفعت أصحاب التجربتين للخروج من السلفية مرة أخرى!

ويقيم المؤلف هذه الحالة من التحول بأنها تتمثل في أنها نشأت بسبب عدم استجابة الأفكار السلفية الراهنة للأسئلة الإصلاحية التي كان المتحولان يسعيان إلى الإجابة عنها، سواء أكان ذلك على صعيد التزاوج مع القيم الأساسية، الحرية الفكرية، الرؤية النقدية، العدالة الاجتماعية، الديمقراطية، والخروج من قاع التخلف نحو النهضة الإنسانية والمجتمعية والتنمية والتحرر من الاستبداد بصوره المختلفة وأشكاله المتعددة، سياسيا ودينيا وفكريا ووجدانيا.

أسئلة الهوية
وفي الفصل الختامي يناقش المؤلف منظور الهوية السلفية، من خلال طرح جملة من الأسئلة الإشكالية ومن أهمها: لماذا أصبحت سلفيا؟ وكيف أصبحت سلفيا؟ وماذا يعني أنني سلفي؟ وكيف أتعامل مع الآخر؟! وما يترتب عليها من نتائج في تمثيل هذه الهوية وتجسيدها وترجمتها عبر سمات الشخصية السلفية الأساس، وتحققها على أرض الواقع.

بينما الخلاصة، كما يقول الدكتور محمد أبو رمان، هي أن الواقع -وشروطه ومتغيراته وإكراهاته- يسهم بصورة فاعلة -غير مباشرة- في صناعة الهوية السلفية وتحديد أبعادها وتجلياتها، فأحد أهم العوامل المفسرة لها هو "الأزمة"، وتختلف طبيعة الاستجابة والتكيف مع اختلاف شروط الأزمة وحيثياتها وانعكاساتها على المجتمعات العربية والمسلمة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات