عرض/مرح البقاعي

هو كتاب من فئة التأمل الفكري العميق في أصول وقواسم الانسجام والتقارب الدوليين، مقابل ما يشهده العالم من الاضطراب واختلال الميزان الأمني والسياسي.

والكاتب هو من أبرز رجال الدولة والسياسة والفكر في العالم، وكان من أقوى وزراء الخارجية الأميركيين، وأطلق عليه لقب ثعلب أميركا لعمق حنكته السياسية وقراءته للأحداث العالمية وتحليل تأثيرها في مجريات التاريخ الحديث.

الكاتب هو هنري كيسنجر، وقد وضع بين دفتيّ هذا الكتاب الذي يحمل عنوان "النظام العالمي" خلاصة نظرياته السياسية في كيفية بناء صرح النظام العالمي بصورة تشاركية بين دول العالم، مع الأخذ بعين الاعتبار القراءات التاريخية المتباينة، والصراعات العنيفة المندلعة في غير منطقة من العالم، وانتشار التكنولوجيا ووسائل التواصل بإيجابياتها وسلبياتها، وكذا انتشار التطرّف الأيديولوجي وانعكاساته على المجتمعات الإنسانية.

-العنوان: النظام العالمي
-الكاتب: هنري كيسنجر
-الناشر:  بنغوين بريس
-الصدور: سبتمبر/أيلول 2014
-عدد الصفحات: 420

يرى هنري كيسنجر أنه لم يكن هناك في يوم من الأيام "نظام عالمي" واضح ينظم دول العالم جميعها. وأنه على امتداد خط التاريخ قامت الحضارات الإنسانية المتعاقبة بتقديم نموذجها الخاص لهذا النظام، كل منها على حدة. كل واحدة من هذه الحضارات كانت ترى في نفسها مركز العالم، وتعتقد -نتيجة- أن نموذج النظام الذي تقدّمه هو الأنسب ليُتّخذ منهجا عالميا تشترك فيه دول الأرض كافة.

فالصين على سبيل المثال تجد أن التسلسل الهرمي العالمي للثقافات يبدأ من رأس هرم الإمبراطورية الصينية حين كان الإمبراطور في ذروة مجده وسلطته. أما في أوروبا، وفي قلبها البشري روما، فإن الشعوب الأوروبية باشرت بعد سقوط روما تقديم نموذج الدولة المستقلة وذات السيادة، وأرادت تصدير هذا النموذج إلى كل أنحاء العالم.

ولم تحِدْ الولايات المتحدة الأميركية عن هذه المعادلة، حسب كيسنجر، فأميركا التي ولدت وتأسست على قناعات ومبادئ الفكر والممارسة الديمقراطية، وأن هذه المبادئ التي تحمل صبغة عالمية تجب ممارستها كمنهج وحيد ناجع في العالم، هي نفسها التي تمارس حتى هذا اليوم في الولايات المتحدة، وتشكّل الحجر الأساس في سياساتها وحياة الشعب الأميركي اليومية.

من الواضح أن ما يجري اليوم على مستوى العلاقات الدولية بين دول العالم لا يبتعد كثيرا عن هذه المفاهيم التاريخية للنظام الدولي. فالتداخل السياسي ووسائل التواصل الحديثة أوجبا أن تتشارك دول العالم في السياسات العليا للمناطق الأخرى، وغالبا ما تحدث هذه المشاركة بصورة فورية بسبب توفر وسائل الإعلام الحديثة وكذا المواصلات المتقدمة.

يجزم كيسنجر بأن المفهوم العام الذي يستند إليه النظام العالمي في عصرنا الحديث يمرّ بأزمة حقيقية، ويستشهد بصور من الاضطرابات والحروب التي تشعل أكثر من منطقة في العالم

ورغم السرعة واللحظية في تبادل وجهات النظر السياسية والتشارك في رسم السياسات الدولية بين دول العالم، فإنه تغيب عن هذه العملية قواعد وآليات توجيهها، والحدود المرعية التي لا يمكن تجاوزها في رسم السياسات وتحديد شكلها ووجهتها النهائية. وبسبب غياب المحدّدات التي تدير عملية العلاقات الدولية يتصاعد التوتر الدولي بما يتنافى مع محاولة خلق مناخ مقبول لنظام عالمي مستقر ومفيد للبشرية.

أميركا والصين في قيادة العالم
يجزم كيسنجر في كتابه الجديد بأن المفهوم العام الذي يستند إليه النظام العالمي في عصرنا الحديث يمرّ بأزمة حقيقية، ويستشهد بصور من الاضطرابات والحروب التي تشعل أكثر من منطقة في العالم.

ففي ليبيا تدور حرب أهلية حقيقية لا يعرف أحد كيف ومتى يخمد أوارها، وبينما تقوم قوات متطرّفة مسلّحة ببناء خلافة مستقلّة في العراق وسوريا وأفغانستان، يتربّع على عرش الحدث العالمي التوتر الشديد الذي يشوب العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا على هامش موقفهما من حروب أوكرانيا وسوريا، في حين يتأرجح ميزان علاقات أميركا مع الصين بين التعاون تارة وتبادل الاتهامات تارات.

ويقول كيسنجر في الكتاب إن مفاهيم المجتمعات الغربية هي التي تحدّد أطر البحث عن نظام عالمي جديد. فالولايات المتحدة اضطلعت بقيادة العالم بعد فترة ليست بالطويلة من انتهاء الحرب العالمية الثانية، معتمدة على مبدأي الحرية والديمقراطية اللذين أسسا بنيانها السياسي القوي.

ويرى كيسنجر أن إقامة نظام عالمي جديد في طور التأسيس والبناء حاليا، لأنه أصبح واقعا دوليا وضرورة اجتماعية في ظل ارتفاع عدد الدول المستقلة ذات السيادة التي تحكم مساحات شاسعة من الأرض، كما أن انتشار الفكر الديمقراطي والحكم القائم على المشاركة السياسية وتداول السلطة أصبح طموحا مشتركا للبشرية، إن لم نقل أضحى واقعا مطلوبا في العالم.

وينظر كيسنجر بثقة إلى سياسة أوباما في السنوات الست الأخيرة والتي هدفت إلى تشكيل جسم عالمي للأمن والتعاون بشكل معاصر يتماشى مع القرن الواحد والعشرين.

يقول كيسنجر إنه لا بد من بناء نظام عالمي جديد لا يعتمد على قطب واحد. ومن هذا المنطلق يرى أن النظام العالمي الجديد سيكون بالمشاركة بين أميركا والصين، مخرجا روسيا نهائيا من معادلة قيادة العالم

أما في فترة الحرب الباردة فقد اتفق الحزبان الأميركيان اللذان يتناوبان على الحكم (الديمقراطي والجمهوري) على الالتزام بحماية المجتمعات الحرة التي تنهج اقتصاد السوق، وتمدّ يد التعاون والشراكة لباقي مجتمعات العالم، بل تساهم في نشر هذه القيم.

ويختزل كيسنجر الرؤية الأميركية بأنها نظام تعاون دولي يتوسّع باستمرار ويضم دولا جديدة تلتزم قواعد ومعايير مشتركة تنبذ فكرة احتلال الأرض، وتحترم السيادة الوطنية، وتنتهج أنظمة حكم ديمقراطية. وهذا النظام الذي رسخته القوة العسكرية، والدبلوماسية الأميركية، والتحالفات مع دول تجمعها قيم متشابهة، قد ساهم في هزيمة الفاشية والشيوعية.

لكن كيسنجر يلحظ أنه رغم مرور ربع قرن على القيادة القوية -لكن الأحادية- للعالم من طرف الولايات المتحدة منذ سقوط حائط برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي، فإن العالم بقي غير مستقر.

لهذا السبب يقول كسنجر إنه لا بد من بناء نظام عالمي جديد لا يعتمد على قطب واحد. ومن هذا المنطلق يرى أن النظام العالمي الجديد سيكون بالمشاركة بين أميركا والصين، مخرجا روسيا نهائيا من معادلة قيادة العالم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك